الرئيسية » رصاص ناعم » آغوتا كريستوف تكتشف الوجود بالممحاة

آغوتا كريستوف تكتشف الوجود بالممحاة

رامي طويل  |

ربّما تكون الروائية المجرية، آغوتا كريستوف (1935 – 2011) واحدة من الأصوات الروائية التي لا تقلّ أهميّة عن أسماء كثيرة كرّسها تاريخ الرواية، غير أنّها لم تحظ بالاهتمام الذي يستحقه منجزها، ما يجعلها مجهولة  لدى الكثيرين، ليس في الثقافة العربية فحسب، والتي نقلها إليها الشاعر الراحل بسّام حجار، في تسعينيات القرن الماضي، عبر ترجمته لروايتيها “الكذبة الثاثة”، و”أمس”،  قبل أن يضيف إليها المترجم محمد آيت حنّا، مؤخراً “البرهان”، “الدفتر الكبير”، وكتاب “الأميّة (سيرة الكاتبة)”، وإنّما في الثقافة الأوروبيّة أيضاً، التي كتبت عن منجز كافكا ما يفوق منجزه بعشرات الأضعاف، وكذلك عن  ثربانتس، وبلزاك، وهوغو، وغيرهم الكثير، إلّا أنّها لم تعر الاهتمام الواجب لكاتبة استثنائية، استطاعت عبر أعمالها القليلة أن تمضي بالرواية، بجرأة استثنائية، إلى كوامن لطالما احتالت عليها الكتابة الروائية.  

إن اتفقنا مع الكثير من المؤرخين للرواية باعتبار أنّ رواية “دون كيخوتة” للإسباني ميغيل دي ثربانتس (1605) كانت بمثابة إعلان ولادة الرواية الأوروبيّة، متطوّرةً عن أنماط السرد السّابقة، التي عرفتها الحضارتان، الإغريقية والرومانية، نكون أمام أربعة قرون من الكتابة الروائية تفصل كريستوف عن ثربانتس، استطاعت الرواية فيها، مراراً، الكشف عن الوجود بأساليب مختلفة، ما دعا الكثير من النقّاد، وخاصّة في القرن الماضي، لاستشراف اقتراب موت الرواية، ظنّاً منهم أنّها ستكون عاجزة لاحقاً عن كشف المزيد. غير أنّ كريستوف تتسبّب، لدى قراءتها، بصدمة كبيرة، حول مدى مقدرة الرواية على الاكتشاف، لما كنّا نظن أنّه بات بديهياً، وأشبع بحثاً وكتابة.

ثواب الشرّ

بمزيج من الهزل والفكاهة والرعب والخوف والقلق والخيبة والحب نسجت كريستوف رواياتها، وبذلك استطاعت الكشف عن أعماق الكائن البشري، الذي ما هو غير ذلك الخليط الغرائبي من المشاعر. تتقاطع حياة كريستوف مع الكثير ممّا تحكيه رواياتها، هي التي قطعت حدود بلدها تحت وطأة الحرب لتعيش لاجئة في النمسا، قبل أن تختار سويسرا مكاناً لإقامتها، واللغة االفرنسية أداة لكتابتها. ما يفسر في رواياتها الثلاث “الدفتر الكبير”، “البرهان”، الكذبة الثالثة”، والتي يحلو للكثيرين تسميتها كثلاثية، اختيارها منطقة حدودية لتكون مسرحاً للأحداث، حيث الحرب ثيمة واضحة وراسخة. لكن كريستوف، التي  بنت أعمالها الثلاث كأعمال منفصلة عضوياً، كلّ منها مستقلّ بذاته، بناءً وحكايةً، رغم العصب الجليّ الذي يجمعها دون أن يحيلها إلى عمل واحد بأجزاء ثلاث، لم تنسق خلف تسجيل سيرة ذاتية، بل تجاوزت ذلك كلّه لتخلق عالماً روائياً شاسعاً بأبعاده الداخلية، متخلية عن وصف الحروب، التي كانت، وما تزال، مادة خصبة للروائيين، منحازة إلى حياة أبطالها باعتبارهم أفراداً صرفاً، تسهم البيئة والظروف التي يعيشونها بتكوينهم، ما يجعل فعل التضحية بالأب من قبل الولدين، في ختام رواية “الدفتر الكبير”، ليعبر أحدهما الحدود فوق جثته، فعلاً طبيعياً لا يمكن لأحد أن  يرى فيه وحشيةً، أو  فعلاً دنيئاً. إنهما الولدان اللذان أنتجتهما حرب لم تحتج كريستوف لتسميتها، ولا لتسمية الأطراف المتصارعة فيها، ولا لتسمية المكان الذي تدور فيه.

