الرئيسية » نقار الخشب » أغنية الرأي الجزائرية (3)

أغنية الرأي الجزائرية (3)

يسين بوغازي |

الأغنية الجريحة شجن الهامش ؟

يسين بوغازي

                                      يسين بوغازي

مقدمة:
طلع “الراي” موسيقى وأغنية جريحين من عمق ثقافة جزائرية لطالما ركنته في عمق هامشها التراثي الشعري والمغنى، وكأنه المستغنى عنه، فلا يريدونه أن يسطع؟.

“الراي” منذ البدايات قال فاجعاً بمكاشفاته وكلامه الجريء، فاجعاً بحجم مأساة ما يعلى من عذابات، فطلع أغنية متذبذبة بقصائد شعر ملحون حفظه البسطاء، ولطالما ظل هو الآخر شعرا شعبيا تُلقيه شفاهيات المهمشين وحزانى ومهووسين في بادية الغرب الجزائري.

طلع بقصائد فحول شعرائه الشعبيين شعراً رائعاً، وفي حضن الغرب المتمرد ذاته، بغضبه وثوراته، والعاطفي بروحه وشعرائه، والجريء بمكاشفات المحظور، لعل المرأة أولى تلك المكاشفات، ليمضي بعدها ممتطياً لحن موسيقي مذهلة ترفع القافية والحزن، ومضى بما عرف به أغنية رايوية مثقلة بالشجن والقصيد الغاضب، وبمفرداته الدارجة من لغة عربية لا تنطق جيداً بين شفاه رواده، وأضحت حداثية النطق الرايوي المستجلبة من عذابات الآخر.

طلع من البادية إلى سموات سقف موسيقى العالم، أين أضحى مبهراً كما بداياته، جالبا للانتباه بآهات “شيخاته” الأوائل وشيوخه التابعين وشبابه الحزانى المتربصين بالجرأة والأغنية هادمين طابوهات لطالما أثقلت كواهل أيامهم، إلى أن أضحت أغنيتهم نموذجا للجرح المعلن وإنسانيته، فلا أحد يطيق إبقاءه شجنا للظل، هذا “الراي” الجزائري المقاوم.

ثالثاً : أرض الوهر الرايوية  

 في هكذا أجواء تمت مبادلة سرية، وكأنها كذلك فقد سلمت الأغنية الجديدة منذ مطالع بداياتها الأولى والتي وصفت بالمحتشمة، سلمت سرها إلى شياخته من النساء فيما كانت سطوة طابعاً غنائياً سمي البدوي الأصيل بشتى صنوفه أكثر تأثيراً وعمقاً من تجارب الشيخات الأوائل تلك التي وصفت بالمحتشمة.

 فطريقة  وشهرة  ʺالشيخ حمادةʺ لا تُطال فنياً  فبرزانته  الأدائية  كان يعد  واحداً من ركائز الأغنية  البدوية التي مهدت للأغنية الرايوية التي كانت ذاتيته وغرامياته ضمن  بيئة  البادية  تملأ أسماع الساحل الوهراني هرجاً ومرجاً فيتردد صداه في فضاءات السمر البلعباسية وفي الخلوات المستغانمية إلى أن يمتد إلقاؤه على الأسماع  الحزينة في ليالي  التموشنتية،  أين  صبوات الفرح الممزوج  بشهقة  الحياة الليلية التي لا تنام هنالك تحت إيقاع الأغنية البدوية ولاحقاً تحت جرأة ʺالرايʺ في ذلك الانصهار الغنائي الذي كان يوماً بعد آخر يزداد التزاماً وثباتاً.

كانت انصهارات  شتى  وقد ساهمت في صياغة مند البداية هذه الأغنية الجريحة، تجليات هنا وهناك  وانصهارات  لعديد التجارب  في مضمار سمى بعد وقت ʺالرايʺ الذي جعله قدره متيناً فلا يطاق عراكه؟  قدره  الموسيقي  انطلق مقتدراً  لا  يرهبه  عصف  التيارات الأخرى رغم قسارة المنافسة، فلا الأغنية البدوية الكلاسيكية ولا الأغنية التي كانت تسمي بالأغنية الجزائرية المعتمدة  رسمياً غداة الستينيات ولا تلك الحملات المعبئة بالأخلاقيات كما بالونات الهواء والتي شنت على الرايوين بقسوة وعنف توصيفي شديد.

لكن الاختراق الكبير الذي أحدثته شيخاته من النساء في صلب الحياة الأسرية والمناسبات الاجتماعية أعطت في  تكرارها  شيئاً من المصداقية لهذه الأغنية الجريحة التي كانت تثير بعض مخاوف اتضح لاحقا أنها مجرد هوامات  بأفكار مسبقة هي في الأصل لا موسيقية.

كانت إذن مبادلة، وعلى سذاجة  الانخراطات الفنية والموسيقية التي أحاطت بها  أيضاً أشياء أخرى كالنزوة العيش والاسترزاق؟ وكأنها مهنة أخدت تأخذ مكان الهواية والترفيه  لتلك  الأداءات  الرايوية عند البدايات متجسدة  في جملة التقديمات الأدائية الصوتية فيما يمكن تسميته تجاوزاً بالأغاني الرايوية الأولى في الفضاء من البوح والذاتيات الذي ميز أساساً عوالم النساء السرية.

