الرئيسية » رصاص خشن » وكانت رحلة نحو الموت

وكانت رحلة نحو الموت

حسان أحمد الشكّاط  |

هو رجل جزائري من مواليد 1979 أي أنه في التاسعة والثلاثين من العمر حالياً، لا يذكر بأنه قد حصل على وظيفة مستقرة تحفظ  له كرامته المهدورة كمواطن عدى أنه يكون أحياناً محظوظاً بالعمل في ورشات البناء من أجل الحصول على أجرة بسيطة تغنيه عن التسول، وتجعلة قادراً على دفع ثمن كميات  القهوة والشاي التي يستهلكها يومياً وقادراً أيضاً على مساعدة أمه الأرملة في مصروف البيت والتي ترعى خمس بنات من دون زواج.

ماهو سوى عينة بسيطة من ملايين الشباب الجزائريين. يومياته الروتينية يقضيها في مقهى الحي وقد ألفه للحد الذي بات من المستحيل أن يجد بديلاً آخر لقضاء أوقاته. مند سنة 1998 وهو مواضب على متابعة مباريات كأس العالم في نفس المقهى الذي يسمح لزبائنه بمتابعة البطولة. وكانت بطولة 1998 هي التي سمحت له بمعرفة لاعبين من أمثال رونالدو البرازيلي وزيدان الفرنسي من أصل جزائري وسوكار الكرواتي والحارس الأسطورة بيتر شمايكل الدانمركي.

مرت السنوات وهو على حاله تلك. رغب في الزواج مثل بقية أقرانه لكن ذلك حلم بعيد المنال بل وهو جرم فضيع لا يجب عليه أن يجهر به أمام أمه المسكينة وأخواته البنات. فذلك يعني كما لو أنه يعلن التخلي عنهن.

كان سعيداً سنة 2014 بمتابعة بطولة كأس العالم والتي شارك فيها الفريق الوطني الجزائري، وحقق التأهل لأول مرة في تاريخه إلى الدور الثاني. وخرج إلى الشوارع معلناً سعادته العارمة بذلك الإنجاز الكبير.

كان يحاول أن يدخر من جميع الأعمال الشاقة التي مر بها مبلغاً ما ليحقق حلمه وهو الهجرة من أجل تكوين نفسه والرجوع بعدها لمساعدة أمه المسكينة، ويرسلها لأداء العمرة ويحقق لها حلم زيارة البقاع المقدسة قبل أن تموت كما تقول لهم دائماً. لطالما خطط من أجل تحقيق ذلك وصبر طويلاً. فقد وضع في مكان ما سري في البيت الدينار على الدينار والمبلغ على المبلغ وتحمل قسوة الأعمال القاسية والشاقة التي مر بها لغرض العبور نحو الضفة الأخرى حيث تتواجد الجنة بعينها. حيث يكون قادراً على الزواج من حورية شقراء تمنحه حق الإقامة. ويعود بعدها إلى وطنه متبجحاً بنصره الكبير.

تمكن أخيراً من جمع المبلغ بعد سنوات طويلة من المعاناة والحرمان. وقد كانت خطته رفقة مجموعة من شباب حيه. هي أن يتشاركوا في شراء قارب مع محرك. ومحاولة العبور في ليلة صيفية إلى أي بلد أوروبي حيث يكون الخلاص.

تم الإتفاق على أن تكون الرحلة بعد نهاية بطولة كأس العالم 2018، وقام بمتابعة البطولة في نفس مقهى الحي. وهو في غاية النشوى بذلك لأنها في نظره آخر مرة يتابع مباريات كأس العالم من نفس المكان. ومن الأمور التي جعلت رغبته كبيرة في الرحيل هو أنه اكتشف أن الحارس الدانمركي بيتر شمايكل كان له ابناً يشارك خلال تلك البطولة حارساً لمنتخب بلاده أيضاً. وجعله ذلك يفكر في أنه تابع شمايكل الأب سنة 1998 وشمايكل الابن سنة 2018 من نفس مقهى الحي. ولم يتغير شيء يذكر في حياته سوى أنه تقدم في السن وبدأ يفقد عنفوان شبابه قبل أن يحقق حلمه.

جاءت الليلة المنتظرة. ترك فوق سريره مبلغاً مقبولاً ورسالة وجهها لأمه وشقيقاته. وعبر عن أسفه لأنه سيتركهن وحيدات لفترة ما. من أجل أن يعود لهن بالخير الكثير.

روائي وكاتب جزائري  | خاص مجلة قلم رصاص الثقافية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *