الرئيسية » قلم رصاص » يوميات حرب طائفية أهليّة بمحليّة (20)

يوميات حرب طائفية أهليّة بمحليّة (20)

آنا عكاش  |  

أسبوع ونحن نفتل دمشق من صرّاف لآخر لاستلام الراتب التقاعدي لأبي دون فائدة، فالصرافات الخاصة بالبنك التجاري في جرمانا معطّلة و”مَشخوخٌ” عليها بجدارة. أما الصراف الكائن أمام البنك المركزي فرغم كونه يعمل لكن لا نقود فيه لسخرية القدر مما جعلني أتحسّر على مرأى تلك الورقة النقدية الكبيرة التي كانت تغطي واجهته الأمامية المقابلة للسبع بحرات قبل أحد التفجيرات والاعتداء عليه منذ سنتين على ما أظن.

وهكذا.. ومن منطلق السياحة البحتة، وبما أنه يوم عطلة، قررنا استثمار هذا اليوم “الربيعي الجميل الدافئ” في رحلة بحث جديدة عن صراف.

منذ أن درج تقاسم أجرة التكسي بين “المواطنين” تحسّن السير من جرمانا، فلم تعد مضطراً للوقوف ساعة بانتظار سرفيس محشوٍّ بالركاب كقطرميز مكدوس قد يأتي أو لا يأتي.

 فالسائق يتقاضى على الراكب مئة ليرة.. وما قيمة المئة ليرة في زمن بات فيه سعر كيلوغرام من الكوسا يعادل 325 ليرة؟

ركبنا.. الطيران منخفض جداً في الأيام الأخيرة. يمر فتخفض رأسك من ضغط الهواء وخشية أن تصيبك الطائرة سهواً في نقرتك.

علقنا عند الحاجز المؤدي إلى باب توما. الراكب الجالس في المقعد الأمامي يدخن بعصبية ويسعل بعدها والسائق يحدثه عن عملية القلب التي أجراها عام 2003 وتوقف بعدها عن التدخين نهائياً لأنه يتسبب بتخثّر دمه.

مرت سريعة منخفضة.. ضغطة هواء ثم انفجار.. انحنى السائق ليشير إلى مصدر الدخان المتصاعد من عين ترما ثم تحسّر على شققه الثلاث التي خسرها هناك. راقبنا جميعاً كتل الدخان السّكري الكثيف المتصاعد، الراكب على يمين أبي تساءل بخجل إن كان هذا صاروخاً أم برميل.. ثلاثتُنا (أنا والسائق والمدخن الذي يسعل) أكدنا له بحماسة وبالأدلة القاطعة الاحتمال الأول، فصوت إطلاق الصاروخ واضح مع انخفاض الطائرة بينما البرميل يحتاج لبعض الوقت قبل أن ينفجر.

مرّت في جولة أخرى.. تلاها سحابة دخان ثانية..

وصلنا..

 وبدأت رحلتنا للبحث عن صراف صالح لاستلام الراتب التقاعدي.. طويلةً طويلة..

*****

ما يزال بعض الثلج مستقراً على الجبال في الأفق، والعقرباني المتفرع عن بردى والمحاذي للسور يتدفّق بالذائب في الأعالي.. لكنه أقذر من قذارة البشر.

واجهات باب توما والقصاع تعلن عن تنزيلاتها الشتوية، 50% ويزيد. حركة بيع وشراء اعتيادية والنسوة محمّلات بأكياسهن، وكأننا لا نمر بـ “أزمة” انهيار سعر صرف الليرة السورية.

***

قررنا زيارة ضريح صلاح الدين ولكن القائم على الضريح منعني من دخوله دون عباءة، شرط جديد وضعته وزارة الأوقاف على زوار الضريح لم نعتده من قبل.

اعترضت قائلة أن وزارة الأوقاف بعقليتها هذه هي من تفرّخ داعش ومن المفترض أن تُؤخذ هذه النقطة بعين الاعتبار خشية نمو الخلايا النائمة في سبات عميق، فلا فارق بين الاثنتين على هذه الحال، فانتفض منزعجاً وطلب مني عدم التطرق إلى هذا الحديث.

