آخر المقالات
الرئيسية » رصاص خشن » الأديب السوري تركي رمضان : كنت أبيع “البوظة” لأشتري الكتب !

الأديب السوري تركي رمضان : كنت أبيع “البوظة” لأشتري الكتب !

حوار: فراس الهكار

تركي رمضان، أديب وكاتب وصحفي سوري من محافظة الرقة، كتب المقالة والقصة القصيرة والرواية، ورغم أن نتاجه الأدبي اقتصر على رواية يتيمة هي «برج لينا»، إلا أنها أرخت لحقبة هامة من تاريخ الرقة ورصدت أعمال بناء سد الفرات وتغيير مجرى النهر وما ترافق مع ذلك من مآسي. عمل في المسرح، وأخرج العديد من المسرحيات لصالح وزارة الثقافة السورية عام 1974، ونشر في العديد من الصحف والمجلات السورية والعربية، ورغم كثرة المخطوطات التي أنجزها رمضان إلا أنه لم يتمكن من طباعة إحداها لقسوة الظروف المادية، باستثناء روايته آنفة الذكر التي صدرت عام 2004 عن وزارة الثقافة السورية، كان الأديب الأديب تركي رمضان يملك مكتبة تحوي أكثر من ثلاثة آلاف كتاب، دُمرت بالكامل في ظل مآسي الرقة والخوف من الغربان السود، مجلة «قلم رصاص» الثقافية حاورت الأديب تركي رمضان، وكان هذا الحديث عن نشوء مكتبته الضخمة ومصيرها المأساوي.

ماذا تخبرنا عن البدايات وخوضك غمار الكتابة؟

كانت البداية حين حاولت كتابة قصة قصيرة، ولم تكن أي مطبوعات آنذاك سوى نشرة تصدر عن المحافظة، أعطيتهم القصة، ونشرت في النشرة، كنت حينها في الصف الأول الثانوي، وكانت عن فلسطين بعنوان: “فدائي أسير”، ثم بدأت النشر في جريدة الجماهير الحلبية أربع أو خمس قصص وكانت فيها صفحة أدبية.

كيف نشأت علاقتك مع الكتاب؟

وعدتني أمي أن تأخذني في زيارة إلى مدينة حلب إذا نجحت في الشهادة الابتدائية، وبالفعل حصل ذلك، حين دخلت البوسطة حلب أدهشتني بأبنيتها العالية والسيارات الكثيرة، كنت قد وفرت في الرقة حوالي عشر ليرات لمصروفي في حلب، وهناك كنت أنحدر إلى وسط المدينة بالباص، حيث تعرفت إلى السينما حينها، وصرت أقضي يومي متنقلاً بين سينما وأخرى، أشتري سندويشة فلافل بثلاثة فرنكات، ثم أشتريت أكثر من ثلاثين كتاباً بكل ما بقي لدي من مصروفي، وحملتها بصندوق إلى البيت ثم إلى الرقة. منذ حصلت على الكتب لم أغادر فراشي إلا للضروريات، صرت أقرأ طوال اليوم، وأمي ترجوني حتى أتناول الطعام، وصارت تقرأ فوق رأسي بعض الصور القصار، خافت علي من الجنون، بينما كان أخي الأكبر سعيداً بما صرت إليه.

أنهيت قراءة الكتب بشهر وكانت أول مكتبة لي ضمت قصصاً وروايات عالمية ترجمة ليلى بعلبكي، وقصص الصحابة خالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص وقصص الفتوحات..إلخ.

ما مرد هذا التعلق بالقراءة؟

نشأنا منذ سنوات طفولتنا الأولى على قراءة قصص محمد تيمور، بتوجيه من أشقائنا الكبار، وفي الصيف كنا نبيع البوظة في الشارع وما نجنيه يذهب لشراء الكتب، أذكر منها “تغريبة بني هلال” التي كانت تباع على الرصيف، يشتري الصديق الأديب محمد جاسم الحميدي جزءاً وأشتري آخر، وهكذا كنا نتبادل الكتب. وتطور معنا الأمر إلى قراءة كتب إخوتنا الكبار وعرفنا سارتر ورواية الذباب، وكامو والطاعون في الأول الاعدادي، إلى أن افتتح شاب مكتبباً لتأجير الكتب، كان كل منا يستأجر كتاباً ونتبادلها بعد القراءة، وفي الثانوي بدأنا نشتري الكتب المستعملة ونُعير ونستعير.

