الرئيسية » رصاص خشن » عشق شامي سماوي

عشق شامي سماوي

حسان الجودي  |

لمحها تحاول جاهدة إيجاد التوازن بين المشية الأنثوية الأنيقة وبين حقيبتها القماشية السّماوية الكبيرة. كانت الحقيبة تبدو ثقيلة عليها، فوجدها فرصة سانحة للتحدث مع تلك الصبية الدمشقية المطرزة ببتلات الورد الشامي. حياها بلطف وطلب منها أن تسمح له بمساعدتها في حمل الحقيبة. كان أمراً غريباً أن تقبل. لكنها تطلعت ملياً في عينيه، وابتسمت قليلاً، وناولته الحقيبة. تعثر هو أيضاً في مشيته، فقد خفق قلبه بشدة لهذا التجاوب العاطفي السريع، والذي جعله يحلم بنهاية سعيدة متوقعة . قادته الصبية عبر دروب الشام، حتى وصلا إلى حي الشّعلان. ثم عبرت الحي حتى وصلت إلى بناء مختلف في الطراز عما سواه. فتحت له الصبية باب الحديقة الصغير ، ثم أسرعت تركض إلى المنزل. أصابه الارتباك، نادى الصبية وسألها عن الحقيبة. أجابته بسرعة :

-ضعها فوق العشب ثم افتحها.

فعل ما أشارت به، فبدأت سبعة بساتين بالخروج منها. بستاناً إثر بستان، جنة إثر جنة وعوالم ثمار وأطيار ونزهات شامية لا تنسى. انتشرت البساتين في الأرجاء حتى لم يبق مكان للبستان الأخير. جلس البستان القرفصاء أمامه. وأشار له بالجلوس تحت شجيرة ليمون. تجرأ وسأله:

-من أنت، ولماذا تحملك الصبية في حقيبتها السماوية؟

ضحك البستان ، فانبثق نهر صغير سار بعيداً ثم غاب في دروب الشام.

-عدْ غداً يا صديقي. في الساعة العاشرة صباحاً. سأحرص على ترك الباب مفتوحاً لك.

انصرف وهو يشعر بنشوة حلم جميل، وسراب يتشكل في خيالات فاتنة. ثم عاد في الصباح، خرجت الفتاة وهي ترتدي فستانها السّماوي. كانت جدران البيت مطلية بالسماوي أيضاً. ثم وقفت قرب حقيبتها فتداعت البساتين إليها من جديد. دخلت بستانا إثر بستان، وحلماً إثر حلم. تمهل البستان الأخير قليلاً، وأشار إليه وهو يقف في الجهة الأخرى مراقباً ما يحدث. ابتسمت الصبية له، بل ضحكت تلك الضحكة الفاتنة التي أضاءت حياته للأبد. اقترب منها، وقد تملكه الفضول. سألها شرحاً، انصرفت إلى تزيين شعرها بالورود بينما شرح له البستان الأخير ما لم يفهمه بكلمات بسيطة:

-نحن عائلة بساتين، كنا نقطن حول هذا المنزل. كان ذلك 1932 وكنا نشكل عائلة رائعة مع سكان هذا الحي.إلا أن الإدارة الفرنسية أصدرت قانون تخطيط الأراضي فحكمت علينا بالإعدام. لكن هذه السيدة الطيبة خبأت سبعة بساتين في حقيبتها منذ ذلك العام وحتى اليوم.

ثم سأله ممازحاً:

ـ  هل أنت عاشق؟

اختلطت الأمور في رأسه وقلبه المتوقدين. السيدة تبدو صبية وجميلة في أوائل العشرينات. والبستان يشير إلى أن عمرها يتجاوز الثمانين. ثم اقترب منها بحماس، قدم لها الياسمين ورفع خصلات شعرها عن جبينها. فرأى أنها صبية جميلة فعلاً، صبية في السّماوي الذي يفيض صبا وطيوراً وسماوات لا تحد. ثم أدرك كل شيء في لحظة خاطفة، وأدرك أنه يراها صبية لأنه هو نفسه موغل في الهرم.

توقف كاتب القصة، وضع نقطة معلناً انتهاء قصته. قلت له :

– لا يمكنك فعل هذا، كيف تترك القارىء دون نهاية مقنعة؟

-لا أريد إفساد قصتي ، لقد شغفت فعلاً بتلك الصبية في السّماوي. أرغب أن تبقى حلماً إلى الأبد.

– أنت تتصرف بأنانية إذاً، تورطنا في أحداث وتفاصيل غريبة ، ثم تختار الرحيل.

وضع الكاتب نظارتي الكتابة من جديد وسألني عن نوع النهاية التي أفضلها. ترددت كثيراً قبل أن أجيب، وفكرت أن النهاية السعيدة تعني أن يتزوج بطل القصة من الصبية الدمشقية السماوية. وعرفت أن النهاية الحزينة ربما تكون في سقوط قذيفة تجعل الحقيبة السماوية أثراً بعد عين. فاتخذت موقفي بسرعة وقلت للكاتب:

-لا أريد نهاية لهذه القصة! أريد شخصية إضافية . هيا استحث خيالك، وصف لي شاباً يحمل حقيبة سماوية في شوارع دمشق؟ ابتسم الكاتب بسعادة، قام إلى الردهة ، حمل الحقيبة السَّماوية وخرج إلى شوارع دمشق يبحث عن حبه الأول . هل كانت صبية سماوية أم عسلية أم ترابية ؟ لا فرق مطلقاً، كانت بنكهة الشام، إكسير الجنة المفقودة فحسب.

شاعر وكاتب سوري  |  خاص مجلة قلم رصاص الثقافية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by arabiceuro.com