الرئيسية » رصاص خشن » بالعرض البطيء

بالعرض البطيء

فؤاد ديب  |  

الأطفال يغفون رويداً رويداً وأصوات غناء أمهاتهم  يرتل للحمام الأمان.

الحمام يعلم كذبة الأمهات فيطير بأمان ويحط  داخل الأسوار فحرارة الطقس لاتطاق خارجها  وأحجار المراهقين تلاحق صفو هديله.. فجأة علا صراخ وطار الحمام مذعوراً كأن زلزالاً يمر تحت الأرض فاستيقظ الأطفال وسبقهم رعب أعينهم إلى الزقاق، ركض فضول الأمهات أمامهن فلحقن به كي يستطلعن خبر الصراخ ومسجلة كل واحدة منهن على أهبة النميمة، ركض الأطفال خلفهن بأسمال مرقعة تدعي أمام واجهات الزجاج أنها ثياب بينما الرضع لا حول ولا قوة بانتظار عودة الحليب إليهم من أثداء سبقت الأمهات صوب الصراخ ومن يحبوا لم يستطع اللحاق بالصدى فالتقم البكاء وأسلم للانتظار جلوسه. بينما  الآباء في ساحة المخيم يجلسون وكأن طير الصمت أكل السنتهم، يجلسون على ركبهم وأيديهم خلف رؤوسهم كأنهم يقلدون فزاعة الحقل بينما ابتسم الرجل الذي يحمل بعض النجوم على كتفة ابتسامة صفراء ساخراً من جلسة الرجال المتبلدة، كانوا واجمين لا يستطيعون فعل شي، رفع يده في الهواء وأنزلها بقوة، ففتح الجنود النار على الجالسين فتساقطوا بهدوء… بينما النسوة وقفن على حدود الدم لا يعرفن ماذا يفعلن هل يعدن الى أطفالهن أم يجففوا دم الرجال على الأرض حين انتبه الجنود لشهقة إحداهن وركضوا خلفهن  ليجهزوا على الأرواح المرتجفة… تراكضت النسوة كالفراخ في القفص حين يمد الجزار يده من باب القغص كي يمسك إحداهن ويذبحه.

كوووول هدف لإيطاليا.. الهدف الثالث لإيطاليا يحرزه باولو روسي بينما سقراط وزيكو  وبقية الفريق البرازيلي يستعرضون مهارتهم في لعبة كرة القدم… الحكم يعلن نهاية كأس العالم في كرة القدم إيطاليا تفوز على البرازيل 3-2 .. وترفع كأس العالم….

العالم يحتفل، الألعاب النارية… الشامبانيا… احتفالات الشوارع، كل هذا الفرح يعاد يومياً منذ ربحت ايطاليا كأس العالم  كم هو العالم جميل عندما يفرح ويرقص.

أمام البيوت استل الجنود السكاكين وحراب البنادق وطعنوا الأمهات أمام أطفالهن، الرضيع الذي كان يبكي قطعوا ثدي أمه ووضعوه في فمه بينما كان جنود آخرون يجرون امرأة جميلة من شعرها  على الأرض عارية والدماء تسيل منها بعد أن اغتصبها أكثر الجنود.. كانت مهترئة تماما لا تستطيع الصراخ حين اقترب جندي وأطلق رصاصة في رأسها وأمر البقية كي يقتلوا الأطفال.. لا نريد أحداً يعيش 

فيما بعد كي يروي الحكاية ..

الدماء في كل مكان… الجثث غطت الأرض لم يعد التراب هو أرض المخيم كانت الجثث هي الأرض والأرواح هي المنفى …

التلفزيون يعيد بالعرض البطيء آخر أهداف إيطاليا والكابتن يرفع كأس العالم… الجنود يرفعون بنادقهم وسلاحهم الأبيض يعلنون النصر على مخيم أعزل لقد انتصروا على أكثر من 3000 رجل وامرأة وطفل وعجوز …

صبرا و شاتيلا 16/9/1982 أكثر من عرض بطيء.

 شاعر وصحفي فلسطيني سوري  | خاص مجلة قلم رصاص

Powered by arabiceuro.com