وحين عملت في قطاع المعدات الفنية في مؤسسة سد الفرات بمدينة الطبقة، تم إحداث مركز ثقافي، مبنى صغير فيه بعض الكتب، وضعوني به للإشراف على إعارة الكتب للعمال، إذ حدث حينها أن حضر المدير العام  لمؤسسة سد الفرات صبحي كحالة (رحمه الله) أمسية أدبية قرأت فيها قصة عن السد ونالت إعجابه.

كنت أقضي جل وقتي بالقراءة حتى أجد أن الليل قد انتصف ولا زلت أقرا فأنام فوق طاولة المطالعة، متوسداً الكتب حتى أستيقظ على صوت عامل جاء لتوقيع براءة ذمة بأنه لم يستعر كتاباً من المكتبة، ونشطنا العمل الثقافي وكنا نقيم أمسيات أدبية لشعراء وقصاصيين من دمشق ومن حلب والرقة ومن مختلف المحافظات، وبدأت حينها أكتب قصصاً عن سد الفرات وأثمر مشروعي الكتابي رواية برج لينا.

لا يُحبذ أغلب المثقفين والكتاب إعارة الكتب من مكتباتهم، هل أنت منهم؟

لم أكن كذلك في بادئ الأمر، لكن مع كل عملية شراء جديدة كنت أسافر من الطبقة إلى حلب، وأمر إلى مكتبة لبيع الكتب لاسيما الروايات الصادرة حديثاً.  وكان صاحبها رجلاً يهتم بالأدب وبأحدث الإصدارات يأتي بها من بيروت، وبدات مكتبتي تكبر وتتنوع..لكن الأصدقاء يستعيرون الكتب، والواحد منهم يستعير عدة كتب دفعة واحدة ولا يعيدها، ومنهم من صار يترقب حضوري إلى الرقة ليأتي ويحمل مجموعة من الكتب كمراجع يحتاجها لبحث أو محاضرة، فتذهب الكتب ولا تعود وكأنها قطعة تنتزع مني حتى قررت أن لا أعير أكثر من كتاب، تصور أحدهم صار باحثاً وليس لديه أي كتاب في بيته.

ماذا تخبرنا عن رحلتك إلى جمهورية مصر العربية وما حدث معك؟

 كنت أشتري الكتب من المعارض ومن تصفيات المكتبات أو من شخص قرر بيع مكتبته، وكان الأستاذ آرسين قيومجيان صاحب مكتبة في الرقة قرب الفردوس، وهو شاب مثقف  يجيد اختيار الإصدارات الحديثة، وكذلك عدنان الراوي صاحب مكتبة الفردوس قرب الجامع، وهنا أصبح لدي اهتمام بالكتب الدينية، وحين زرت مصر كان هاجسي الكتب وملأت حقيبتان كانتا معي بالكتب من مكتبة الفجالة والبسطات على سور الازبكية لكنهم لم يخرجوني من مطار القاهرة بحجة أنها للتجارة، لكن مسؤول الجمارك تفقد الكتب وحين لاحظ أن لا نسختين من كتاب واحد، ولاحظ نوعيتها الثقافية أطلق سراحي، وهو يضحك معلقاً: “في سورية ما فيش كتب؟”، قلت: “نعم ولكن لا يوجد كُتّاب كنجيب محفوظ”، وكنت أحمل جميع مؤلفاته وعددها ثمانين مولفاً. أما في مطار دمشق الدولي فقد طلب مني موظف الجمارك أن أدع كتبي حتى أحضر له موافقة وزارة الاعلام فاشتكيت لضابط المطار الذي تفقد الكتب، واحتفظ لنفسه بكتاب “ديانا أميرة الأميرات” بينما أخذ موظف الجمارك كتاب في الحديث للأمام النووي، وخرجت من المطار سعيداً بإحمالي النفيسة.

ما مصير المكتبة بعد أن دُمرت الرقة؟

كانت مكتبتي عبارة عن رفوف حديدية كتلك التي تستخدم في البقاليات، وبقيت هكذا حتى تقاعدت مبكراً، فاشتريت لها رفوفاً خشبية مخصصاً لها غرفة وطاولة وكمبيوتر، وكنت أمضي فيها أغلب وقتي، أقرأ أو أكتب، يزورني بعض الأصدقاء ينتقدون بعض الكتب ونتناقش، يستعير أحدهم كتاباً، ويسرق آخر  كتاباً يدسه تحت قميصه.

دخلت الفصائل المسلحة الرقة وأغلبها إسلاموي، كانوا يحضر بعضهم ويتوقف أمام الكتب ويبدو أن أحدهم كان “فهمان”، قال لي: “مكتبتك شيوعية”، استعنت حينها بجار وصديق لي، وأخرجت كافة الكتب الماركسية، المختارات وماركس وكتب الإلحاد وعددها أكثر من ستين كتاباً، اشتراها الصديق المهندس في مؤسسة المياه  جوزيف  عيسى بالشيلة، الكتاب بعشرين ليرة أي بأقل من عشرين بالمئة من قيمته، لكن كان خلاصاً مؤقتاً حيث آل الأمر في الرقة لتنظيم “داعش”، وبدأ حرق المكتبات في الرقة، وصرت أريد الخلاص من المكتبة، بعت الكثير منها للصديق المهندس إبراهيم العلوش، لأني إضافة للخوف كنت أعاني من أزمة مالية خانقة إذ توقفت راتب التقاعدي، ولولا وقوف أختي معي كنت ألقيت بلا طعام أو خبز.

جاءني أبو بلال صاحب إحدى مكتبات الرقة، واتفقنا على بيعه المكتبة التي صارت مصيبة بالنسبة لي، أعطاني قليلاً من المال كدفعة أولى على أن يسدد لي الباقي من البيع، وكنت كلما طالبته يتعلل بأن “الدواعش” يأخذون منه الكتب بالمجان، وقرر افتتاح محل جديد لبيع الكتب قرب جامع الشراكسة، وحين تم تجهيز المحل كانت الطائرة تقصف فرن الكعك في السوق، ثم عاجلته بصاروخ قتله وابن له ونازح كان يساعده واحترقت المكتبة، وخسرت ما كنت أعده لشيخوختي، وخسرت أجمل ما في حياتي، الكتب عشقي منذ الطفولة للكتب، ويبقى أعز مكان في الدنى سرج سابح وخير جليس في الزمان كتاب. كما قال المتنبي.

ماذا تود أن تقول أخيراً؟

عندما توظفت في المكتبة بداية السبعينات، سكن معي صديق حلبي، كان يكتب القصة، ويأتي بالكتب ونقرأ معاً، كان مثقفاً ومرتاح مادياً، يشتري كتباً يوصي خلفها من بيروت، كان سليم أحمد شاوي وهذا اسمه رحمه الله مثقفاً مدهشاً، توفي شاباً، تصور كان المسجل بجانبه يسمعني معزوفة لعبد الوهاب، ثم يسمعني مصدرها الإسباني، كان يهوى تقصي سرقات الملحنين العرب، ويكتشف سرقات أدبية لكتاب كبار في العالم العربي…إلا أن جهل الجمهور العربي وقلة قراءاته تشجع الكتاب والأدباء وحتى الموسيقيين على الاستفادة من أدب الآخرين، وأمام هذه الحقائق التي كان صديقي يوثقها ويطلعني عليها خلال سهراتنا التي نقضيها بالقراءة عشقت الأدب أكثر  فأكثر.

مجلة قلم رصاص الثقافية 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by arabiceuro.com