الرئيسية » رصاص خشن » أيّة قُبلة هذه تشيع الفزع !

أيّة قُبلة هذه تشيع الفزع !

قحطان جاسم  |

الكتابة على جدران المدن المستباحة (10)          

من أيّة ذكرى تبدأ؟ وأيّهنّ ستضيء حقاً روحك المتعبة، الكئيبة التي تحاول أن تخدعها. هل تنفع الذكرى؟ الكآبة؟ العزلة؟ قل لي أيّ شيء. حتى الحب، هذا الشيء الجميل، بل الأكثر قداسة من كلّ شيء آخر مقدس، الذي رأى فيه الفيلسوف الدنماركي سورن كيرككورد عنصرا للعاطفة النبيلة والمساواة، فكتب “لا فرق في الحب، أوه، لا فرق في الحب- فأي فارق بين الأزهار! حتى أصغرها، التي لاقيمة لها، اللامعتبرة، حتى تلك الصغيرة المسكينة المهملة من اقرب المحيطين بها، مع ذلك، التي بالكاد تكتشفها دون أن تنظر إليها كفاية، كما لو أنها قالت للحب: دعني أصير شيئاً ما لنفسي، شيئاً لا مألوفاً. وعندما ساعدها الحب كي تملك خصوصيتها، بل وأضاف إليها جمالاً إضافياً أبعد مما أملت هذه الزهرة المسكينة ذات مرة”، أقول حتى هذا الحب يتجلى، أحياناً، أمام عينيك مشوّه، مخيف، أمر لا يجوز ممارسته.. أو الوصول إليه.. ففي بلادك، تلك البلاد التي لا تزال تعذبك، وهي تبتعد عنك، أو تبعدك عنها، رغم أنها متشربة في بقايا خلاياك، تتشبث بأيامك، كمعتوه أضاع كلّ الدروب، في كل لحظة من حياتك المثقلة بالعذابات والخسارات. بلادك المحاطة بأسيجة وأسلاك من المحرمات والممنوعات، التي يسودها الخراب والجهل، ويرى معظم اهلها في الحب وحشا غير مروّض، وباءً غير قابل للشفاء، جذاماً عليك إخفاءه. 

لا تتعجب، انظر إلى حجم الكراهية الذي يغشي أرواح أكثر  الناس وعقولهم وينهش مشاعرهم. يا إلهي! من أين يأتي كلّ هذ الشرّ؟ كيف يكون الأنسان، هذا الذي خلقته على صورتك، معبئاً بكلّ هذه البشاعة والوحشية؟

 أيّة عذابات تلاحقك! لماذا تعود إليها، إلى تلك الذكريات المريرة. ألا تكفيك غربتك، وغرابتك! وأيّ حب هذا، حين تحتشد كلّ العيون المرائية بشراسة لكي تحصي حتى أنفاسك، بهجتك الصغيرة، وهي تضاء بعلاقة امرأة.. تلك العلاقة التي كانت تعوضك عن حزن أكبر.. حزن مخفي، عن كل صخب الكون وتفاهاته.. وتجعل العالم  أكثر بهاءً وعمقاً وجمالاً رغم فقرك، وأحزانك، ودموع أمك التي كان ينهكها المرض وتتهالك يومياً على طريق الموت..

 كان الفتيان من أقرانك يحتفلون بالحياة، بالمتعة، بينما كنت تبحث عن لقمة العيش، لقمة مريرة، جربت فيها كل الأعمال التافهة، وأحسست فيها كل المهانة، مهانة فتى يجد نفسه غريباً، وحيداً، منعزلاً بألمه وعالمه، حيث كنت  تبحث عن الحب الغائب في وقت مبكر من حياتك.

في ذلك العالم لم يطاردك سوى الرجال..رجال بهيئات مختلفة ومواقع متنوعة ووظائف عديدة ووجوه ذات أقنعة لا تتشابه؛ فيها رجل البلدية، أبوك المتبرم، صديقك الذي يعدّ خطاك وأنفاسك لكي يكتب لحزب الدولة تقريراً عنك، رجل الأمن الذي لا يملك أيّ حلم إنساني وهو يصفع كرامتك، الشرطي الوضيع الذي يحلو له أن يسخر من وجودك ويحقّره تعويضاً عن وضاعته وصغاره؟ في مثل تلك الأجواء، التي مسّت كرامتك، “انشرخت ثقتك بالعالم”، على حد تعبير الاديب الفيلسوف الألماني جان ايمري، في كتابه ” عند حدود العقل”،  لكنك مع ذلك سعيتَ كي تحافظ على إنسانيتك، روحك، صفائك، حتى وأنت تسعى لتجنب سخرية أصدقائك،  وهم يصرخون بتهكم: كيف تكتب الشعر وأنت لست سوى بائع أحذية نسائية على الأرصفة، أو هكذا كتب لك أحدهم بعد سنوات طويلة، وهو يحسدك حتى على بقائك حيّاً: لم أكن أدرِ أنك ما تزال حيّاً..! ثم أضاف متبرماً: مَن أنتَ ألستَ بائع صنادل النساء وأحذيتهن في سوق بغداد الجديدة؟

نعم، مَن أنتَ؟ لماذا لا تعترف بخرابك وتريح روحك من كلّ هذا الهوان والألم؟ لماذا تتشبث بالحب وبذكريات الحب؟ هل لأنك ترى فيها شيئاً من الخلاص الآني؟ أم أنها مجرد لعبة مؤقتة وتحايل على الذات التي تشرف على نهايتها الأكيدة؟

إنك إنسان غريب ! ما الذي يجعلك تحن إلى محض قبلة صعبة، عابرة .. قبلة تشبه ما يحصل في القصص الخيالية، تتشبث بصورتها، وماضيها كأنها شيء لا يعوّض .. شيء إسثتنائي.. رغم أنها كانت قبلة، أقل ما يقال عنها مهينة لكرامتك ولكرامة الفتاة التي كنتَ تحبها..لأنها لم تكن تحدث بدون خوف وقلق كبير، وربما كانت تقودكما الى الهاوية أو توسمكما بالفضيحة. أعرف أن الأمر لا يتعلق بمحض قبلة، بل بتأريخ من العذابات، والمهانة والإذلال الإنساني.

هل تتذكر؟ كنتَ شاباً يافعاً، أندفعتَ مرّات بحماس عواطف جيّاشة نحوها، كلّما خيّم الظلامُ، تدور كمخبولٍ حول بيت أهلها ساعاتٍ حتى تلمح ضوءاً من جهة المطبخ المطل على الشارع، فتندفع دون خوف ناسياً كلّ أعراف الكون والمخاطر المحيطة به. على ضوء المطبخ ترى ملامحها الجميلة، وصدرها النافر، وعنفوانها الذي يستفز كل عاطفة الشباب فيك. فيستفيق في خيالك كل الحرمان المتراكم الى المرأة،  ترمي حصاة صغيرة، تفتح هي الشباك فتكتشف وجودك. ترتعب. وتقول لك هامسة: ابتعد، إنك مجنون، ما الذي تفعله، لو اكتشفونا الآن فستنزل علينا مصائب الدنيا. لكنك تصرّ على أن تمنحك قبلة منها، تجمع بعض الأحجار على عجل، تصعد عليها وانت تلهث، تقرب وجهك منها، تدفع بوجهها من نافذة الشباك وهي في حالة فزع،  وبسرعة خاطفة تسرق منها قبلة وتنسحب. تهتز فيك أحساسيس داخلية غريبة؛  يا الهي! كل تلك المغامرة، كل تلك المخاطر، من أجل قبلة.. قبلة إنسانية، عاشقة، قبلة تختصر حقاً طبيعياً لشاب وشابة تفتّحت في روحيهما أزهار الحياة للتو، ولا تعبر إلاّ عن العواطف الروحية للإنسان السوي.

حتى حين اتيحت لك ذات يوم فرصة بعد أشهر طويلة من التخطيط والاحتيال لكي تلتقيا في حديقة الزوراء بعيداً عن كلّ عين تعرفها؛ الأهل، الأصدقاء، المعارف، حيث تمكنتَ أن تلمس يدها، متخفياً بين الاشجار، ملتفتاً في كلّ خطوة تخطوها، مثل لص رعديد، وهو في طريقه لارتكاب جريمة ما..حينها حسبتَ، أنك تملك بعض الحرية..فاقتربتَ منها كثيراً، التصقت بها، سمعتَ لهاث صدرها، ورأيتَ ذلك اللهب الأبدي لعاشقة، مثلما اشتعلت تلك العواطف العميقة وازدهرت تلك اللحظة في روحك. ملتَ عليها ، كظل خفيف لتقبّلها، اعتقدتَ أن العالم يخصّكما فحسب، وإذا بشرطي يبرز لكما من بين الاشجار، كأيّ شرطي يرى أن مهمته الأولى والأخيرة هي إشاعة الخوف في نفوس الناس، فيصرخ بكما أن لا تتحركا، وراح يلقي عليكما سيلاً من عبارات مفككة، خالية من كل معنى، عن الأخلاق، بصفاقة قروي يكتشف المدينة لأول مرة، فيلعنها وهو يغطي على سلوكه الأحمق فيها. كنتَ غاضباً غضباً لا حدود له، ورغم محاولاتك أن تتحدث معه بطريقة تليق بالإنسان وتشرح له، لكنه أصرّ أن تذهبا معه إلى مخفر الشرطة القريب. ولم يكن أمامك وأنت تجد نفسك في ورطةٍ اجتماعيةٍ لا تعرف نهايتها، أمام جاهل متعجرف، إلاّ أن تلجأ إلى المنطق الذي يفهمه؛ القوة ومنطق السلطة. فحينما اخترعت معرفتك بشخص معروف، وبمجرد نطقك اسمه وقلتَ له أنك تود أن تتصل به، راح يتلعثم وبدأت تقاطيع وجهه تلين وعباراته تتغير حتى أنّه نسى كلّ كلامه عن الأخلاق، وأنهى الأمر بالاعتذار لنا.. أيّة مهزلة، وأي عالم نعيش فيه..  هل حقاً تتطلب قبلة كلّ هذه العذابات وكل هذا الخوف والتحايل. وأيّة مخلوقات هذه تجد في القُبلة تهديداً لوجودها؟

كاتب ومترجم عراقي  |  خاص مجلة قلم رصاص الثقافية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by arabiceuro.com