إنّها الحرب بكلّ تجرّد، في كلّ زمان ومكان. الحرب التي تدفع طفلين لتدبر شؤونهما بغية البقاء على قيد الحياة، ليتحولا إلى خليط من كائنات مرهفة المشاعر، ووحوش لا تتردد بأن تنفذ رغبة العجوز العاجزة بالموت، بعد موت ابنتها أمامها وهي تضاجع الجنود الغرباء، فيقومان بذبحها وإحراق منزلها بسلاسة، متأكدين أنهما بذلك يسديان خدمة جليلة تخفف الآلام عن العجوز.

الكتابة بالممحاة

بخفّة، ونقاء، وبعيداً عن كل بهلوانيات اللغة، شديدة الإغراء بالنسبة للكتّاب، بنت كريستوف عالمها الروائي، فخلقت من البراءة الأولى، ما يمكن تسميته الرواية الخام، ثائرة بذلك على إرث روائي يمتدّ لأربعة قرون. ربّما  يعزي البعض، كما تعزي هي في أحد حواراتها، المنشور ضمن كتاب “الأميّة”، ذلك التخفف من اللغة إلى خيارها الكتابة باللغة الفرنسية التي تقول إنها لم تُجدها حتى في أواخر حياتها. غير أن القارئ لرواياتها يمكنه أن يكتشف ببساطة سرّ تلك الكثافة، وذلك العمق الكامن خلف أنّ كريستوف دون شك كتبت بالممحاة أكثر  ممّا كتبت بالقلم، ما جعل جملتها تأتي عاريةً وصادمة حدّ الذعر. فكلما ابتعدت الكلمات عن ألاعيب اللغة اقتربت من المعنى. والمعنى هو ما تكرّسه أعمال كريستوف، في تحدّ صارخ لعالم لم يكترث يوماً للإنسان الذي يدعّي أنّه قيمته الأسمى. تكمن مشقّة الإتيان بجملة مجرّدة تصيب المعنى، بحاجتها إلى كمّ كبير من الوعي والمعرفة والإدراك، وهو بالضبط ما يسم البناء السردي لكريستوف في مجمل أعمالها، والتي يلحظ، من خلال أجوبتها في حوارها، الذي ضمّه كتاب “الأميّة” أنّ ذلك التجرّد والتخفف من اللغة كان نهجاً لديها، ولعلّ في إجابتها عن سؤال حول ما الذي يدفع المرء للاستيقاظ صباحاً، ما دام كلّ  شيّ “سيّان (عنوان أحد كتبها) “؟ والتي جاءت: “لأن البقاء في السرير أمر غير ممتع، والمرء يشتهي فنجان قهوة. هذا كلّ ما في الأمر” خير مثال على كاتبة أدركت مبكراً  القيمة العليا للإنسان، وجعلت اللغة مطواعة لمشاعره وأحاسيسه ورغباته، هي التي تعترف بأنّ العدمية هي الكلمة الأقرب لنمط وجودها.

إن كان التوهّج والإيجاز والمجانية، بحسب الشاعر الراحل أنسي الحاج، هي شروط ثلاثة لازمة لصناعة قصيدة النثر، فإننّا نستطيع القول بأن كريستوف بتحقيقها لهذه الشروط الثلاث في كتاباتها، ومقدرتها على الخوض في أعماق الكائن البشري، والانتصار لذاته كفرد، وكذلك الانتصار للمهمل والمهمّش، وكلّ ما يعبر الآخرون فوقه دون اكتراث، يجعلنا نقول إنّها استطاعت، عبر أعمالها القليلة، أن تجعل من سردها الروائي قصائد نثر، أعادت من خلالها اكتشاف الوجود بطريقة ساحرة وصادمة، ومغايرة لكلّ ما اكتشفته الرواية سابقاً، طيلة أربعة قرون.

“خلال جولتي الرابعة على روّاد الحانة لجمع التبرعات، يقول لي النادل:

ـ أنتم الأجانب تجمون التبرعات دائماً لشراء أكاليل زهر، وتقضون أيامكم في السير في الجنازات.

أجيبه قائلاً:

ـ لكلّ منّا أسلوبه في اللهو.؟”*

 

*حوار من رواية “أمس”.

كاتب وسيناريست سوري  |  خاص مجلة قلم رصاص الثقافية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by arabiceuro.com