الرئيسية » إبــداع » كمن يريد أن يعانق دبّاً..

كمن يريد أن يعانق دبّاً..

سارة حبيب  | 

“كم تحبينني”؟!
مراراً كنت تعقّبُ على اعترافي “أحبكَ” بهذا السؤال الكمي الغريب والخارج عن السياق “كم؟”، ومراراً كنت أقف أمامك عاجزة عن القياس..
أحياناً كنت أفتح يدي كمن يريد أن يعانق دباً .. أفتحهما بأوسع ما أستطيع وأقول “بهذا القدر”..
أحياناً كنت أستعير المقدار المجازي الذي اخترعه طفل في رواية، جواباً على سؤال “كم تحب الحلوى؟”.. “بقدر مئة منزل”، أقول مثله..
وأحياناً أخرى كنت أسرق جوابي من أغنية “أحبك بقدر أمل الناس بالغد، و بقدر خوفهم على حياتهم”..
لكني في أكثر الأحيان كنت أهزّ رأسي، وأكتفي بكلمتي الساروية الأكثر تكراراً: “لا أعرف”..
في الواقع لا.. لا أعرف..
ولا أعرف حتى إن كان عدم معرفتي هذا ناتجاً عن عدم معرفة فعلاً أو عن إيمان عتيق بأن الحب لا يقاس، أو لا يجب أن يقاس،  أو ليس مهماً أن يقاس..
ثمة حب و ثمة لا حب، وفقط..
الكمّ يمكن أن يُترك للعنب الذي اشتريناه البارحة،  للطول الذي نختار به فستاناً، أو لعدد القبلات في ليلة واحدة وعدد الطعنات في جثة.. ولكن ليس للحب..كيف نقيسُ الحب؟؟ 
دعني أستسلم لسؤالك و أفكر..
هل في وسعي مثلاً أن أستخدم عدد الأيام كوحدة قياس؟ فأجيب: شهران من شغف مستمر هما أكثر من عشر سنين بدفق خفيف في العاطفة؟
أو أقول إذا أخذتنا شفاه في خمس دقائق أكثر مما تستطيع عشرة أجساد أخذنا.. فهذا حب أكثر؟؟
أو أقيس بهذا المعيار: إذا أحببنا شخصاً بمقدار ما نحتمل حماقاته فهذا حب كثيرٌ و ذو وزن؟
كيف أقيسُ الحب؟ أو كيف لا أقيس؟؟
وكم أحبك؟ دعني أخمن معك..
بمقدار الحروب والقتلى ومجهولي المصير..
بمقدار ما تحملت حضور مباريات رياضية ونشرات أخبار مقيتة لكي أجلس بحجتها قربك..
بمقدار عدد حبيباتك السابقات وعدد اللاحقات اللواتي ستحتاج لتنساني بهن، وعدد الأشخاص الخاطئين الذين تعثرتُ بهم في طريقي المضيء إليك..
بمقدار الحزن المحجوز الآن خلف سدود يديك فلا يصلني ولا يغيب عني..
بمقدار الاحتمالات في هذا الحب المهتز، إنما مثل اهتزاز أرجوحة بطفل وزهرة تحت خطوات نحلة وامرأة للمسة رجل “يعرفها..
بمقدار الشعرات الشائبة في ذقنك و السوداء في شعري وبمقدار عدد مرات التقاء أصابعي مع أصابعك كقطع بازل خلقت لتتشابك.. لتتم لوحة..
بمقدار الذين يحبونني و اللواتي يحببنك والذين سيكروهنني و يكرهونك بسبب هذا الحب..
بمقدار عدد كلماتك طوال حياتك وعدد لحظات صمتي..
وبمقدار الأغنيات بيننا وعدد خفقات أجنحة العصافير خلال ستين يوماً وتزيد..

كم تحبينني؟ 
“هالقد” أجيبك بمزاحي المعتاد، بجواب طفولي لا اصطلاح لكميته، وباستبدال مائع للقاف بالألف أغطّي به لهجة قروية مكبوتة و أخبئ معها حيرتي وعجزي الفعلي عن الجواب.. 

“كم تحبينني؟”.. أختار الآن جوابي مستسلمة، ثم أفتح يدي كمن هو على وشك أن يعانق العالم..أو يتمنى..
كم أحبكَ؟؟
“هالقد”…

شاعرة سورية  |  خاص موقع قلم رصاص الثقافي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *