الرئيسية » رصاص خشن » آهة الغياب في ديوان “كمشة فراشات”للشاعر عبد العظيم فنجان

آهة الغياب في ديوان “كمشة فراشات”للشاعر عبد العظيم فنجان

قحطان جاسم   |

ديوان كمشة فراشات للشاعر العراقي عبدالعظيم فنجان هو الديوان الخامس الذي صدر عن دار الجمل عام 2016. ويواصل الشاعر فنجان في ديوانه هذا تجربته الشعرية الخاصة التي تتمحور حول ثيمة مركزية، وأعني بها، الحب. إلا أن الحب، هو محض غطاء ولعبة شعرية تتسرب منها ثيمات جمالية وفكرية عديدة ومتنوعة.

في مطلع الديوان يطرح الشاعر سؤالاً: ” أنا خائب، فلمَ لا أحوّل خيبتي الى وقود شعري، يدفعني إلى الابتكار”. يمكن أن يصلح هذا السؤال الذي يطرحه الشاعر على نفسه مدخلاً لفهم عالمه الشعري، أي تحويل الخيبة والألم الذي يتراكم عبر صفحات الديوان إلى إحساس مكتوب، ينزع إلى شيء من الخلاص في الحب، وهي دعوة مبطنة، فيها شيء من التمويه، موجهة نحو الآخر، رغم أنها تبدو منشغلة تماماً بالذات. فمنذ أن تحولت الخيبة إلى نص، فإنها أصبحت بمثابة جسر نحو الآخر، الغائب، أو المعلوم دون تحديد، ونافذة لرؤية الوجود والعالم والإنسان.

حتى حين يأخذنا الشاعر إلى ذكريات بعيدة من طفولته، تخصه وحده تماماً، فإنه يترك تجربته مفتوحة على ما هو مشترك، بحيث يحس فيها القارىء، الآخر، أنها تجربته أيضاً، كما في قصيدة “النافذة تهطل بغزارة” ص.18 وقصيدة “أزقة البراءة” ص. 29. يفتتح الأولى:

“كنتُ أسرق الطباشير من الصف، وأرسمُ عينيك القمحيتين مدرسة تلتهمها النارُ” ويواصل مغنياً مشاعره الوجدانية في عبارة مكثفة، لحب عذري، ماشوسي، يتسم بالفقد والغياب، يمكن لكل فتى أن يراه، كما عاشه، بعين ذاته:

“كنتُ أغني تحت مطرك،

والنافذةُ تهطل بغزارة” ص.18.

ويكرر ذلك في القصيدة الأخرى:

“كنت صبياً، طفلاً يحبو في أزقة البراءة، عندما أشرق وجهك، بغتة، في السوق” ص 29.

الشاعر لا يكتفي بما هو وجداني، بل يحتكم إلى العقل، وهو يصوغ لنا رؤيته وتصوره عن الشعر، كما في نص “هناك شعر” ، الذي يمتاز بلغة صوفية، حيث “الشعر لا صفة له، سوى أنه يربك الموصوف، ويتلفُ الصفات، فيتحول المحبُّ إلى مشبوه، الجمال إلى فعل صادم، والطمأنينة إلى يدٍ تهزّ سرير القلق”. ص.21.

فنحن، هنا، إذن، إزاء شعر يتعذب، قلق، يتخطى الحدود ويعلو على الضوابط.

وحدة الذاتي والعام

ثمت خيط خفي يمتد عبر القصائد ونصوص الديوان، وأقصد به، ثنائية الأنا والآخر، الخاص والعام، إذ يمكن القول أن الشاعر تمكن عبر ثيمة الحب المركزية، ومن خلال انتقاءات لغوية باهرة من تجسير هذه الفجوة بين هذين المجالين، إلى درجة يصعب الفكّ بين لحمتي هذين القطبين؛ الأنا – الآخر، رغم أن الفقد والغياب بقي ملازماً ومجاوراً لهذا التجسير والوحدة بينهما. فهما موجودان تقريباً على امتداد نصوص الديوان. وقد تلوح للقراءة العابرة أن الأنا، هي الشاعر، والآخر هي المرأة، إلا أن هذه القراءة يشوبها تأويل ناقص وعدم الوضوح وتكتفي بما هو ظاهر في النص واللغة. إنّ كل قاريء يستطيع أن يضع، وهو يحاور النص وينفتح عليه، نفسه، مكان الشاعر، بل وحتى أن يتبنى فكرته ويعيش تصوراته ومشاعره الجيّاشة:

” في هولك،

في حرير حنانك، في رعب غموضك، فيك: أتركُ نفسي ” ص.16.

