الرئيسية » رصاص خشن » فودكا مغشوشة لحوار بنّاء
اللوحة للفنان التشكيلي يوسف حداد

فودكا مغشوشة لحوار بنّاء

زياد حسون   |  

-” لماذا لا يتوقف البشر عن الموت فحسب. ” قال حازم دون مقدّمات و مسحة حزن تعلو وجهه.

-” ما الأمر؟ هل تعاني خطباً ما؟. ” ردّ آدم باستغراب.

-” لمَ تقول ذلك؟”

-” لأنّك كدتَ تبدو إنساناً، و أنتَ معاذَ الله أن تكون كذلك”

-” آسف يا رجل، بالطبع لم أكن لأقول ذلك حبّاً بالبشر، قصدتُ أنّهم حين يتوقفون عن الموت لن يكون هناك أي مراسم عزاء أليس كذلك؟ هل تتخيل مدى روعة الأمر؟”

-” ها أنت ذا صديقي الذي أعرفه، طبعاً سيكون هذا رائعاً، لكن ما الذي خطر ببالك؟”

-” لديّ واجب عزاء لعين في الغد، لماذا علي القيام بهكذا أمور؟ سأطلب في وصيتي عدم إقامة أية مراسم زفاف، أقصد عزاء .. اللعنة”

-” لا داعي لذلك”

-” ماذا تعني؟. “

-” يكفي أن تطلب من الرب أن تموت قبلي، فإن لم يحدث ذلك لن تجد من يقوم بدفن جثتك النتنة، ستنهشها الكلاب الشاردة عن قارعة طريق ما في هذه المدينة القذرة”

-” الكلاب لا تفعل ذلك أبداً، القطط اللئيمة تأكل الجثث بهذه الحقارة “

-” لن تعرف أبداً، ستكون ميّتاً بأية حال “

-” حسناً! حسناً، أنت و أفكارك الكئيبة.. اسمع: اسقِ أخاك النميري” ثم أفرغ الكأس في حلقه دفعة واحدة.

-” خرا عليك، و على أخيك النميري، ما نوع هذا الهراء الآن؟ أيُّ أخٍ نميري!!؟”، قال آدم فيما كان يعيد ملء الكؤوس الفارغة.

-” أيّها السكّير الجاهل، كيف يعقَل ألّا تعرف إحدى أهم القصص في تاريخنا العربيّ. حين كان لدينا من الأخلاق و الإنسانية ما لم تمتلكه أمّة أخرى في تاريخ البشرية. اسمع .. أثناء إحدى المعارك الطاحنة، في الخطوط الخلفية حيث يستلقي الجرحى جنباً إلى جنب في صفٍّ طويل من الألم و انتظار الموت، يمرّ الساقي لإعطائهم جرعة من الماء. الغريب أنّه كلّما عرض الماء على أحدهم كان الجواب دائماً: (اسقِ أخاك النميري). يبدو أن النميري كان في حالة مزرية، فكان الجميع يريدونه أن يحصل على الماء أولّاً. و هكذا استمر الساقي في المحاولة على طول الصف حاصلاً على نفس الجواب في كل مرّة إلى أن وصل لآخره، حيث كان من يفترض أنّه النميريّ قد لفظ أنفاسه بالفعل. و عندما عاد محاولاً أن يسقي رفاقه مرّة أخرى كان الجميع قد لقوا حتفهم. “

-” إذاً؟؟ ما الذي يجدر به أن يثير إعجابي في هذه القصة المملة؟.”  قال آدم مصطنعاً التثاؤب.

-” الغيريّة، الإيثار، المحبة الخالصة، ليس غريباً أن لا تعرف شيئاً عن ذلك. لستَ سوى تمساح متحجّر الأحاسيس”

-” من الرائع سماع ذلك ممّن يتمنى عدم موت أحد معارفه فقط كي لا يتكلّف مشقة التعزية به.”

-” ذلك موضوع آخر تماماً.”

