الرئيسية » رصاصة الرحمة » النجاح في الفشل

النجاح في الفشل

نجيب نصير  | 

يصر جل الكاتبون في الشأن، ومن لف لفهم على مقولة (فشل الحداثة المستوردة من الغرب)!!، لا بل ويضيف جل هذا الجل كلمة (بعد) لتصبح الجملة (بعد فشل الحداثة المستوردة من الغرب)، حيث يقف المرء محتاراً أمام هذه الجملة / المقولة التي أضحت على ما يبدو من بدهيات التفكير والكتابة والتعبير.

يا للهول فالحداثة بقضها وقضيضيها سجلت على نفسها فشلاً ذريعاً، وهو دليل من صلبها على فشلها هي ذاتها أولاً، أما ثانياً فهناك ما يستشرف الفشل وهو الاستيراد من الغرب، وبهذا يكون هذا الجل قد سبق الحداثة فهماً وتحليلاً وتركيباً، لينتشي باكتشاف تطابق رؤيته مع العامة (الشعب) (الأكثرية) الذين يدعون أنهم على تضاد وجودي مع التقليد الأعمى للغرب، على افتراض أن كل من يشتبه به ممارساً الحداثة هو أعمى بتقرير الطب الشرعي الذي وُضعت أسسه بين ظهرانينا.

لن أدخل في تفاصيل الأمثلة عن السيارة والطيارة وعمليات القلب المفتوح والأسبرين إلخ، وهي جزء عضوي من الحداثة يتجلى فيه الفصام في أطرف صوره، بل سوف أتساءل عن فشل الحداثة في أية بقعة من بقاع الأرض أخذت بها؟، خصوصاً بالمعنى المجتمعي الممارس فعلياً على أرض الواقع، فواقعة تأسيس المجتمع على القواعد (التكنولوجيات) الحداثية، هي واقعة مفصلية تحدد الاتجاه المستقبلي للجماعة البشرية، وليس من الأحجيات العقيمة معرفة إلى أين تتجه هذه الجماعة أو تلك بدلالة تأسيس المجتمع، وكذلك ليس من الإنجاز المفرح والافتخاري أن تفشل الحداثة بسببها هي نفسها أو بسبب علة استيرادها من “الغرب” تلك العقدة الكأداء التي لما نزل نترنم بها بين ظهرانينا، فالعلم ومن ثم المعرفة مسألة عالمية دنيوية، وإفشال أية معرفة من الدخول لا ينم إلا عن عطب جوهري في الجماعة البشرية عليها تجاوزه أو الاندثار.

ومع هذا علينا إعادة التساؤل هل فشلت الحداثة؟ وهل فشلت الحداثة المستوردة من الغرب؟ تبدو الإجابة على التساؤلين بالنفي، فلا الحداثة فشلت لا في الغرب ولا في أي مكان اعتمدها بكل إخلاص وعزيمة صادقة، ولم تدخل الحداثة الينا حتى نحكم إذا كانت فشلت أم نجحت وهذا في حال امتلاكنا لمعيار الفشل والنجاح وهو معيار استراتيجي يستشرف مآل الجماعات البشرية المستقرة في أقاليم لا يمكن اعتبارها أوطاناً أو مجتمعات بشكل نهائي أو حاسم.

السؤال الذي يتبع السؤال الأول أعلاه، وهو سؤال يقطع نياط القلوب من الأسى، وهو تهميش الحداثة لنا، حيث يظهر الفصام على حقيقته، فنحن الرافضين للحداثة، نشكو من تهميشها (تهشيمها) لنا !!!؟ وكأنها أي الحداثة جمعية خيرية عليها أن تحسب حسابا للعجزة وأصحاب العاهات المستديمة، فمن لا يقوى على تأسيس وإقامة مجتمع؟ على الحداثة المدانة (تأثيماً وتثريباً) رعايته حتى يكتشف هو حداثته الخصوصية (وطبعاً من ضمنها علومه وطبه وصناعاته إلخ)، حيث يداني فعل الاستيراد فعل الفحشاء والمنكر، فالحداثة فاشلة على الرغم من أن العلم هو إنتاج تبادلي للبشرية كلها، حيث يظهر أن الحداثة لم تهمشنا بل عُرضت علينا كما عرضت على جميع شعوب الأرض وكانت الإرادة الجمعية هي القول الفصل في اعتمادها والارتقاء على أساسها، أو في رفضها والتخلف على أساسها، وعلى هذا الأساس يبدو التنظير حول الحداثة معتمدا بيننا، فالتخلف هو أشرف وأكثر فضيلة من الارتقاء وما يجلبه من شبع ومنعة، لتبدو ليست الحداثة مخطئة بحقنا فقط، بل في حق الشعوب التي اعتمدتها بالإرادة الجمعية، لنصفها نحن بالشعوب المضللة تحبباً، والضالة حكماً. فهل همشتنا الحداثة حقاً؟

ليست الحداثة مخطئة فحسب ( حسب تنظير الجل المذكور أعلاه)، بل هي ناقصة أيضاً، ولكن بما هي ناقصة؟ فما دامت هي على خطأ ..إذا بماذا هي ناقصة؟ لا يذكر أحد من المنظرين المبجلين عن هذا شيئاً، فالحداثة ناقصة وحسب، وعلى القارىء الانصياع إلى جلالة العلم المتدفق بغزارة كأوامر عليا لا راد لها. ولكن الحداثة نفسها لا تدعي الاكتمال فهي سيرورة حياتية مرتقية تتكامل مع الممارسة ولن تصل في يوم من الأيام إلى الاكتمال، أو الى  الحد من النقصان حسب اتهام وحكم منظرينا الأشاوس، فالحداثة كالتخلف تجربة لا تنته والفارق الوحيد بينهما هو العز أو الهوان كمصير لسيرورة العيش الجماعي.

نحن نريد أن نستفيد من الحداثة (نلحس أصبعنا) من دون ممارستها، لا نريد بذل أي جهد في تفعيل موادها الأولية، لا نريد أن نهدم بل نريد أن يبنى لنا على الموجود المهترىء الذي نخاف عليه من الضياع، دون أية مفاضلة بينه وبين حاجات الجماعة البشرية التي تسعى إلى البقاء وربما الاستمرار.

الحداثة لم تفشل بل نجحت وأدت دورها وأفادت البشرية ولما تزل ترتقي وتفيد، وهي ليست فاشلة كما ينظر لها نجوم الفضائيات والمطبوعات، كما أن الحداثة لم تهمش أحد، إلا من اختار الهامش ملاذاً له طمعاً في سلطة أو شهرة أو جاه أو كرهاً بآخر(وهي خصلة عنصرية يتم تمويهها)، الحداثة هي منقذة البشرية وسؤالها المستديم، فمن لا يريد الاندثار عليه بها، ومن أراده فإلى جهنم وبئس المصير أو ما يعادله بالعامية.

لحظة تراث:

جاء شخص إلى الشاعر جرير ومعه قصيدة يريد أن يستفتيه رأيه بها فقرأها جرير، وقال له:

ـ الشعراء ثلاثة …. شاعر … وشويعر… وابن قحبة

أما عن نفسي أنا … فشويعر

واقتسم  أنت  الباقي مع امرؤ القيس

وأتوقع أن هذا الشخص صار علماً من أعلام الفضائيات والفيس بوك والتويتر والسيلفي

ودمتم محترمين.

 كاتب وسيناريست سوري  |  خاص مجلة قلم رصاص الثقافية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by arabiceuro.com