الرئيسية » قلم رصاص » د. وائل سعيد : الدولة قللت من شأن المعلم المختص بالفلسفة وعلم الاجتماع

د. وائل سعيد : الدولة قللت من شأن المعلم المختص بالفلسفة وعلم الاجتماع

حوار  :  إبراهيم الزيدي  |

كما في الصورة تماماً. كلما ألتقينا أنا والدكتور وائل سعيد، أجدني متحفزاً، وكأني أهمّ بمغادرته، مخلفاً ورائي القليل من خلافاتنا، والكثير من مودتنا. كثيرة هي الطرق التي نسلكها للتعبير عن المودة، أمّا التباين في وجهات النظر، فليس له سوى طريق الحوار. وقد أحببت أن أخص ملحق(حوارات) في مجلة قلم رصاص الثقافية، بهذا الحوار مع الدكتور وائل علي سعيد، ليس انطلاقاً من اختصاصه بالفلسفة الحديثة، بل من خلال معرفته بالجامعات السورية (الخاصة والعامة) وما آلت إليه أوضاعهما.

ما جدوى دراسة الفلسفة؛ وعلم الاجتماع؛ وقد اقتصر العمل بهما على إطار التعليم؟

دائرة التعليم على أهميتها على المستوى الفردي، غير نافعة بالنسبة للصالح العام، لأن الحل التربوي حل إصلاحي محدود الأفق. لذا تكمن الحالة المثلى في تحول الفلسفة، وعلم الاجتماع إلى حالة على مستوى المجتمع، أي أن تتخذ القرارات الحكومية بالاستناد إلى دراسات المفكرين في الفلسفة وعلم الاجتماع. أيضاً أن تستمد نقاشات الناس وحواراتهم حول القضايا التي تخص الصالح العام، من قراءاتهم الفلسفية والاجتماعية. هنا نلاحظ أنه لا بد من المرور بمرحلة تعلم الفلسفة وعلم الاجتماع بصورة إجبارية، للوصول إلى تلك الحالة المنشودة. 

ولا يجب ان يغيب عن بالنا لحظة أن الفلسفة على اختلاف مشاربها ومدارسها، ما تزال الأقدر على دراسة مضمون القضايا والمسائل، على نحو أعمق وأكثر اتساعاً. كما أن علم الاجتماع بأساس نشأته، ظهر وتطور لدراسة ومعالجة المشاكل الناتجة عن عملية تغيّر المجتمع.

آلاف الطلبة في سوريا انحازوا لاختصاص الفلسفة في الجامعة عبر العقود الماضية، ولم نرَ لهم أثراً تنويرياً في الحياة العامة، كيف تفسر ذلك؟

يعود ذلك بتقديري لسببين: ذاتي وموضوعي. يتمثل الشق الذاتي بضعف التأهيل، الذي قد يعود لضعف الجامعة. والأسباب سنأتي عليها في حينه، بالإضافة إلى عدم اهتمام الطالب باختصاصه، أو عدم إدراكه لأهميته، حيث أنه يسعى بالدرجة الأولى إلى نيل شهادة، لكي يحصل بموجبها على عمل. أما الشق الموضوعي؛ فيتمثل برفض الناس العامَة للفلسفة، لأسباب تعود بمجملها لعدم فهمهم لها. فينظرون إليها أحياناً بوصفها ثرثرة لا طائل منها!! وأحياناً أخرى يُنظر إليها على أنها تقود إلى الإلحاد. وخاصة المدارس المادية من الفلسفة، ويمكن لنا أن نستذكر محنة ابن رشد، وغيره من الفلاسفة. وعلى هذا الأساس تبدو لنا بشكل واضح العلاقة بين الوجود الاجتماعي، والوعي الاجتماعي؛ المرتبط به. طبعا هذا لا يعني أن الجمهور العريض من الناس لا يمتلك فلسفته الخاصة نسبيا، والتي تكون بمجملها على صورة أفكار عامة، شاملة؛ يستخدمونها في تفسير الظواهر، والقضايا التي تعترض سبيلهم.

