الرئيسية » رصاص خشن » في انتظار  أن يأكلنا “الزومبي”
لوحة للفنان يوسف عبدلكي

في انتظار  أن يأكلنا “الزومبي”

زياد حسون  |

لا شيء مهمّاً هنا، لا ” أكشن ” على الإطلاق.

في هذا البحر ليس هناك أسماك قرش، فلا خطر أن تهاجمك إحداها وتلتهم ساقك مثلاً، لتقضي بقية حياتك على عكازين أو بطرف اصطناعي جميل، ناعم الملمس، مثيراً إعجاب الجميع بقدرتك الهائلة على التأقلم مع إعاقتك الجديدة. هنا قد يصطدم بوجهك قنديل بحر مسالم ليمنحه حساسية و حروقاً و طفحاً كالذي على مؤخرة الشمبانزي.

ليس لدينا دببةٌ بنيّة، لذا لن تلتقي أحدها هنا، ولن تخوض معه عراكاً أسطوريّاً تنجو منه بأعجوبة، و لا آثار لمخالبه من كتفك حتى أسفل ظهرك تتفاخر بها أثناء شرحك للجميع معتَقد الهنود الحمر عن هذه الحالة: (( إذا عاركتَ دبّاً بنيّاً اتّحدَ مصيركما، ولن ينفصلا ما لم تلتقيا مجدّداً و يقتل أحدكما الآخر )).

ما من أفعى كبيرة كفاية لتعصرك أثناء أخذك لقيلولة تحت شجرة البلوط، و تبدأ بابتلاعك ببطء بينما لم تلفظ آخر أنفاسك بعد. يمكنك هنا أن تقلق من إزعاج البرغش أثناء القيلولة.

ليس هناك ناطحة سحاب واحدة تغريك بالصعود إلى سطحها، وتقفز مجرّباً مظلتك الجديدة الوحيدة فلا تفتح إلا متأخرة جدّاً لتهبط على سيارة مركونة، وتُلحِقَ بها من الأضرار كما ألحقَتْ بك تقريباً، و تعلق بعدها بين عظامك المتكسرة وفواتير التأمين والدعاوي القضائية..هنا يمكنك أن تعلَق في الديسة فقط، و هو  واللّهِ أمرٌ  لا ينطوي على أيّة إثارة.

القطارات هنا إن وجدت فهي بطيئة جدّاً، لا تحلم أن يصدمك أي قطار، و إن كان لديك ميول انتحاريّة، فاِحذف مباشرةً خيار أن ترمي نفسك أمام قطار من قائمة خياراتك. أؤكّد لكَ أنّ بإمكانه التوقّف بسهولة قبل الوصول إليك، وأنّ السائق و معظم الركاب سيهرعوا ليطمئنوا عنك، ويستجوبوكَ بأسئلةً من قبيل: لماذا حاولت فعل ذلك؟. ما هي مشكلتك؟. ومن وين أنت يا عمّو؟. وسيخبروك أنّك ما زلت شابّاً وأنّ الحياة ما زالت أمامك. ولن يعودوا إلى أماكنهم قبل أن يتأكّدوا أنك لست بحاجة نقود أو أيّة مساعدة أخرى… ستشعر بالخجل من نفسك صدّقني.

لا تلفريك لينقطع السلك، ولا أفعوانيات ليطقّ البرغي.

حتى الحربُ مرّت قربنا ورمقتنا بنظرة احتقار، والقذائف التي تتساقط حولنا لا أثر للأدرينالين فيها، فاحتمالات إصابتك ضئيلة جدّاً بالنظر لعدد الصواريخ نسبة إلى عدد سكان المدينة الأصليين مضافاً إليهم الوافدين، آخذاً بعين الاعتبار عدد الأشخاص في وحدة المساحة المربعة و القطر التدميري للرأس المتفجر. أنّى لنا الأدرينالين مع هكذا احتمالات؟! أقسمُ أني رأيتُ رجلاً يدخّن الأركيلة بالقرب من الشظايا و الجثث المتفحمة و فرق الإسعاف.

لم يعد هناك نساء من النوع الذي يعصف برأسك تماماً و يجعلك تُهرِق ماء وجهك دون أن تدري، أخبرني متى كانت آخر مرةٍ حاولتَ فيها الغناء تحت شبّاك إحداهنّ، مع إدراكك الكامل أن أضعف الاحتمالات هو أن تظهر لك بوجهها الجميل المبتسم، المأخوذ بعذوبة إحساسك و شناعة صوتك، فيما ترجح الكفة باتجاه أن يسقط على رأسك حذاء عملاق أو كيس قمامةٍ بدين، أو قنبلة يدوية منزوعة الأمان.. أعرف أنك لا تذكر آخر مرة، ربّما في حياة سابقة، فهذا النوع من النساء كان مصيره كمصير طائر الدودو.

حقّاً لا ” أكشن ” هنا أبداً .. حتى أن انتقالنا من موتٍ لآخر بات بخفّة وسرعة بهلوان المشي على الحبال. لا شيء مثير، لا أحداث كبيرة، لا ألعاب ممتعة، لا تواطؤات بريئة، لا مؤامرات صغيرة.

لا أفراح حقيقية، ولا أحزان مؤلمة فعلاً، البكاء في الحالتين رفاهية لم نعد نمتلكها.

لم يبقَ لدى الأصدقاء ما يتحدثون عنه، لا يعجبهم أحد، ولا أحدَ معجبٌ بهم، وهم أنفسهم غير معجبين ببعضهم البعض. والعشّاق ملّوا البحث عن تلك الشرارة المفقودة، و كلٌّ منهم بانتظار الشريك ليخبره أنّه ذاهب بلا عودة، ليكتفي الآخر بجواب مقتضب من قبيل: حسناً، إن كان هذا ما تريده. لا أحلام عظيمة، و لا سعي للهروب حتّى. اللهاث في المكان صفةٌ سائدة.

لا فكرة لدينا أبداً ماذا ننتظر. ربّما أن تجتاحنا قطعان الزومبي و تأكلنا حتى آخر أبلهٍ فينا، أو ربّما نتمكّن نحن من أكلهم، والاحتمال الأرجح أن نجري اختبار ال DNA ونكتشف أخوّة الدم بيننا، فلا يأكل أحدنا الآخر..  اللعنة! حتى إذا جاء الزومبي لن نحظى ببعض ” الأكشن ” ؟؟.

كاتب وقاص سوري | خاص مجلة قلم رصاص الثقافية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by arabiceuro.com