الرئيسية » قلم رصاص » يوميات حرب طائفية أهلية بمحلية (36)

يوميات حرب طائفية أهلية بمحلية (36)

آنا عكاش  |

أطل من النافذة.. على الأرض الترابية تحتي سمكة صغيرة تتقلّب مثيرة غيمة صغيرة جداً من الغبار، لا أستطيع إبعاد عيني عن السمكة إلا لثوان لأنظر إلى أعلى لأتأكد إن سقطت من السماء.

 يقترب منها طفل في العاشرة تقريباً وينظر، بات تقلّبها أكثر بطئاً وأقل حيوية، نراقبها كلانا، هو من مكانه وأنا من الأعلى، إلى أن تتوقف عن الحركة تماماً.

يحملها بكلتا يديه ويحاول هزّها علّها تعود لتتقلّب من جديد، لكنها لا تفعل فيقلّبها من راحة كف إلى أخرى ثم يذهب ليضعها قرب الجدار كي لا يدوسها أحد، كقطعة خبز يابسة، ويروح بينما أبقى أنا واقفة عند النافذة انتظرها كي تتقلّب لكنها لا تفعل.

لحظات ويعود ومعه صبي في السابعة تقريباً ويريه مكان السمكة، يعود لحملها وقد التصق التراب بجانبيها ويعطيها للصغير:

– أمسيك.. لا تخاف.. ماتت..

لكنه يخبئ كفّيه خلف ظهره ويهز برأسه رافضاً.

*****

أخرج من المدخل فأجده مسدوداً بسيارة دوشكا مفيّمة، سوداء ومن دون نمرة، لا بد أنها لأحد جيراننا فليست المرة الأولى التي أراها مصفوفة هنا. اتلفظ بمسبّة بذيئة في نفسي، ليس لأنها سيارة دوشكا، بل لأنها تسد الطريق.

بعد المسبة اتكل على الله وأفوّض أمري له، أسير وأنا أفكر بأن سوريا “الله حاميها” وبحكمته، مستعيدة سنوات عمري واختباراته علي أنا وعلينا نحن السوريين.. من أين لنا كل هذا الصبر، من أين تأتينا القدرة على الاستيقاظ صباحاً كل يوم لنتمم عبثية الأمس والغد والذي بعده، وفوقها ما زلنا نمتلك بعض الأمل، ذلك الضوء في نهاية نفق لا نهاية له، كلما اقتربنا ازداد بعداً فعددنا خطواتنا إليه من جديد.

*****

اتجادل مع شوفير التكسي الذي أصر على أخذ طلب آخر من الطريق واتهمه بأنه حوّل سيارته إلى سيرفيس يعمل على خط جرمانا المزة، الصراحة لم انزعج فعلياً من المرأتين السمينتين اللتين ركبتا حتى جسر الفحامة، ما أزعجني هي الخطبة الدينية التي كان يستمع إليها والتي تتحدث عن عذاب القبر وعن أن المرأة في الموت قد تغضب الله ببكائها الميت وعدم تقبّلها لقضائه، ألا يكفينا ما فينا لنستمع إلى خصوصيات الموت وهو الذي يعانقنا على الدوام عناقاً أكثر صدقاً من يدي الحبيب؟

*****

في مشفى يافا يجتمع الأطباء في الممر لاستشارة طبية لأحد المرضى بينما أراقبهم من غرفة الاستعلامات وأنا أدخن سيجارتي، كل من في المشفى يدخنون، الموظفون والأطباء وحتى المرضى.

باب غرفة العمليات مقابلي يخرج منه صبي صغير على نقالة يجرها ممرض وعلى الجدار الآخر عُلّقت لوحة نحاسية مكتوب عليها بما معناه أن هذا المشفى “صديق للطفولة”.. أفكر بالعبارة دون أن أتمكن من إيجاد الرابط فتدخل طفلة صغيرة تعلّق حقيبتها المدرسية الوردية على ظهرها إلى الغرفة لتتحدث مع أمها موظفة الاستعلامات فلا أفهم ما الذي يجري بينهما، الأم تصرخ وتصرخ وتصرخ ثم تطرد الحقيبة الوردية المتقافزة خارج المشفى قائلة في أثرها:

– يللا بسرعة.. يحرق يهودك..

ثم تلتفت نحوي لتخبرني بأن الصغيرة لا تطيق المدرسة ولا كتابة الوظائف، وهي عاجزة تماماً حيالها وأنا أهزّ برأسي وأتخيل اليهود وهم يحترقون.

*****

يلتقط لي مأمون صورة عند حديقة القشلة، خلفي الصليب الذي نصبوه ليذكرنا بمذابح الأرمن التي مر عليها أكثر من مئة عام، ولكننا كوننا فسيفسيئات صغيرة ضمن مجتمع “فوسيفوسيائي” قررنا أن نعلن تذكرنا لها “الآن” لأننا نمر بمرحلة “تعايش أديان” و”تعايش مكونات” و”شعوب سورية” وما إلى ذلك.. المهم بطريقة سلمية.

 قربي تم ارتجال نصب آخر من صناديق كرتونية مغطاة بالشيفون شُنق عليها سنفور مسكين لا أعرف ما كانت تهمته، فوق السنفور علق علمنا وزينت أعلى هذا النصب ثلاث تنكات زرع مغطاة بالقصدير لتكسبها بعض الجمالية، من خطر له هذا الصرح المبتكر؟ إلى ما يرمز؟ لا أعرف أيضاً.. لكن صدق من قال أننا نعيش في عصفورية أسمها دمشق.

وفي الشارع الضيق المؤدي إلى الساحة، جلس قرب أحد المطاعم عجوز وأمامه غطاء علبة كرتوني فيه دفتر عائلة وصورة صبي صغير ذو عينين زرقاوين على خلفية من الورود والشلالات التي يحبها أصحاب استوديوهات التصوير، يأكل من صحن معدني البيض المخلوط بشيء آخر لم أميزه، تصدق أحدهم به عليه.

أنا؟ بماذا كنت أفكر؟

كنت أفكر بحكاية الصبي ذو العينين الزرقاوين.

9/11/2017

كاتبة ومخرجة سورية  |  موقع قلم رصاص الثقافي

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by arabiceuro.com