ما زالت بعض الكليات، الطب؛ والصيدلة؛ والهندسة؛ تستأثر باهتمام الطلبة، ما هو رأيك بهذه الظاهرة وماهي أسبابها؟

مع بداية العصر الحديث، ظهر العلم بوصفه نوعاً جديداً من أنواع المعرفة الإنسانية، مختلف عن الفلسفة؛ والفن؛ والدين؛ وبسببه تم إحراز تقدم كبير في حياة الإنسان وحضارته، وخاصة الجانب التقني منه. مما أدى إلى أن يرتبط العلم التقني في أذهان الناس بالمنفعة، والراحة؛ والرفاهية؛ والربح الوفير. على العكس من الفلسفة أو الكليّات النظرية عموماً.  

وهنا تأتي الدولة في مجتمعاتنا لتكمل الصورة، عندما قللت من شأن المربي أو المعلم المختص بالفلسفة وعلم الاجتماع، من خلال الرواتب القليلة، التي تقدم لهم، بالإضافة إلى قلة ما توفره لهم من احترام وتقدير، على العكس مما تفعل الكثير من المجتمعات الأخرى. لذلك نحن نطالب أن تحصل الفلسفة وعلم الاجتماع على حقوقهم في مراكز صنع القرار في سوريا وغيرها من الدول العربية. مثلاً استخدام كلا الفرعين الدراسيين في مواقع تحليل المعلومات الاستخباراتية، واعتماد الدراسات التي يتم تقديمها من قبل المختصين بعلم الاجتماع كأسس لوضع القرارات اللازمة للتنمية الاجتماعية، وأن تكون الدراسات الفلسفية مرجعاً في سياسات الدولة العامة، فعلى سبيل المثال كل المجتمعات لها فلسفتها التربوية الخاصة بها.

كأستاذ جامعي كيف تقيم الجامعات السورية (الخاصة والعامة)، وهل ما زالت الجامعة أهم مولدات المعرفة؟

تعد الجامعة مؤسسة اجتماعية، ولذلك، لا يمكن دراسة نقاط قوتها وضعفها إلا بعد وضعها في سياقها الاجتماعي. ترزح الجامعات السورية (العامة) تحت ضغط كبير في الفترة الحالية، فبعضها توقف عن العمل، وبعضها الآخر يتحمل أعداد من الطلبة تفوق طاقتها الاستيعابية. فإذا نظرنا إلى وظائف الجامعة: وجدنا أنها تقوم بعدة وظائف وهي:

البحث العلمي: إيجاد الحلول العلمية للمشاكل التي تعترض مسار المجتمع وفق منهج علمي تجريبي محدد، يرفض التسليم بالغيبيات، ويسعى لربط الأسباب بالنتائج.

إعداد الكوادر البشرية (القوى العاملة): من حيث الخصائص والسمات التي يجب أن يتمتع بها الخريج الجامعي. من مثل العقلية العلمية النقدية المتسائلة المبدعة.

خدمة المجتمع: وهي متعددة الجوانب، قد تكون المهمة الديمقراطية أهم تلك الجوانب.

والسؤال الأكثر حضوراً: هل تعد هذه الوظائف في صالح المجتمع بكامله، أم لصالح طبقة من طبقاته، دون سواها؟ إن الإجابة على هذا السؤال ذات أهمية بالغة، فمن خلالها يمكننا معرفة سبب فشل الجامعة في سوريا كما سيبدو لاحقا. وسواء أكانت في مصلحة المجتمع، أم في صالح طبقة دون أخرى، لا بد من تحديد القائد والتابع بينهما، أي هل تقود الجامعة المجتمع \ الطبقة؟ أم أن المجتمع \الطبقة، هو من يقود الجامعة؟  يمكن لنا أن نتصور العلاقة السابقة فنقول: تقود الجامعة المجتمع عندما:

يلتزم المجتمع بالحلول التي تقدمها له الجامعة.

تكون الثقافة الجامعية العلمية رافداً أساسياً لثقافة المجتمع.

 لكن عندما لا يكون الحال على هذا النحو، يكون المجتمع هو من يتحكم بالجامعة ويقودها نلاحظ ذلك:

عندما يرفض المجتمع تطبيق الحلول التي تقترحها الجامعة على المشكلات.

