الرئيسية » الجسر العتيق » الرقة التي غدت أطلالاً من الموت

الرقة التي غدت أطلالاً من الموت

فراس الهكار  |

صار نهر الفرات يتيماً، فُجع مُبكراً بضفتيه، زحفت عليها كتل الأبنية الأسمنتية، عارياً، قطعت مناشير الكهرباء الجنزيرية الجائعة أشجاره الخضراء، صار شاحباً كئيباً فقد رونقه ولمعانه وعذوبة مياهه، وأصبحت مدينة الرقة ثكلى فقدت خيرة شبابها، تنتشر عشرات الجثث في شوارعها وساحاتها، وتلوث هواؤها العذب برائحة الموت والبارود والدم.

سيطر «الثوار» على المدينة، وطردوا القوات الحكومية منها، وقتلوا عشرات الجنود والمدنيين ممن اتهمتهم بتأييد نظام الحكم، وسحلوا جثثهم في الشوارع والساحات العامة. حين كانت الرقة تحت سيطرة الحكومة السورية كانت سلة غذائية، وفيها كنوز حقيقية أطنان قمح وقطن وذرة صفراء ومداجن ومسامك ومئات الآليات الثقيلة وحفارات نفط ومضخات مياه ومحطات نقل طاقة وأبراج اتصالات ناهيك عن عشرات المواقع الأثرية وبعض البنوك.. أو غنائم كما يسميها «الثوار»، فكانت الدوافع كبيرة لدخولها لذا كانت تلك الثروات «الغنائم» هي المحرض والدافع الأبرز لدخولهم المدينة، وليس تحرير أهلها من العبودية كما ادعوا في بيان هجومهم على الرقة التي كانت تأوي مليون نازح من كافة المدن السورية.

لاحقاً سرقوا كل شيء، القمح والقطن والذرة والآثار والنفط ومضخاته ومولدات الكهرباء والبنوك والآثار وتجهيزات المستشفيات الحكومية ومحطات المياه..وفرّوا بما غنموه من وجه «داعش» ومنهم من فرَّ قبل ظهور «داعش» على الساحة.

اضطهدت «داعش» أهل الرقة أكثر من أي نظام ديكتاتوري، وأعدمت الشباب وجلدت ورجمت النساء في الساحات وفي المعتقلات، لم يحرك «الثوار» ساكناً لنصرة المدنيين، حتى تنسيقياتهم الفيسبوكية التي كانت تحرك الشارع ضد النظام السوري الرسمي لم يعد لها أثر، لأنهم وجدوا في تركيا ولاحقاً أوروبا ملذاتهم، ومكاناً لاستثمار ما سرقوه وفرصة للاستمرار بالمتاجرة بدم من لا حول لهم ولا قوة في الداخل. تقول امرأة من الرقة: أوقفتني دورية الحسبة وأنا أسير في الشارع، حدثني السائق قائلاً: إياك أن تخرجي بلا النقاب مرة أخرى، فهززت برأسي بينما شعرت أن البول يسيل من بين قدمي، خفت كثيراً لدرجة أني تبولت لا إرادياً من الخوف.

إنقاذ «داعش»

اكتشفت الولايات المتحدة الأمريكية بعد الاعتماد على أبناء العشائر العربية في شمال وشرق سورية لعدة سنوات، أن من اعتمدت عليهم من أبناء المنطقة ليسوا سوى شرذمة من اللصوص يبيعون الأسلحة والمعدات التي تصلهم ويصرفون ثمنها في تركيا، فقررت الاعتماد على الأكراد وكان قرارها صائباً، إذ دمر لها الأكراد مدناً بأكملها دون أن يوقفهم أحد بما أن المسألة جاءت تحت عنوان: محاربة الإرهاب والقضاء على داعش، وتحرير الناس من العبودية.

بدأت الحرب على «داعش» بإعلان الهجوم على مدينة الرقة المعقل الرئيس للتنظيم في سورية، طعمت أمريكا الميليشيات الكردية ببعض الفصائل العربية حتى تعطي الاحتلال شرعية إعلامية، لكن دور تلك الفصائل اقتصر على أمور ثانوية مثل توزيع الطعام ونقل المؤونة، ومن اعترض على ذلك مثل «لواء ثوار الرقة» اعتقل الأكراد قائدته ووضعوهم تحت الإقامة الجبرية، حتى من شاركوا مع الأكراد بمعركة «تحرير الرقة» قام الطيران الأمريكي بقصفهم جوياً وقتلوا قادتهم، وبرروا ذلك أنه خطاً عسكري.

استمرت المعركة أربعة أشهر، قضى خلالها آلاف المدنيين من أبناء الرقة المدنيين، وتم تدمير المدينة بشكل كلي حيث أعلن أحد القياديين الأكراد أن “نسبة الدمار تجاوزت 90%”.