وهن ذاتهن أولئك المؤديات من النساء اللواتي لقبن بعد فترة بشيخات الراي  الأوائل من النساء، بعدما أخذ ʺرايهنʺ وأغنيتهن الاحتفالية الأولى صداها  الموسيقي وأثرها الشعري في أبعاد تجارية وثقافية وضعت عمق البناء الاجتماعي وأخلاقياته والتزاماته ومثالبه وأحزانه وحكاياه السرية هدفاً للقصف الشعري والموسيقي والإلقائي فيما  مشهور سماعه ʺالتبراحʺ والذي كان في الحقيقة بمهام متعددة فالتبريح ملخص شامل لما سيأتي، وتعريف مقتضب للأجواء الأغنية. وهو في أساسه تحفيزاً يوظف للإضفاء الكثير من التمرد والغضب الرايوي.

 لعلها كانت هكذا بداياته، أو ربما هي هكذا تروى  تحليلات  لهذا التمكن الذي استطاعه ʺالراىʺ أن يحتله في النسيج الموسيقي وأن يغزو قلوب الناس  بمسحة غريبة هي أقرب لأفعال السحرة منها إلى أفعال الواقع، لقد أضحى  أسطورة  جزائرية موسيقية صارت علامة مسجلة للإبداع.

لكن أولئك النسوة من المؤديات الأوائل  في الحقيقة  هن اللواتي دفع بهن عرف قاس لا يرحم إلى التواجد كمؤديات سمر في الأفراح والمناسبات ثم  أنهن أعطين  تلك  النغمات التراثية  الملحنة على بساطة  ألحان  البادية، والمطعمة باللفظ الدارج لأجمل مقاطع الشعر  المتوارث عن فحول شعراء الساحل الوهراني من الشعبين وما حفظه ميراث القوالة  المتروك ارث شفوي في تلك البادية. هؤلاء النسوة أستطعن التعاطي  مع نص غنائي  بروحية تراثية  متأصلة  والقاءات لحنية أنثوية حزينة ومتفجرة، سميت لاحقا تلك الأغنية الرايوية الجريحة.

أستطعن وهن يطوعن إيقاعات طبل ربما، في ضبط قول مقاطع أضحت تستهوي  سهرات من الفرحة وتستجلب الفرجة ومتعة السامعين، في تلك الأوساط العروشية  والانغلاقيات القبلية في حضن البوادي والأحياء الشعبية، كان مفيداً جداً ذلك المرور الذي حمل الأغنية الجريحة إلى حواضر المدن لعلها وهران الحلم والممكن، بمزاجية  ومزيج  سكاني  أختلط من بلكنات قبائلية وبقايا عادات غنائية اسبانية وجرأة كلام ايطالي ومستقدمين كثر المورسكين الأندلوسيين لاسيما أولئك الجدين بقي يسكنهم بعض عشق موسيقي لا يشبه السائد، على مغاربة  بتراث غنائي  حبكه  الثقافي الغنائي للمدينة وعرب بشراسة القول الشعري وجماليات القافية والإيقاع الصوتي الذي استهوى ما سواه من بقايا أخرى، مما مهد للبناء قصائدي أبهر إلقاءه، وزاد إبهاره حين تطويعه على إيقاعات طبل وما تلا ملحمة الراي الإيقاعية، كان مزيجاً يليق بميلاد هذه الأغنية الحاملة لجميع ذلك الشتات الغنائي التراكمي من ثقافات.

دخل ʺالرايʺ إلى الحواضر أين وجد له مستقراً ثقافياً  وحاضنة استثنائية  لعل  رواد الليالي  وعذاباتهم  وعشاق النوادي والكازينوهات وجرأتهم في القول المتحرر، والسهر والسمر أين تمارس طقوس نزوية والمنبوذ والممنوع كله سهل بميلاد  الأسطورة الرايوية من قلب  تلك  الإسهامات  كلها  التي شاءت الأيام أن تجتمع في معطى تاريخي  ومدينة حالمة  وجيل مغاير وقد  أنهكه الحزن  فأغشته موسيقي ʺالرايʺ وأشياء أخرى.

إن الحواضر منذ مطالع القرن العشرين في الغرب الجزائري وهنا نقصد ثلاث مدن بعينها. كانت تملك من الانفتاح الثقافي ما أهل موسيقي ʺالرايʺ القادمة من البادية أن تقضى على ما سواها من جميع الأشكال الغنائية الأخرى التي كانت تقال هنا و هناك، فلم يبق سوى الغناء البدوي الأصيل كما كان يسمى بعيداً على احتوائية مارستها أغنية الراي على ما سواه من الطبوع الناشئة في تلك الأزمنة الموغلة في التاريخ، بل لم تكتف بإخضاعها بل سكبت عليها  مسحة رايوية إلى أن أضحت وكأنها هو، وكأنه نشأ واحداً موحداً دفعة واحدة.

لقد تمكن ʺالرايʺ بانسيابية الولوج إلى فضاءات مدن الحواضر بأصوات  شيخاته من النساء، بعدما كان مقتصراً حضوره في  الفسحات الضيقة، بدأ يردد  في الفسحات الخلفية مما أعطاه  إشهاراً وسهل الإقبال عليه، وشيخاته من النساء كثفن حضورهن  بما هو جارح وممنوع، وبما هو مكسر  لنمطية سابقة  وعرف  أحياناً كان طاغياً كثيراً الإجهاض عليه.

صحفي وشاعر جزائري  | موقع قلم رصاص بالاتفاق مع صحيفة الحوار

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by arabiceuro.com