عندما تكون الثقافة الما قبل جامعية (ما قبل علمية) هي المنتشرة في المجتمع، بل وفي الأوساط الجامعية.

عندما تكون العلاقات الإنسانية بين الطلاب محكومة بالأفكار الما قبل جامعية، أي أن تتكون الجماعات في الجامعة على أساس علاقات الناس بعضهم ببعض نتيجة صلة القرابة، أو الطائفة أو القبيلة؛ بعيداً عن علاقات التعاقد الخاضعة للعقل. 

كيف ترى العلاقة بين سوق العمل والجامعة؟

يمثل العلم قوة إنتاجية حقيقية، وهذا ما يجد تعبيره الأفضل في عبارة إنجلز: إن البيئة الاقتصادية الصناعية، توفر ما لا تستطيع غيرها أن توفره لنمو الجامعة وتطورها. إذن التفاعل بين سوق العمل والجامعة، يضع الجامعة أمام مهمات ومشكلات؛ يجعلها تسعى للبحث عن حلولها، كما يوفر لها المقدرات المالية اللازمة لبناء المخابر ومراكز البحث العلمي. هذه العلاقة بين سوق العمل والجامعة غير متوفرة في بلدنا بشكلها الأمثل. وهذا ما يجعل من الجامعة السورية جامعة نخبوية؛ أي تتحرك وفق حاجات الشرائح الاجتماعية المتعلمة، وليس وفقا لحاجات المجتمع. فضلاً عن غموض مصير الطلاب من الناحية المهنية، بعد تخرجهم. وعدم توفير الشرط المالي اللازم لتفرغ الطالب للدراسة بشكل كامل. وإذا كان الحال على هذه الشاكلة، كيف يمكن للجامعة أن تقوم بوظائفها السابقة الذكر بشكل جيد؟ كيف يمكن للبحث العلمي أن يتقدم ويتطور، إذا لم تطرح عليها مشكلات اقتصادية \صناعية للبحث عن حل لها؟ وهذا بدوره ينعكس سلباً على تطور البحث في العلوم الاجتماعية، لأن أحوال المجتمع؛ ستبقى على حالها دون تغير من جهة، ومن جهة أخرى، لا يتوفر المورد المالي للجامعة حتى تقوم بأبحاثها. باختصار كل المجتمع بكل مؤسساته، يدخل في حالة من الركود.

 فما الثقافة الجامعية وما هي مكوناتها؟

توجد طريقتان لتحديد الثقافة، وهما: الطريقة الوصفية؛ والطريقة المعيارية. ففي الطريقة الوصفية نجد أن كل ما تتكون الجامعة منه، مادياً ومعنوياً؛ يصلح ليكون من مكونات الثقافة؛ أي البناء والمخابر والكتب ونماذج السلوك وطرق ومناهج البحث والتفكير. وفي هذه الطريقة لا نجد تفاضل بين الثقافة الجامعية وغيرها من الثقافات الفرعية، المكونة للثقافة العامة للمجتمع. بينما في الطريقة المعيارية نجد أن تفاضلا لصالح الثقافة الجامعية، على حساب الثقافات الفرعية الأخرى، المساهمة في تكوين ثقافة المجتمع. حيث تتمايز عنها تبعاً لمعيار العلم والتقدم، بمناهج البحث العلمي، التي تبحث عن أسباب الظواهر، بعقل نقدي مبدع. فضلا عن القيم الأخلاقية التي تضبط النماذج السلوكية بين الأستاذ والتلميذ، على سبيل المثال لا الحصر.

فهل ما تقدمه الجامعة للثقافة العربية أفضل حالاً مما تقدمه المؤسسات والمكونات الأخرى للمجتمع؟ إن المتابع الحصيف لحال الفكر الجامعي، يجد أنه يتصف بالإصلاحية والقصور. فلا جديد في الأبحاث الجامعية، ولا إبداع. فالفكر الجامعي العربي ما يزال يبحث في إشكالية النهضة حتى الآن!! فضلا عن إشكاليات العلمانية، والديمقراطية؛ والمواطنة؛ فتأتي الأبحاث لتحاول إصلاح الأمور وليس للثورة عليها.