بعد انتهاء مهمة تدمير المدينة، أخرجت الولايات المتحدة حوالي 2500 من مقاتلي «داعش» الأجانب مع عائلاتهم وأسلحتهم بشاحنات كبيرة وباصات، ونقلتهم على مرأى من أهالي الرقة الذين يقطنون في قرى أطراف المدينة، والتقطوا لهم مقاطع فيديو وصور، قبل أن تعد قناة بي بي سي العربية تقريراً عن ذلك، مما شكل فضيحة للولايات المتحدة التي أصبح تعاونها مع تنظيم داعش أمراً مكشوفاً وعلنياً، وقد تم نقلهم إلى معسكر تدريب في ريف محافظة الحسكة السورية، بانتظار دور جديد ومهام أخرى ينفذونها لصالح الولايات المتحدة.

أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية انتهاء العمليات العسكرية في مدينة الرقة السورية و”تحريرها” من إرهاب تنظيم «داعش»، إلا أن الرقة مُسحت من على وجه الأرض، إذاً نجحت العملية لكن مات المريض.

بدأ الأهالي يتظاهرون من أجل أن يعودوا إلى بيوتهم المدمرة، لم تسمح الميليشيات المسلحة بعودتهم، تذرعت بكثافة الألغام، حاول بعض الشباب التسلل للوصول إلى بيوتهم والاطمئنان عليها، إلا أنهم قضوا برصاص قناصي الميليشيات والألغام التي قدرها الخبراء بحوالي 10 آلاف لغم، متعددة الأشكال والأحجام.

ماطل الأكراد بالسماح للأهالي العودة إلى بيوتهم، وما زال عشرات الآلاف منهم في مخيمات عين عيسى والكرامة والجرنية بعد أن علموا بدمار بيوتهم بشكل كامل. ازدادت المظاهرات المطالبة بالعودة فرد المسلحون الأركاد على هتافات المتظاهرين بالرصاص الحي فوقعت عدة إصابات.

سرقة الذكريات

تركت أمي المخيم وتسللت إلى البيت، فتحت الباب بحذر، راحت تتفقد محتويات الغرف، كان زجاج الأبواب والنوافذ متناثراً في ساحة البيت، شجرة الزيتون لوحتها النار، دخلت غرفتي فرأت أن البسطار العسكري الذي كان ينتعله المسلح اللص قد ترك أثراً على الخزانة المغلقة، نسيت توصية والدتي قبل أن تخرج من الرقة خلسة ـ في عتمة الليل بمساعدة مهرب محلي كان يبتز المدنيين الراغبين بالنجاة، ويتركهم يهيمون على وجوههم في الصحراء حتى يواجهون مصيرهم ـ أن تتركها مفتوحة شأنها شأن بقية الغرف والخزانات، كيف فاتني أن إغلاقها دوناً عن البقية فضول سيُثير العسكر اللصوص.

كانت أمي بريئة لدرجة أنها صدقت الأوراق التي كانت ترميها الطائرات قبل بدء قصف المدينة عشوائياً بالمدفعية الثقيلة وراجمات الصواريخ، الحقيقة ليست وحدها من صدقت تلك الأكاذيب التي روجها عملاء الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، إنما صدق معها كل المستضعفين من أبناء الرقة.

العملاء لم يكونوا يقبضون من أجل رمي الشرائح الإلكترونية في الطرقات، كذلك كانوا يفعلون من أجل ترويج الشائعات، “أمريكا الأم الرؤوم”، وأهالي الرقة الأيتام الذين قتلت فيهم داعش كل رغبة في الحياة لم يكن لديهم أي خيار آخر فهربوا من الموت البطيء إلى موت سريع لم يكن رحيماً كما قيل لهم.

لم تكن الخزانة الخشبية تحوي سوى ذكريات الطفولة، فيها ما بقي من بعض ألعابي مذ كنت طفلاً، ورسائل وهدايا حبيبات سابقات قُتلت إحداهن برصاصة قناص عن سقوط المدينة بيد الثوار، وضاع دمها كما ضاعت دماء السوريين في أروقة الفنادق وقاعات المؤتمرات وبورصة المساومات السياسية، وهاجرت أخرى هرباً بأطفالها من زوج انضم إلى مسلحي داعش وكان ينوي إهداء أحد أطفالها لأخيه المجاهد المغربي الذي يعاني من العقم، فلم يُنجب من جواريه العشرة، وقضت الثالثة في معتقل داعش تحت التعذيب بعد أن رفضت الزواج من أمير الحسبة الخمسيني الذي ترك فلسطين وجاء من غزة المحاصرة للجهاد في سورية.

ضمت الخزانة الصغيرة عشرات الذكريات، كان فيها عقرباً وأفعى صغيرة في قارورة زجاجية مع بعض الكحول لمنع تفسخهما، كنت قد أمسكت بهما في إحدى ليالي الصيف في أرض الدار، واحتفظت بهما مع خوف لازمني من مجيء أميهما للانتقام مني، هذا ما تعلمناه صغاراً، إن الحيوانات تنتقم من أجل صغارها، وتشم رائحتهم وتعرف القاتل من عينيه، بعد سنوات لم يأتِ أحد، فتجاوزت خوفي.