عند الأموي يتزاحم المتشمّسون بكؤوس الجلاب يلتقطون صورهم مع الحمام، حشود من أطفال ولدوا في “الحرب” يبكون متمسكين بأيدي أمهاتهم.

أسأله: – ليش عم تبكي؟

– ضربني..

 ويشير إلى الصبي الجالس قربه. أضحك وأنا أخلع جاكيتي لأضعه على يدي:

– ريته يجعلها أكبر المصايب..

أمه تضحك أيضاً:

– ما هيك؟ شفتي؟

نتسرب إلى البزورية عبر ازقة تبدو في البداية مسدودة لكنها تخادعنا. أتأبط ذراع أبي، نشم رائحة التوابل وأشتري قليلاً من الزعتر البري.. لو للفردوس رائحة لكانت هي نفسها.. أو هكذا أتخيل..

قصر العظم مفتوح اليوم للعموم ولسنا مضطرين كـ “سوريين” لدفع 75 ليرة سورية ثمن تذكرة الدخول.

ضجيج كقفير نحل في شمس ما قبل الربيع، ضجيج غريب عن المكان الساكن في الأيام العادية. أحاول طبع ملامح المكان الذي لم أزره منذ سنوات ولا أنجح.. “همّ” في كل مكان.. يحجبون الرؤية عن كل الزوايا بكاميراتهم وأطفالهم وأكياس البزر.. سيلفي وغير سيلفي.. لا تستطيع المرور لا من أمامهم ولا من خلفهم دون أن تلتقطك كاميرة موبايل ما.

يقول أبي: – إيه! عَمّره من مصاري الناس ونحنا هلا شايفين حالنا فيه..

بين الزوار رجل معاق على كرسيه المتحرك، قدماه غير مكتملتي النمو، الموبايل محشور في جرابه، يصفن وكأنه في عالم آخر.

أقرر دخول الحمام قبل الانسحاب التكتيكي من هذا المكان، فلم أعد احتمل هذا الكمَّ من الحياة الصاخبة فيه.

على الجدار قرب المدخل ألصقت ورقة كُتِبَ عليها بخط رديء: “أجرة الدخول 25 ليرة والدفع سلفاً”..

جالس على كرسي صغير مقشش لم أر مثله منذ أن انتقل آخر بائع كراس مقششة من القباقبية، على الطاولة الصغيرة أمامه علبة حلاوة فارغة في قعرها بضع قطع معدنية تنهار مع سعر الصرف، سخانة كهربائية صدئة بسطحٍ من القهوة المحروقة المدلوقة عليه، كأس صغير من شاي خمير، صحن سيجارة مليء بأعقاب سجائر “الحمراء”، زجاجي أخضر ربما من معمل “أبو أحمد” للزجاج اليدوي في الباب الشرقي، كيس محارم شبه فارغ، وزجاجة عطر “تعبئة” صغيرة.

تمنيت أن أصور اللوحة بتفاصيلها الحميمة، لكنني خجلت لسبب ما على خلاف عادتي.

– رشّلك عطر؟

فمددت له يديّ متشككة برائحة ذلك السائل البنفسجي الفاتح.

بخّه على راحتيّ بكثافة وكرم.

شممته فاندفعت من ذاكرتي تلك الرائحة الأليفة من طفولتي، مددت راحتيّ لأبي وأنا أبتسم:

– متل ريحة الصابون..

وعلقت أمامي صورة يديه تحتويان كفي الصغيرين بأظافرهما المقروطة، تكاد تخفيهما الرغوة البيضاء الكثيفة عند المغسلة.. وتلك الرائحة.. نفسها.

7 آذار 2015

كاتبة ومخرجة سورية  |  خاص موقع قلم رصاص 

تعليق واحد

  1. يسلمو إيديكًي آنا عكاش !

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by arabiceuro.com