ونجد الحال نفسها أيضا على مستوى إعداد الكوادر البشرية، إذ طالما لا يوجد أعمال استثنائية في الحياة الاقتصادية- الاجتماعية، فإن هذا يعني أن أي شخص ذو إمكانات أو مؤهلات عادية يستطيع القيام بتلك الأعمال، فلا داعي للتأهيل ذو النوعية العالية المستوى، أو الفائقة الجودة. خاصة إذا عرفنا ما الذي يجعل الجامعة السورية غير ناجحة في إعداد  الكادر البشري؟

تغليب الكم على النوع، حيث أن السياسة التعليمية التي فتحت أبواب الجامعة لجميع أبناء المجتمع، دون أن توفر الشروط اللازمة لتعليمهم بشكل نوعي متميز. 

كذلك يقوم الكتاب الجامعي بشكله الحالي، بدور سلبي في تكوين الثقافة الجامعية، إذ أنه يمثل جانبا من الحقيقة، لذلك لا بد من تكليف الطلبة بالبحث عن الجانب الآخر من الحقيقة.

اعتماد عملية التدريس على الإلقاء والتلقين، وإغفال الحوار والنقاش مع الطالب.

وتقوم العملية الامتحانية, بقياس مدى ما تم حفظه عند الطالب من المعلومات التي ألقيت على مسامعه، من موقع كونه تابعا ومنفعلا في العملية التعليمية، وليس فاعلا.

كل هذا يؤدي إلى ضعف جودة مخرجات العملية التعليمية، ونقصد بها الطالب والباحث على حد سواء. إذ أن الصفات المتوخاة، وهي العقلية العلمية النقدية المتسائلة والمبدعة، لا نجد أنها محققة كما يجب أن يكون. فكيف يمكن استخدام تلك المخرجات للقيام بالعمل اللازم لنهوض المجتمع؟ خاصة إذا عرفنا أن المصير المهني للطالب-أساساً-غير واضح لضعف سوق العمل.

أما بالنسبة للوظيفة الثالثة للجامعة؛ أي خدمة المجتمع، فالأمر مشابه لما حدث مع الوظيفتين السابقتين، فإذا أخذنا مثلا المهمة الديمقراطية:

تعد الجامعة من كبريات مؤسسات المجتمع المدني، التي تناط بها المهمة الديمقراطية، حيث تقوم بهذه المهمة على مستويين: الأول: المستوى التعبوي عندما تقوم الجامعة بتحريض الناس على ممارسة الديمقراطية فكراً وسلوكاً في المجتمع، والمستوى الثاني: هو المستوى التربوي الذي يتحقق من خلال الممارسة الديمقراطية والتدريب العملي على الأسس الديمقراطية في الحياة الداخلية لمؤسسات المجتمع المدني، وذلك من خلال المشاركة التطوعية في العمل العام، وممارسة نشاط جماعي في اطار حقوق وواجبات محددة للعضوية، والتعبير عن الرأي والاستماع إلى الرأي الآخر, والمشاركة في اتخاذ القرار، والمشاركة في الانتخابات لاختيار قيادات المؤسسة أو الجمعية, وقبول نتائج الانتخابات سواء كانت موافقة لرأي العضو أم لا، والمشاركة في تحديد أهداف النشاط وأولوياته، والرقابة على الأداء وتقييمه. فتقوم الجامعة بإشاعة ثقافة مدنية ديمقراطية ترسي في المجتمع قيم النزوع إلى العمل الطوعي والعمل الجماعي، وقبول الاختلاف والتنوع بين الذات والآخر، وإدارة الخلاف بوسائل سلمية في ضوء قيم الاحترام والتسامح والتعاون والتنافس والصراع السلمي، مع الالتزام بالمحاسبة العامة والشفافية. وبالنظر إلى حال الجامعة السورية في ضوء ما سبق، نجد أنها محققة بالحد الأدنى، إذ أن المجتمع السوري، مجتمع تراتبي هرمي، مما يجعل العلاقة الديمقراطية بين الأستاذ والطالب على أساس المساواة، مسألة صعبة من جهة، ومن جهة ثانية يشكل اتحاد الطلبة خطوة ديمقراطية في الاتجاه الصحيح لكن الممارسات، تنبئ بوجود تشوه لهذه الخطوة، وهو تشوه بيروقراطي. إذن المجتمع \ الطبقة يقود الجامعة، وليست الجامعة من يقود المجتمع. ما السبب: هل تتحمل الجامعة مسؤولية هذا الوضع لوحدها؟ لا نرى أن الجامعة تتحمل مسؤولية فشلها بالكامل، بل نعتقد أن فشل الجامعة يعود في جزء كبير منه إلى فشل الحامل الاجتماعي للجامعة, سيما وأن المجتمع السوري تحطم بصورة مأساوية، فلم يعد الحديث عن حامل طبقي أمر وارد أو ذو جدوى. 