وكأي طفل من أطفال الرقة، وأطفال العالم كانت لدي هواية رافقتني حتى صرت شاباً، وهي جمع عملات الدول، وفي علبة بلاستيكية كانت يوماً ما مليئة بالبسكويت اشترتها والدتي لتقدم كضيافة للعيد، وضعت تلك العملات، معدنية وورقية، سورية وسعودية ومصرية ولبنانية وعراقية وقطرية وتركية وروسية وإيرانية، وكنت أحلم أن أجعل من علبة البلاستيك الصغيرة بنكاً عربياً موحداً، وأفعل ما لم تستطع فعله كل الحكومات العربية والدول مجتمعة، كنت متأثراً جداً بأفكار زكي الأرسوزي، وقد عرفته حين درست في مدرسة اعدادية وثانوية بجانب بيتنا تحمل اسمه، قبل أن يُغير الثوار اسمها إلى “أبي هريرة” حين سيطروا على الرقة وطردوا القوات الحكومية منها عام 2013.

خلع العسكري معطفه ووضع وسادة قرب الخزانة وجلس يتفحص محتوياتها، كاميرا فوتوغرافية يدوية قديمة رماها بعيداً، آلاف الصور لي ولأهلي من صور عرس والديّ إلى ولادتنا ومدارسنا حتى صرنا شباباً، كلما استعرض صورة كان يرميها حتى تناثرت جميعها في الغرفة الواسعة، فتح الهدايا وقرأ الرسائل ثم رماها، أو ربما لم يقرأها، قد يكون لا يجيد القراءة، وأخيراً وصل إلى كنزي الصغير، فتح علبة البلاستيك، رأى العملات النقدية، هذا ما يبحث عن تماماً، أفرغ العلبة في جيوبه، وخرج من المنزل، نسي معطفه معلقاً على المشجب في الغرفة، أنساه المال أي شيء آخر، أدى التحية للضابط المسؤول، تم تأمين المنزل سيدي، لا يوجد إرهابيون هنا!.

«بابا قسدويل»

لم يكن ينقص تراجيديا الموت المنتشر في الرقة سوى رجال مسلحين تركوا سلاحهم برهة وارتدوا زي “بابا نويل” وحملوا أكياسهم السوداء وراحوا يتجولون أمام الكاميرات بحثاً عن طفولة منتهكة لم يعد لها أي وجود حقيقي حتى في نفوس الأطفال الذين لم يتجاوزوا العاشرة ويعيشون في خيم بدائية.

يعرف الأطفال اليوم أنواع الطيارات من أصواتها، ويميزون بين الصواريخ والقذائف فما شاهدوه منها خلال سنوات الحرب الطويلة كان كفيلاً بأن يُنسيهم أنهم أطفال، وأن مكانهم الطبيعي هو على مقاعد الدراسة، لكن أين هي تلك المقاعد؟ تحولت المقاعد إلى متاريس، وما نجا منها صار حطباً أشعله النازحون الذين خسروا بيوتهم وصارت المدارس ملاجئاً لهم ولأطفالهم.

يطوف “بابا قسدويل” فوق الأنقاض في شوارع وساحات مدينة الرقة بحثاً عن الأطفال، أو من عاد منهم من مخيمات النزوح، يحمل كيساً نجهل محتواه، لكن هل سيُعيد ذاك الكيس الآباء لأطفالهم؟ هل سيعيد أمانيهم؟ هل سيُعيد لهم بيوتهم المدمرة؟

سُئل أحد الأطفال النازحين خلال ورشة لتعليم الرسم في أحد المخيمات، ماذا تريد أن تصير في المستقبل؟ أجاب بثقة: شهيد!! فماذا يمكن أن يقدم العسكري المتنكر بلباس “بابا نويل” لأطفالهم أمنيتهم الموت؟

المدينة المقبرة 

مئات الجثث ما زالت تحت الأنقاض في الرقة لا تجد من يخرجها ويكرمها بدفنها، والأهالي لا قدرة لهم على رفع الأنقاض هم يقفون يومياً فوق الركام الذي يجثم فوق صدور أهاليهم وأقاربهم ولا يستطيعون شيئاً حيال ذلك، توسلوا الميليشيات الكردية من أجل إخراج الجثث إلا أن توسلاتهم لم تجد نفعاً. 

صارت المدينة عبارة عن مقبرة جماعية كبيرة. سبق أن دمر المغول مدينة الرقة حين كانت حاضرة للخليفة هارون الرشيد، وبقيت بعد ذلك قرابة خمسة قرون مجرد خراب وأطلال لا يسكنها أحد، فهل ستعمر الرقة مجدداً أم أنها ستبقى مجرد أطلال يسيطر الأمريكان على حقولها النفطية ومواردها المائية متذرعين بفزاعة داعش التي يلوحون بها كالجزرة أمام الحمار؟

سننتظر ونرى

صحفي وكاتب سوري | مجلة قلم رصاص الثقافية

 

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by arabiceuro.com