الرئيسية » رصاص ناعم » وجهاُ لوجه مع حلب (11) “ما لجرحٍ بميتٍ إيلام”
لوحة للفنان السوري سعد يكن
لوحة للفنان السوري سعد يكن

وجهاُ لوجه مع حلب (11) “ما لجرحٍ بميتٍ إيلام”

وسام الخطيب  |  

“ما لجرحٍ بميتٍ إيلام”

وسام الخطيب
وسام الخطيب

غيرت الحرب السورية من مشاهداتنا كبشر، غيرتها إلى الحد الذي انقلبت فيه كل المفاهيم الحياتية الطبيعية، فأصبح غير المعتاد هو المعتاد والشائع في أيامنا، يقول الفيلسوف الألماني مارتن هيدجر: إن الإنسان حالما يولد يكون جاهزاً للموت، كلنا جاهزون للموت فعلاً، إلا أننا لم نكن جاهزين لأخبار الموت التي أصبحنا نتلقاها بتلك الوفرة حيث وصل معدل الموت إلى مئات الأرواح يومياً، وهو ما شكّل أيضاً أزمة جديدة غير معتادة وهي أزمة دفن الموتى، أزمة كبيرة تتلخص في كلمة واحدة، المقابر!

كانت المقابر في مدينة حلب تقع في شرقها مثل مقابر الكلاسة والمعادي والصالحين وباب النيرب وقاضي عسكر، وعندما قسّمت حلب بمعبر في بداية الأحداث يفصل بين قسمها الغربي الواقع تحت سيطرة القوات الحكومية والشرقي الواقع تحت سيطرة قوات المعارضة، كان الناس في حلب الشرقية يدفنون مواتاهم في المقابر نفسها، إلا أنه بات من الصعب جداً دفن من يموت في حلب الغربية،  فقد كان العبور من الضفة الأولى إلى الثانية مغامرة حقيقية في الحياة، حيث يفصل بين الضفتين شارع طويل فيه العديد من القناصين الذين يمارسون هواياتهم في صيد البشر، فإن أردت العبور من حلب الغربية إلى الشرقية وبالعكس، عليك أن تركض في هذا الشارع لتتجاوز منطقة القنص، وإما أن تنجو أو لا، وعليه لنتخيل هذا المشهد بدقة: شخص يقطع شارع المعبر مسرعاً، وهو يجر عربة بدائية وضع فيها الميت الذي يريد دفنه، والرصاص من حوله، يُقال: “إن الموت لا يوجع الموتى، الموت يوجع الأحياء”، وأن “الخوف لا يمنع الموت لكنه يمنع الحياة”!

في فترة لاحقة تم إغلاق المعبر تماماً وبات الذهاب من حلب وإليها يستغرق ما يفوق العشر ساعات عبر الريف، فما كان من أهل حلب الغربية إلى أن يحولوا الحدائق إلى مدافن خاصة بعد أن تم قطع معظم الأشجار فيها، واعتماد الناس في تلك الفترة على حطبها للتدفئة وسط أزمة المحروقات، فجاورت أرواح الاشجار الميتة أرواح الضحايا في حلب، كما دُفن الناس في حدائق المنازل والمساحات الترابية الصغيرة الموجودة في الساحات والشوارع، فانتشرت القبور كيفما يمم المرء وجهه، وهذا ما حدث كذلك في حلب الشرقية بعد أن امتلأت المقابر القديمة تماماً، فتحولت أيضاً حدائقها ومساحاتها الحرة إلى مدافن، وبذلك أصبحت حلب المدمرة أساساً مقبرةً كبيرةً، لا فرق في ذلك “فما لجرح بميتً إيلام”!

تجدر الإشارة أيضاً إلى ظاهرة المقابر الجماعية، وإلى مئات القبور التي لا توجد عليها شاهدة نظراً لارتفاع أسعار الحجر والإسمنت من ناحية وصعوبة تأمينها من ناحية ثانية، كذلك بسبب الكثير من الجثث غير معروفة الهوية، وبذلك تحول آلاف البشر إلى مجرد أرقام، لا تثير فضول العالم، كما لا تثيرهم أرقام من بقوا على قيد الحياة، والذين صار لسان حالهم: ” كفى بك داء أن ترى الموت شافياَ”، لكن الأصعب من هذا وذلك من ذابت جثثهم بالكامل نتيجة القصف والقذائف فلم يأخذوا شرف أن يضمهم تراب الوطن ويحولهم إلى تلك الأرقام، يقول الماغوط: “الموت ليس الخسارة الكبرى، الخسارة الكبرى هي ما يموت فينا ونحن أحياء”، حقيقةً ما الذي بقي حياً داخلنا بعد كل هذا؟!

في صيف عام 2014م ونظراً لانقطاع طريق خناصر الواصل بين حلب وريفها نتيجة الاشتباكات الحادة ،ولأنني أعمل معلمةً في مخيم النيرب الواقع في ريف حلب الجنوبي اضطررت أن أقيم هناك، واستضافتني عائلة فلسطينية في غاية الكرم والنبل كانت تعرف أهلي، وذلك حتى يعود الطريق إلى مدينة حلب سالكاً، قضيت في منزلهم ثلاثة أسابيع، عاملوني فيها وكأنني ابنتهم، عندما عدت إلى حلب وصلني في تاريخ 26/7/2014 خبر سقوط طائرة مروحية للقوات الحكومية على أحد المنازل في مخيم النيرب نتيجة استهدافها بصاروخ، لم يخطر في بالي للحظة أن المنزل الذي سقطت عليه هو منزل العائلة السابقة، فقبل شهر واحد فقط كنت أقيم فيه، وهي فترة زمنية قصيرة جداً لأشعر كم هو الموت المتفشي في سورية قريب مني، مات الأب والأم والأطفال الأربعة، وذابت جثثهم، فاختفوا عن وجه الأرض تماماً، يقول إيميل زولا “حتى وإن أخرست الحقيقة ودفنتها تحت الأرض فسوف تنمو وتنبت”، وأقول حتى وإن تلاشت تلك الحقيقة مثل هباء منثور، ولم تدفن في تراب فسوف تنمو وتنبت، الحقيقة التي تقول أن هيثم وكفاح ووديان وولاء ومحمد وعبد الله ليسوا سراباً، ولا يستحقون  قبوراً لها شواهد أو عليها أرقام، لأذهب وأضع على قبورهم الورد فحسب، بل يستحقون الحياة مثل كل إنسان في سورية!

كاتبة فلسطينية ـ ألمانيا  |  خاص موقع قلم رصاص

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by arabiceuro.com