أما بالنسبة إلى الجامعات السورية الخاصة، فيبدو أنها تكرس التقسيم الطبقي، من خلال حصر أبناء الطبقة العليا في مكان واحد، وجعل أبناء الطبقات الأخرى في مكان ثان، كذلك تقوم بحصر اهتمام أبناء الطبقة العليا بالعلوم الطبية والتقنية، على حساب العلوم النظرية والأدبية غالباً، وهذا يرجعنا إلى وظائف الجامعة من حيث هي: تعليم المعارف والعلوم، ونقل القيم الحضارية، والتكامل الاجتماعي، وتوزيع المهن، حيث نجد أن وظيفة التكامل الاجتماعي  بين أفراد المجتمع الواحد من حيث الانتماء، أمر غير محقق، لأنهم بكل بساطة منفصلين في مكانين مختلفين، طبعا بعد هذا لا يعود للحديث معنى عن صياغة الهوية الوطنية بما يضمن الاستقرار السياسي والولاء للوطن.

هل استطاع العرب -في العصر الحديث-إنتاج فكر وفلسفة تؤهلهم لمواكبة العصر على مستوي العلوم النظرية؟

جاء مشروع النهضة العربية، نتيجة للصدمة التي أحدثتها محاولة فرنسا لاحتلال مصر، بقيادة نابليون بونابرت، فقام الحكام العرب بإرسال البعثات العلمية إلى الدول الأوربية، وعاد هؤلاء بفكر تنويري، للنهوض بحال الأمة العربية، وقام هؤلاء المفكرون بجهد استثنائي، مثل رفاعة الطهطاوي وقاسم أمين وعبد الرحمن الكواكبي وفرح أنطون، وغيرهم. هذا يعني أن العرب امتلكوا الشرط الذاتي بحده الأدنى اللازم لعملية النهوض، لكن يجب الانتباه هنا إلى أن  ذلك لم يكن ليكون، لولا الحامل الاجتماعي الذي كان يدفع بهذا الاتجاه، أما من حيث الشرط الموضوعي فكان الحال معاكساً تماماً، إذ لم تسمح الدول الأوربية لهذا المشروع بالاكتمال، خاصة عندما بدأت ثمار هذه التجارب تؤتي أكلها, من حيث التحول إلى صيغة مؤسساتية في جمعيات ومؤسسات مدنية، فقام الغرب بإجهاضها، من خلال الانتداب الغربي على بلدان هذه المنطقة, وقبل ذلك من خلال إجهاض مشروع محمد علي باشا في مصر، بعد أن اصبح جيشه على أسوار الأستانة، أي لم يسمح الغرب للمجتمع العربي، بامتلاك مشروع فكري نهضوي. 

وتم لهم ذلك من خلال تدمير الحامل الاجتماعي لهذا الفكر. حالة الصدمة التي أتينا على ذكرها أعلاه، دفعت عملية التفكير بالنهوض باتجاهين متناقضين، الأول يرى أن نهوض العرب في العصر الحديث لن يكون إلا بما نهضوا به سابقا؛ أي بالصحوة الدينية، والتي ما تزال أصداؤها تتردد حتى الآن، من خلال حركات الإسلام السياسي. أما الاتجاه الثاني فكان باتجاه الغرب، ومفاده أن: لا نهوض للعرب إلا بما نهض به الغرب. أي بالعلم الحديث وهذا ما فعله محمد علي باشا عندما أرسل البعثات العلمية إلى فرنسا. وما يزال الفكر العربي حتى الساعة منقسماً بين هذين الاتجاهين، ولم يتمكن أحد الاتجاهين من التغلب على الأخر، بسبب التساوي في قوة الحامل الاجتماعي لكل منهما.