فهنا يمكن إسقاط تجربة الشاعر الذاتية هذه، واحساسه الخاص به، على أية علاقة إنسانية أو وجودية، وتصبح هذه الممارسة المشتركة التي تسهلها القصيدة شعوراً وجدانياً عاماً للدخول في عوالم أخرى تكون متخطية لقضية المرأة، إذ ينفتح التأويل هنا على أبعاده الشاسعة، كما سنلاحظ في القصائد الأخرى. فتتحول محاورات الحب الذاتية، التي تطغي على نسيج النصوص، إلى إشارات ورموز تدل على معان متنوعة، قد تكون السياسة، أو نقد لبعض السلوكيات، أو تعريفاً للشعر، ورؤية التقاليد، أو تصوراً مغايراً للحب. كما في قصائد “تضرع” ص.24، “الغابة” ص.36، ” آخر أخبار الطوفان” (114-115)، “مرثية سومر” 118، و” قلبي ليس بستان قريش” (126- 128). ففي قصيدة مرثية سومر يكتب:

“ليس عليّ أن أبحث لك عن عنوان، لأن حاطبي الليل افترسوك” ..حتى يقول: “ستتحد ارواحنا في شرارة، وحدها، ستعلن الحريقَ في غابة هذا العالم” وكذلك في قصيدة ” في وطن منهوب، حزين” حين يقول:

“يتصاعد الدخان من سيجارة أمك، وهي منهمكة بالكتابة عن الحب، العدالة وحرية الزواج، فيما أنت، في زاوية غرفتك، تنتظرين منى ينشقّ الجدار، فيظهر فارسك المخلصّ” ص.45.

كما أن الوصول إلى الآخر هو بحد ذاته أيضاً اكتشاف للأنا، إنهما متجاوران ومتحدان، رغم أنّ هذا التجاور لا يتجاوز الحلم أحياناً، كما في قصيدة ” ضوء”:

“كان حلمي يتلخصّ بالوصول إلى حدودك، لأعرف من أنا “، في هذه القصيدة تتحول المناجاة للمرأة والبحث عنها إلى مسعى ومحاولة للهروب من البشاعة اليومية:

“أحبك، لأهرب من بشاعتي، من زوابعي الداخلية ” ..أو “أحبك.. آه، هذا اكثر نور يمكنني غزله، في وطن منهوب، وحزين” ص48.

يمكن القول، إن فكرة الحب تقوم على موضوعة الغياب والفقدان باعتبارها معادلاً موضوعياً لمناجاة الآخر ومسعى للحفاظ على الوحدة بين الذات – الآخر. النصوص والقصائد تتميز بلغة شفافة، مرنة، تشع ببهاء لغوي، رغم أن بعضها، على قلّتها، ينزلق أحياناً إلى سردية عادية، يغيب عنها الشعري الذي وسم نصوص الديوان الأخرى، كما في نص” الهيكل العظمي للأفكار”ص.45، فتفقد بعضاً من حرارتها الشعرية واللغوية، وربما يمكن تعليل ذلك بطبيعة المهمة الشاقة والمعقدة التي طرحها الشاعر عبد  العظيم فنجان على نفسه، بالاشتغال على ثيمة مركزية حساسة واحدة، الحب، إلا أن تميّزه يبقى واضحاً في ديوانه هذا، باعتباره أيضاً محاولات متواصلة، التي بدأها في دوواينه السابقة، لابتكار لغة شعرية جديدة تبتعد عمّا كُرره الآخرون.

كاتب ومترجم عراقي ـ الدانمارك  |  خاص مجلة قلم رصاص الثقافية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by arabiceuro.com