-” بالتأكيد، على أيّة حال المغزى الواضح لقصّتك هو سوء الإدارة و انعدام القدرة على اتخاذ القرار، كان حريّاً بالساقي إجبار الجرحى على الشرب أملاً في إنقاذ ما يمكن إنقاذه بدلاً من تضييع الوقت الثمين في البحث عن أخ نميري لا يعرفه. “

-” أنت تقول ذلك فقط لأنه هجا جريراً، لطالما وقفتَ في صفّ جرير ضد الفرزدق و من لفّ لفّه. ” أفرغ كأسه مجدداً دفعةً واحدة و استطرد: ” فغضّ الطرف إنك من نمير  فلا كعباً بلغت و لا كلابا.

ألم يكن هذا اقتباسك الدائم عن جرير كلما أردت التقليل من شأن أحدهم؟”

-” يا ربّ الأرباب، إمّا أنك مخمور بالكامل أو أن هذه الفودكا مغشوشة جدّاً،، أنت يا رأس السمكة. ألا تذكر أنّهما قصّتين مختلفتين تماماً؟ الراعي النميري هجا جريراً انتصاراً للفرزدق، فردّ عليه جرير بقصيدة ساحقة جعلت الراعي يموت كدراً و غيظاً. النميريّ اللعين الذي عنيته بقصّتك العجيبة شيء آخر تماماً، ركّز قليلا” بالله عليك “

-” أبداً، إنهما الشخص نفسه، النميري مات بطلاً في أرض المعركة و ليس غيظاً من قصيدة خرائية. هذا تزوير فاضح للتاريخ. “

-” لعنةٌ لعناء!، تخيّل أن هناك أناساً لديهم أصدقاء فنّانون، أدباء، رواد فضاء، رجال أعمال، مخترعون غيّروا وجه البشرية، رياضيون مشهورون، أما أنا فعالق مع روث البقر هذا “. تحدّث آدم إلى شخص غير موجود مشيراً إلى حازم الذي أطلق ضحكة مجلجلة و هو يقول: “هات بوسة”. أمسك بقرعة آدم و قبّلها قبلة طويلة مصدراً صوتاً يبعث على الاشمئزاز.

بعدها شرد حازم تماماً حين بدأ صوت أنثوي رقيق يغنّي:

حبيبي على الدنيا اذا غبتَ وحشةٌ                  فيا قمراً قلّي متى أنتَ طالعُ

-” ماذا الآن بحق الجحيم؟ ” قاطع آدم خلوته.

-“لا أعرف لماذا خطرت ببالي نايا، تذكّرتُها و حسب. هل تتذكرها؟ “

-” بالطبع يا رجل، كان صدرها هائلاً.”

-” أيُّها السافل النتن، هذا كل ما تذكره؟ و تنسى أنّي كنتُ متيّماً بها “

-” أذكرُ جيّداً أنّك لم تتجرّأ طوال ثلاث سنوات أن تكلّمها، ثمّ حين سمعتَ أنها باتت مخطوبة لأحدهم لم تتوقف عن نعتها بالخائنة لثلاث سنوات أخرى. بالمناسبة، لا شيء يغيّر حقيقة أن صدرها كان هائلاً “

-” أتفقُّ معك، كان هائلاً.”

-” بصحّة نايا.”

-” بصحّة الأمور العالقة و القصص غير المنتهية. “

-” لن أجادلك في ذلك يا صاحبي. “

قرعا كأسيهما للمرة العشرين في تلك الليلة ثم غادرا.

حسناً، ليس لهذه السهرة أيّ نهاية رائعة أو مذهلة. ففي الصباح التالي لم يتذكّرا شيئاً تقريباً عن الليلة السابقة. كل ما في الأمر أن أول فكرة خطرت ببال كليهما حين فتحا أعينهما على صداع رهيب كانت: ” لا بدّ أنّها مغشوشة جدّاً “.

هامش: الفودكا المغشوشة: كحول رديء معبّأ محليّاً في عبوات تقلّد ببراعة الماركات المعروفة عالميّاً. و هي ظاهرة تعدّ إحدى النتائج البعيدة للحرب السورية.

كاتب وقاص سوري  |  مجلة قلم رصاص الثقافية 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by arabiceuro.com