إننا نحتاج اليوم إلى حل إبداعي يجمع بين الطرفين. أي بين الفكر العلمي الحديث بالإضافة إلى مكتسبات الفلسفة الحديثة، خاصة اليسارية. مع خصوصية الثقافة  العربية. وهذا يتعذر تحقيقه وحال المجتمع العربي على ما هو عليه. فهذه الحالة ليست في مجملها، سوى حالة الحطام التي يتحدث عنها الدكتور طيب تيزيني. والتي ليست إلا نتيجة لانحلال الطبقة الحاملة للنظم العربية.

كيف يأخذ علم السياسة مكانته في الفلسفة نظريا، وفي المناهج المدرسية؛ إن لم يكن له أساساً واقعياً؟

يأخذ علم السياسة مكانته التأسيسية في الفلسفة من توصيف أرسطو الذي يعتبره سقف المعبد وباقي العلوم أعمدته, أي أنه السقف الذي يظلل جميع المشتركين في المكان، أي في الجغرافيا أو الإقليم، بلغة التوصيف القانوني لأركان الدولة، فيكون السقف هو النظام السياسي الذي يخضع له الجميع، بالتساوي، ويكون اختراقه بمثابة انتهاك لهذا الانتماء. إذن السياسة هي النسق المعرفي الذي يدرس أركان هذا المعبد (الدولة) ويحلل علاقات القوة بين الأطراف المتصارعة تحت هذا السقف.

وتأخذ السياسة دورها في المدارس من خلال مادة التربية القومية أو المادة القومية العامة، وفي الجامعة نجد مادة التربية المدنية في كلية التربية مثلا، أو نجدها تحت مسميات مختلفة باختلاف الكليات التي تحاول أن تقدم إضاءات على المفاهيم الأساسية للسياسة مثل الديمقراطية، والمواطنة، ونظام الحكم، والقانون الدستوري، والمجتمع السياسي، والنظام الانتخابي، وحقوق الإنسان، ومفاهيم أخرى كثيرة. طبعا سوف تختلف دلالات هذه المفاهيم باختلاف المرجعية الفلسفية التي يتم الانطلاق منها، لكن هذا يعني لدى بعض المفكرين أن السياسة ما تزال فرعا من فروع الفلسفة، وليست علماً مستقلاً بذاتها. في الواقع استقلت السياسة عن الفلسفة أسوة بباقي الفروع التي استقلت عنها، مثل علم الاجتماع؛ وعلم النفس. بكلام أوضح يمكَن ضبط السلوك السياسي من خلال إطلاق مصطلح علم على دراسة السياسة، بالمعنى الاصطلاحي للعلم. لكن بعيداً عن هذه الإشكالات المنهجية، تعد هذه المفاهيم أموراً أساسية لا بد لكل مواطن من دراستها والاطلاع عليها بالحد الأدنى حتى يعرف حقوقه وواجباته السياسية.

إلى أي حد يحتاج الإنسان إلى بيئة حاضنة ليستطيع أن يكون حراً، وهل تتعارض حرية الإنسان مع مسؤوليته؟

