الرئيسية » رصاص خشن » من ذكريات ملجأ مفروش بالسجاد جنوب دمشق

من ذكريات ملجأ مفروش بالسجاد جنوب دمشق

 

عامر العبود   |  

مكان أكثر رحابةً مِن أن نقول عنه أنَّه ضيق، وأكثر أُنساً مِن أن نقول عنه أنَّه موحش!، تحت الأرض تماماً، ويتسع للجميع، إلَّا أنَّه لا يتسع لأحد!، في أطراف دمشق النديَّة في القصائد، الصامدة في الأغاني، والتي لم تعد كذلك، وربما لن تكون كذلك بعد اليوم.

أحاديثٌ لا يستطيع الإنسان المشاركة فيها ببساطة، وإنَّما يحتاج لتدبيج العبارات المناسبة التي لا تؤدي إلى أصناف محتملة من العقاب على جريمة الكلام، التي هي أشد الجرائم المصنفة تحت بند تثبيط العزيمة، وخدش شعور الأمة, خاصة وقد أنشأت المعارضة مخابراتها أيضاً!، فجريمة الكلام قبل الملجأ معروفة الحدود، أما بعد الملجأ لم يعد هناك ما يسمى جريمة الكلام، بل أصبح الكلام هو بحد ذاته الجريمة، وكل ما عداه من القتل والذبح والتدمير، من باب إصلاح الدنيا، والدين.

أصوات القصف في الخارج تُدحرج أفكارنا؛ فتصير أمامنا معروضة بلا أدنى إحساسٍ بألم العقل الذي كان يخمِّر هذه الكلمات، هذا العقل الذي يشبه شجرةً استعصت على القطع، لكنَّها بلا ثمر، وبلا ورق، وبلا جذور.

تفقد المعاني (كلُّ المعاني) تفقد دلالاتها، ويصبح الكلام مجرَّد حروف مرتبة بحيث تشكِّل شيئاً شبيهاً بما قد يجول في فكرنا في مثل هذه الظروف، لغواً لا طاقة على الرمز لاحتماله، اللغة عجينة رخوة في يد الخائفين، لن تشكِّل إلَّا تمثالاً رخواً للقهر، لا شيء يجعل اللغة صلبة إلا الغضب، وأين الغضب أمام انعدام القدرة على صمِّ الأذن عن أصوات الانفجارات؟!!

هذا هو الملجأ المفروش بالسجاد على حواف دمشق العاصمة الأقدم، تبكي فيه ذواتنا، لكننا نحاول أن نخفي صوت نحيبها، بلا جدوى، عبثاً نحاول، صاروخٌ آخر؛  و الحال هو الحال.

لا شيء قد يتغير في الثواني المقتطعة من متن الزمن، لا شيء يمكن أن يصبح أفضل بعد أن تخرج من جحرك الكئيب، شيء واحد فقط يجمعنا، الخوف… الخوف يجعلنا نحبُّ بعضنا أكثر، لا بل يجعلنا نتفاهم كما لم نفعل من قبل، والكلُّ ينكر خوفه كالأطفال، ويرميه على أبنائه، وبناته، ومن حوله، كلٌّ يحاول ألَّا يكون مهزوماً، لكن الهزيمة واقعٌ أكبر من إرادتنا، وأقسى من تعنتنا، وأبلغ من لغتنا، إنَّها هزيمة حربٍ لما نخضها!، وما أنْ يختفي الخوف حتى يستيقظ الهمجي الذي نام فينا.

هَزمنا البارود، ورائحة الموت المتجولة في كل أرجاء المكان هزمتنا، هَزمنا وجودنا، وهَزمتنا دموع ذواتنا…هَزمنا التاريخ، وطفا الألم الدفين على الملأ, وما زلنا في الملجأ، على أطراف دمشق الندية في القصائد، والأغنيات، التي لم تعد كذلك, وربما لن تكون كذلك بعد اليوم.

قمة الدناءة التي يبديها التاريخ أنْ يحزن المرء لأن القنوات الإخبارية المتلفزة، لم تأتي على ذكر بيته الذي سقط، أكثر من حزنه على البيت نفسه، وقمة النذالة، أن يعج رأسه (بالبوستات) أثناء المذبحة!!!.

دمشقَ …. عليكِ السلام

20/12/2012 

كاتب سوري – الخرطوم  |  خاص موقع قلم رصاص

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by arabiceuro.com