الرئيسية » رصاص حي » قلادة السُّخام
اللوحة للسوري عمران يونس

قلادة السُّخام

حسان الجودي  | 

تداعى إلى جميع سكّان المدينة، خبر احتراق حيِّ الآباء والأمهات بأكمله. وتمت الإشارة في تضاعيف الخبر، إلى احتراق مصنع حبوب منع الحمل الضخم في الضاحية، وانتقال النيران الهائلة إلى حي الآباء والأمهات، فصار أثراً بعد عين.

أسرعتُ أهاتف زوجتي وطلبت منها إحضار الأولاد بسرعةٍ من المدرسة، ثم التقيت بهم في طريقي إلى حيي العائلي. كان الخراب مخيفاً وكان السُّخام الأسود جاثماً في الهواء كأنه منذ الأزل. استطعتُ تمييز بيتي القديم بعد بحث قصير. طلبتُ من زوجتي أن تذهب للبحث عن بيت عائلتها، وحاولت طمأنتها إلا أن الكارثة كانت جليَّة، لم ينج شخص واحد من الحريق. دخلتُ إلى منزل والديّ المحترق. كان الأثاث متفحماً وقد التوت هياكل النوافذ والأبواب بشكل مرعب.

كان من العبث البحث عن جثة والديَّ في هذا الدمار. إلا أنني وصلتُ إلى بقايا غرفة نومهما، فوجدت صندوقاً أسود قرب الحائط. لقد سلم الصندوق بأعجوبة من وحش النار الجائع. رفعتُ غطاءه بسهولة مريبة، فوجدت كتاباً ضخماً وتحته يشعُّ الذهب البراق. لقد كانت مجموعة قلادات ذهبية وقد نقش عليها نفس النقش الموجود على الكتاب الضخم. كانت أربع قلادات جميلة. ترحمت على والديّ، وقد تركا لي هذا الإرث المجيد. حملتُ الكتاب المقدس بحرصٍ، وخرجت أحمل القلادات المقدسة.

ناديت أولادي ووضعتُ حول أعناقهم الطرية تلك القلادات الثقيلة. ثم ذهبنا معاً للبحث عن زوجتي. فرأيتُ أنّ جيراني يحملون نفس الكتاب ونفس القلادات، إلا أنهم وضعوا على رؤوسهم قبعات جديدة. ورأيت جيراناً آخرين، وقد حملوا كتاباً مختلفاً وقلادات مختلفة. ورأيت جيراناً آخرين مختلفين عنهم بلون القبعة، وجيراناً آخرين مختلفين بطول البنطال، وآخرين مختلفين بلون الثوب. أما زوجتي ،والحمد لإله الحريق، فقد وجدت كتاباً يشبه كتابي وقلادة تشبه قلادتي. ثم سمعنا جميعاً أصواتاً غريبة في الهواء المشبع بالسُّخام. لقد كانت دعوة صريحة لا يمكن تجاهلها. انطلقنا جماعات وزرافات نحو مصدر الأصوات. وجدت نفسي وعائلتي، ضمن جماعة تشبهنا تماماً ترتدي نفس القلادات ونفس الثياب، فاتجهنا إلى بناء مزدحم جداً.

ولاحظت انفصال جماعة كبيرة تحمل قلادات مختلفة جداً عن قلاداتنا واتجاهها نحو بناء مختلف أقل ازدحاماً. كان كل شيء يسير وفق خطة محكمة كما قال قائد جماعتي. لكن الفتى المراهق ابن أخي، صاح فجأة: لا أريد الذهاب معكم! أريد الذهاب مع تلك الجماعة الأخرى. تطلعنا بفضول إليها، كانت جماعة صغيرة لطيفة لا تحمل كتباً أو قلادات، ويبدو أنها كانت تسلك اتجاهً مغايراً للجميع. انتفخت أوداجي وأوداج أخي وعائلتي وجماعتي غضباً وتفجرت عروق الدم في رؤوس البعض. حملوا السكاكين والهروات وانطلقوا يركضون وراء ابن أخي . أما أنا فلم أستطع القيام بحركة واحدة ! لقد بلعت أطناناً من السُّخام خلال ساعة واحدة. أمسكت حجراً ضخماً ورحت أرمي به تلك الجماعة المارقة. ثم سأكتشف أنني غبت عن الوعي بعد أن أصابني ارتفاع ضغط هائل. وأنني نقلت إلى المشفى في سيارة إسعاف الجماعة، وأنني قبيل الموت بقليل سأرى قلادتي الذهبية بلونها الحقيقي وهو لون السّخام الذي كان في المنزل المحترق.

شاعر سوري  |  خاص مجلة قلم رصاص الثقافية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *