المصعد

عبد عزيز مختاري  |

تعطل المصعد في الطابق الخامس، فبقي الشاب معلقاً ساعة كاملة حتى جاء حارس العمارة، وفتح له الباب..

كان يتصبب عرقاً، ويشتم شركة صيانة المصعد، ويشتم أيضاً سكان العمارة الذين لا يحتجون أبداً على “السانديك”..

أغلب سكان العمارة لا يستعملون المصعد مخافة مفاجآت غير سارة..ولذلك فهم لا يحتجون على “السانديك”.. ثم أنهم تعبوا من الاحتجاج، بدون جدوى، واستسلموا للأمر الواقع..

ذات مساء بقيت جارته “أم مصعد” معلقة هناك، حتى أنها وضعت مولودها داخل المصعد..كانت قد عادت للتو من المستشفى، فجاءها المخاض وهي معلقة، فوضعت مولوداً ذكراً أطلقت عليه اسم “مصعد”..

أما زوجها ” أبو مصعد” فلا يركب المصعد أبداً.. كان قد حذرها مراراً، لكنها مزاجية لا تقبل النصيحة، خاصة نصائح “أبي مصعد”..

2.

الرجل الملتحي الكتوم الذي لا يكلم أحداً، والذي تزوج مؤخراً بفتاة قاصر، نال هو الآخر نصيبه من الرعب داخل المصعد..

كان قد دخل إلى المصعد في الرابعة صباحاً لينزل إلى مسجد الحي ليؤدي صلاة الفجر ،فبقي معلقاً بين الطابقين الخامس والرابع حتى استيقظ الحارس في السابعة صباحاً، وخلصه من ساعات الجحيم التي قضاها في الظلام داخل المصعد اللعين، وهو يصرخ ويشتم ،ويلعن الشيطان الرجيم ،وينتظر قدوم الحارس..

الحارس يتعمد التأخر، ويتظاهر بعدم سماعه صراخ الاستغاثة..سكان العمارة لا يحترمونه ويستغلونه بأجر قليل، وهو ينتقم منهم..ثم إن الملتحي لا يؤدي سنتيما واحدا لـ”السانديك”، ومع ذلك فهو يستعمل المصعد..

الحارس نفسه بقي مسجوناً داخل “الأسونسور” ،في الطابق تحت أرضي، من الصباح الباكر إلى الظهيرة..حدث ذلك قبل سنتين ،يوم عيد الأضحى..

3.

سكان العمارة سافروا لقضاء العيد مع الأهل، وبقي هو والشاب الأعزب الذي يسكن وحيدا في الطابق السابع..

حارس العمارة يعرف بأن الشاب يستقبل الفتيات في الشقة المعلومة – خاصة خلال الويكاند – فيغمض العين مقابل ثمن علبة سجائر “ماركيز”..

يحصل على ثمن العلبة عندما يضبط الشاب متلبسا بإدخال فتاة إلى شقته..

ذات ليلة كان الحارس قد حذره من استقبال الفتيات، وهدده بإخبار الجار الملتحي، الذي يفتي في الحلال والحرام، ولن يقبل مطلقا بدخول فتاة “غريبة” إلى الشقة المعلومة في الطابق السابع..” دهنه ” الشاب بعلبة “ماركيز” ، فابتلع الحارس لسانه..

الحارس حذره وهدده فقط ليبتزه، ويظفر بعلبة السجائر..

ثم من سوء حظ الشاب أنه الأعزب الوحيد الذي يستأجر شقة في العمارة..حركاته ونظراته وتصرفاته مرصودة بدقة متناهية..  

4.

ذات صباح باكر فوجئ الحارس بفتاة وهي تغادر الشقة المعلومة ، ففهم بأنه أضاع علبة سجائر..لم ير شيئا الليلة الفائتة ..

“كيف دخلت ؟.. لم يغمض لي جفن ليلة البارحة فمن أين دخلت “الشرموطة” الشقراء، وكيف وصلت إلى الشقة في الطابق السابع، والمصعد كان معطلا..؟..”..

 بسيطة..نزعت حذاءها ذو الكعب العالي ،وصعدت الدرج على رؤوس الأصابع، وكنت أنت في المرحاض، ولم تسمع شيئا، ولم تر شيئا..

 ” آه نعم.. لقد ذهبت إلى المرحاض حوالي الواحدة صباحا، وفي تلك اللحظة بالذات، تسللت الماكرة إلى غرفة الشاب..هذا ما حصل..اللعنة على المرحاض وعلى “الشرموطة” التي حرمتني من علبة “ماركيز” “..

5.

“ماذا سيفعل الشاب هذه الليلة ؟ هل سيصطحب معه مومس يقضي معها ليلة العيد ؟ من المحتمل جدا أن يفعل ذلك..

الشاب سيعود إلى شقته وحيدا، وسيترك الباب مواربا.. وبعد ربع ساعة ستأتي الفتاة، وسيكون الحارس في انتظارها، وسيتبعها حتى تدخل إلى الشقة..

السؤال هو متى سيعود الشاب ؟

في انتظار ذلك لن يذهب الحارس إلى المرحاض..سيبقى جالسا على الكرسي يحتسي الشاي ،ويستمع إلى المذياع ، ويراقب المصعد والدرج..

6.

الواحدة والنصف صباحا، ولا أحد..تأخر الشاب كثيرا..

لا يهم، ليس لديه ما يفعله في هذا الليل الموحش غير الانتظار..ثم إن الحكاية فيها علبة “ماركيز”، وهو مفلس..

حتى القطط التي كانت تؤنسه اختفت..صمت رهيب، وجدران صماء، ومصعد معطل، وهو جالس على الكرسي كصنم يراقب المصعد والدرج..

7.

فجأة ، سمع وقع خطوات، فقام من مكانه ..

بقي مشدوها :

“الرجل الملتحي الذي يحدث في الحلال والحرام يصعد الدرج، تتبعه فتاة بكعب عالي وسروال “جينز” لاصق، تركت خلفها رائحة عطر فواح”.

كاتب مغربي  | مجلة قلم رصاص الثقافية 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *