الرئيسية » رصاص خشن » العالم يعلن عن مصيره في أعمال الشعراء

العالم يعلن عن مصيره في أعمال الشعراء

عقبة الصفدي  |

يممي  بالريح وجهي، لأكون هناك طاهراً من قيد الغبار،  أنا تفعيلةٌ تطاردها السحب، يغسلها الضوء، ألبسيني جسد اللغة، لا أريد أن أدخل مضيق الموت عارياً، وحيداُ، وضعيفاً، لأنني أحمل جنون الطفولة وحلمها، غضب الرجال، وصبرهم، يقين الأنثى وحنوها، تعاليم أمي وصوتها،  أنا أحمل الوجود بين قافيتين وتفعيلتين..، هم الشعراء يتكئون على أعماقهم، يفتحون طريقاً، ويحلقون في فضاء الكناية، لينظروا من أبعد نقطة إلى مجازٍ يتسع لكل التناقضات البشرية، فيصنعون النبوءة  دون أن ينتظرونها،  لذا يقتلهم من يأخذ بظاهر الآية  القرآنية الكريمة (والشعراء يتبعهم الغاوون)، لأنه يُغفل تاريخاً فتح فيه الشاعر الفرنسي فولتير الأفق أمام المضطهدين اجتماعياً وسياسياً ودينياً، فكان من المبشرين بقيام إحدى أهم ثورات التاريخ”الثورة الفرنسية”،  ولم يتأخر كثيراً إله الشعر أبولو عن إرسال جنده المسخرين لنصرة الفقراء والمضطهدين، فكان عام 1799 ذوبان الثلج الروسي أمام حر الأفارقة، وولادة الشاعر الأفريقي الروسي ألكسيندر بوشكين، الذي لم يشق طريقه إلى الحياة فحسب وإنما أيضاً إلى بلاط القياصرة، لكن ليس متكسباً مادحاً، وإنما منتصراً للفقراء والمظلومين الروس، ولقصة حبٍ جعلته شهيداً في نهاية المطاف، فرثاه  الشاعر العراقي عبد الرزاق عبد الواحد”نهر العراق الثالث”، بعد قرنٍ من الزمن قائلاً:

بوشكين يا لؤلؤة روسيا السوداء

يا أغنية الحب الأولى

يا أغنية الغضب الأولى

ملعونٌ صوتي إن لم يَبلغك إلى مخبأ جرحك

ذابت ثلوج روسيا وولدت ألفاً، ودماء 

بوشكين تسري في عروق الفقراء والعشاق، ويورث حرها الأفريقي غضب التجربة وعمقها لشاعر الحب والموت والنبوءة،  الإسباني غارثيا لوركا، الذي بقي يلهج بالحب وتحرر الإنسان حتى لحظاته الأخيرة إبان الحرب الأهلية الإسبانية عام 1936، إذ  تلا على مسامع قاتليه من أتباع الجنرال فرانثيسكو فرانكو قوله:

ما الإنسان دون حرية يا ماريانا؟

 قولي لي كيف أستطيع أن أحبك إذا لم أكن حراً؟

كيف أهبك قلبي إذا لم يكن ملكي؟

فيجيبه عن أسئلته في الشرق الشاعر التركي ناظم حكمت الذي  يختصر الأديب السوري حنا مينه شهقته الإنسانية في بحر المنافي قائلاً:”يكفي أن نقول ناظم حكمت حتى نقول الإنسان”، ناظم حكمت الذي عاش عمره بين ضفتين، ضفة “السجن التركي” وضفة “المنفى الروسي”، وحمل نهر الوطن والإنسان على كتفيه حتى مات عام 1963، لا يحمل سوى جنسية قصائده ولغته، إذ أسقطت الجنسية عنه من قبل السلطات التركية، فلو كان أتباعه غاوين فعلاً، لعاش آمناً في كنف كل الحكومات والأحزاب التي مرت على تركيا، لكن هذا يشق على شاعرٍ عرف مصيره منذ البداية إذ قال:” إذا كنت تؤمن بالوطن، بالعالم، وبالإنسان.. فسيقودون خطاك الى المشنقة أو سيلقون بك في الزنازين”.

ولم يكترث الشاعر التشيلي بابلو نيرودا بتاريخ النفي والموت للشعراء الرافضين، وإنما اختلط دم السابقين بمداده فكتب عشرين قصيدة حب، وأغنية يائسة، وأثار حنق الجنرال بونشيه  الذي أسقط حكومة الرئيس التشيلي سيلفادورا الليندي_المنتخبة ديمقراطياً_، فكاد أن ينال نفس مصير لوركا من قبل جنود بونشيه لولا ظنهم أن ما أرسلوا من أجله إلى منزل نيرودا هو بندقية حقيقية، وليس قصيدة.

لذا يصدق قول الشاعر السوداني محمد الفيتوري:”الشعراء لا يموتون وإن ماتوا، والشعراء أكثر الناس خلوداً”

كما يصدق الشاعر الفرنسي رينيه شار إذ قال: عند انهيار الدلائل والبراهين يجيب الشاعر بومضةٍ من المستقبل، ويصدق من يأخذ بظاهر الآية القرآنية الكريمة، إذا لم يتحول خياله إلى وردةٍ من نار بعد أن يقرأ محمود درويش وسميح القاسم أو يوسف الخطيب، وإذا لم يبحر بكل قواميس الحب بعد قراءة نزار قباني، أو لم يعشق تفاصيل دمشق بعد قراءتها في قصائد سعيد عقل، وأخيراً إذا لم يدخل أعماقه بعد أن يسمع قصائد ميشيل طراد وجوزيف حرب وطلال حيدر بصوت السيدة فيروز، فالعالم حقاً يعلن عن مصيره في أعمال الشعراء.

صحفي سوري  |  مجلة قلم رصاص الثقافية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by arabiceuro.com