أفهم من سؤالك، السؤال التالي: هل يستطيع الإنسان الفرد أن يكون حراً، في مجتمع مستبد؟ طبعا لا، إلا إذا فهم من الحرية، الحرية الداخلية فقط، التي يعيشها المتصوف، كما فعل آباء الكنيسة المسيحية، وهم في أصفاد العبودية الرومانية. لكن للمسألة جانب آخر حيث نجد أن الحرية الاجتماعية حامل للحرية الفردية، وأن أي عملية فصل بينهما ستنتهي بأشكال مشوهة، أي حرية فردية عدمية. فالإنسان بالتعريف هو حرية، إنها حرية أن يصير ما يريد, أي أنه حر على مستوى الإمكان، لكن عند الانتقال إلى مستوى الفعل عندها تبدأ المسؤولية. لأنك عندها ستختار أن تنقل احدى الإمكانات إلى التحقق، ولهذا الأمر تبعات وعواقب, إذن تبدء عندها المسؤولية، ولا توجد المسؤولية قبل الانتقال إلى مستوى الفعل. لكن هنا تكون علاقة البيئة الحاضنة للحرية الشخصية علاقة ثانوية؛ أي: إما أن تساعد؛ أو أن تعيق اختياري لهذه الإمكانية، أو تلك. لكن إذا تناولنا تعريف آخر للإنسان يقول: إنه مجموع علاقاته الاجتماعية. عندها تكون العلاقات الاجتماعية في صميم ماهية الإنسان، وليست ملحقة به. فيكون الإنسان حراً، طالما كان المجتمع حراً. ومسؤولاً، أي مستعداً وجاهزاً للاستجابة لحاجات الآخر، ومتطلباته. بقدر ما يكون المجتمع مسؤولاً. وإذا كانت الحال على ما قلناه كيف يكون الإنسان السوري حراً ومسؤولا في هذا الظرف السياسي الاجتماعي الاستثنائي؟ إن من يقرأ الشرح السابق يميل للإجابة بشكل سلبي على هذا السؤال، لأن الفرد أصبح تابعا، كما يبدو، للمجتمع، ولا قرار له حول هذه القضية، لكن المسألة ليست كذلك أبدا فالجمع (الإنسان مجموع علاقاته الاجتماعية) هنا في التعريف السابق ليس جمعا حسابيا، بحيث يكون التساوي تاما بين الفرد وعلاقاته الاجتماعية، بل جمعا هندسيا، أي أن الإنسان يصير (أكبر ويساوي) مجموع علاقاته الاجتماعية، بالتالي يحتفظ الفرد بحرية اتخاذ القرار الذي يشاء في مواجهة الظروف الاجتماعية التي تواجهه.

أيضاً من الانحرافات التي قد يتعرض لها التعريف السابق، يقول إن الإنسان الفرد الذي تنحصر علاقاته الاجتماعية بأفراد طائفته، فقط، يصبح مسؤولا عن أفراد طائفته فقط، وعليه واجبات اتجاههم دون سواهم من أبناء الطوائف الأخرى، نجيب على هذا بالقول إن المقصود بالعلاقات الاجتماعية ليست علاقات الجيرة والقرابة فقط بل علاقات العمل الاجتماعية بالدرجة الأولى، بالإضافة إلى العلاقات السابقة، وبذلك يكون الإنسان مسؤولاً عن جميع المشتركين معه بالانتماء.

احتل التناقض بين الفلسفة والدين مساحة كبيرة من الجدل، ولم يحسم لصالح أي منهما، مما يقودنا إلى التساؤل عن جدوى ذلك الجدل؟

العلاقة الجدلية قائمة بين الفلسفة والدين, ولا يمكن حلها طالما بقي الدين وبقيت الفلسفة. وقد أخذت هذه العلاقة عدة أشكال: شكل جمع توفيقي: حيث لا يستطيع أن يزعم أحد أن طرفاً منهما لم يأخذ من الآخر، فجميع مدارس التصوف الدينية فيها الكثير من مبادئ الفلسفة. رغم هذا بقي التناقض بينهما قائماً!! فالفكر الفلسفي المادي، نبذ الفكر الديني نبذاً تاماً، كما قام الفكر الديني بمحاربة الفلسفة المادية أو المثالية الملحدة. نأتي الآن إلى التساؤل عن الجدوى من هذا التناقض، حيث نلاحظ أنه ليس سؤلاً صائباً، فالعلاقة بين الطرفين محكومة بالوجود الاجتماعي وليس بطبيعتهما، من حيث هما كذلك، فإذا كان الوجود الاجتماعي يفرض العداء بين الطرفين بمعنى أن توجد مصلحة اجتماعية في تجاوز الفكر الديني عند فئة ما لصالح الفلسفة، فستتم ترجمة ذلك عبر الصراع الفكري, أما اذا كانت المصلحة الاجتماعية مع الفكر الديني فسيتم التأكيد عليه ضد الفكر الفلسفي. أو قد يكون المصلحة الاجتماعية في الجمع بين الطرفين.

كاتب وشاعر سوري  | خاص مجلة قلم رصاص الثقافية 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by arabiceuro.com