الرئيسية » رصاص خشن » رواية “بين بابين”؛ البحث عن الذات في خبايا الذاكرة

رواية “بين بابين”؛ البحث عن الذات في خبايا الذاكرة

حميد يونس  |

حالما يبدأ قارئ رواية (بين بابين) للكاتب اليمني المبدع (بدر أحمد علي) حتى يستحوذ على ذهن ذلك القارئ تساؤلان كبيران، وسيرافقانه هذان التساؤلان حتى اتمامها، وهما: من بطل الرواية بالتحديد؟ وما هويته؟

ومن أجل تحفيز الذهن وإثارته حول هذين التساؤلين استخدم الكاتب ثيمة ذكية حين اتخذ من بطل الرواية شخصاً مسجوناً في زنزانة انفرادية مظلمة ويعاني من فقدان الذاكرة فلا يعرف فيها من هو؟ وما أسمه؟ وما الذي جناه؟ وما الغاية المرجوة من كل ذلك؟ وإذ يتجاوز الكاتب اسم البطل وهويته بكلّيتها مستعيضاً بتقديم “ذات” مفرغة من جميع الذكريات ومشحونة بشتى أنواع المشاعر والعواطف والصراعات الإنسانية من خلال بناء روائي قوي ومتماسك؛ “…ذاكرتي في حدّ ذاتها لا أدري ماذا أصابها! فقد ذوت تماماً، وأصبحت كورقة بيضاء، فقط ومضات من خيالات واهنة عن حياتي السابقة، تراودني بين الحين والحين”. وهذه الذات تشابه بشكل كبير لما وصفها هيغل في (فينومينولوجيا الروح) بشكل “هيئة هوية مستحيلة الصياغة تلاحق الواقع ملاحقة يلازمها السقوط في الخطأ على نحو منتظم، ومشكلة في الوقت نفسه حضوراً وتأثيراً ومؤثراً مع التجربة التاريخية والإنسانية”.

ومن خلال حيلة فقدان الذاكرة، تبدأ رحلة الرواية في بحث ذاتي سيكولوجي عن الهوية وعن السببية والغاية مما حدث وما يحدث للبطل/الذات في الزنزانة. ومع تقادم الصفحات يُفهم أن فقدان الذاكرة كان نتيجة صدمة نفسية عميقة: الطفولية المأساوية… الفقد المستمر، المشاركة في حروب في شتى أصقاع الوطن العربي.

وهنا يجدر الوقوف قليلاً والإشادة بالجهد المبذول من قبل الكاتب وتصويره المركّز وثلاثي الأبعاد “لومضات الذاكرة”، إذ يحاول البطل/الذات البحث عن علاج لحالته ـ عن طريق تلك الومضات ـ  ليعيد ما فقده من هويته وذاته نفسها؛ “… تلك المشاهد والومضات التي تباغتني، حتى وإن كانت لذيذة بالنسبة لي، وحتى وأن كانت تولد بداخلي أملا واهناً بإمكانية استعادة ذاكرتي، أو قد تساعدني على معرفة ما جرى لي ولماذا أنا هنا؟.”

وتحمل (بين بابين) أيضاً معنى رمزياً غنياً آخر في التناقل ما بين الوحدة الجبرية والعزلة الاختيارية، ومن ثم العودة الى مربع الوحدة من جديد، ولتوضيح ما سبق نستطيع أن نستعيض بملاحظة الفيلسوفة حنا أرندت حول مفهوم الوحدة والعزلة في أن “التفكير، من منظور وجودي، هو عمل مُنعزل غير أنه ليس وحيدًا؛ إذ العزلة هي ذاك الوضع الإنساني الذي أبقي فيه نفسي لرفقتي. أما الوحدة فإنها تأتي حين أكون وحدي ولكن بلا أي رفقة”. أي إن (الوحدة) هي رغبة في (الرفقة) دون العثور عليها. إن أرندت لم تتطلع أبداً إلى الصحبة أو إلى طلب المودة لأنها لم تكن يوماً وحيدة كلّ الوحدة. إن دخيلة نفسها كانت لها صديقة، ومعها كانت أرندت تستطيع أن تخوض في محادثة؛ هي ذلك الصوت الصامت الذي كان قد طرح السؤال السقراطيّ الحيويّ: “ما الذي تعنيه حين تقول…؟” النفس؛ تقول أرندت عن النفس “هي الوحيدة التي لا يمكنك إطلاقًا أن تبتعد عنها، إلا في حال توقفك عن التفكير”.

وعوداً على الرواية، فإن البطل/الذات يحاول دوماً التغلب على وحدته من خلال فضاءات للتأمّل المُنعزل والعيش على ما تجود به الذاكرة ليستطيع أن يتحمل السجن والظلام الذين يعيش فيهما: “… ولربما كان للظلام الفضل الكبير في صمودي كل هذه الفترة، في ظلّ هذه الظروف القاسية! فالظلام يغمرني لساعات طويلة من اليوم، يعقبه أوقات ضئيلة من الضوء. هذا التعاقب الرتيب غدا رياضة لذهني، ورياضة لخيالي الذي يحاول الانطلاق بكل جموحه، ليعوض عن افتقار العقل والحواس الى الدافع الاجتماعي، والمعايشة اليومية للناس والأحداث”. وهكذا ما إن يفقد البطل/الذات ظلامه حتى يفقد معه عزلته وحريته ويعود وحيداً في زنزانته المفترضة: “… الضوء وضعني أمام الحقيقة المرّة، التي لطالما حاولت جاهداً أن اتحاشاها، أو بمعنى أدق: اتحاشى التفكير بها. وهي أنني محجوز في زنزانة ما، في مكان وزمان مجهولين”. ولا يعود بمقدرته حينذاك تحمل الزنزانة والوحدة وصراع الذاكرة، فعمل بشكل ما على الهرب مما وجد نفسه فيه، لتنتهي الرواية بمشهد دراميّ ومحتشد ومثير.

بين بابين، عمل غني وذكي جداً، إذ يعالج موضوعة الهوية والبحث عن الذات بشكل مبتكر وغير مسبوق.

كاتب وطبيب عراقي  |  خاص مجلة قلم رصاص الثقافية 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *