الرئيسية » قلم رصاص » “الدوغري” عندما تكون الدراما للناس

“الدوغري” عندما تكون الدراما للناس

يظهر أعضاء المجلس البلدي، في أول ظهور لهم في العاصمة، وذلك في الامتحان الأول الذي يريدون أن يختبروا فيهم نائبهم، الذي أوصلوه ليتخلصوا من شروره ليصبح عضواً في البرلمان، وكأنهم قادمون من زمن أخر، وذلك من خلال الأزياء التي اختاروا أن يرتدوها، عندما برق في خاطرهم أنهم سيقابلون بالتأكيد الوزراء والمسئولين بمعية نائبهم، وهم يدركون أيضاً وبلا مواربة، أنه كاذب حتى في اسمه، في رمزية أخرى بديعة من بدع “عزيز نيسن” (1915 – 1995) وقصته “زوبك” ـ الفهلوي ـ بعد أن قام بتحويلها إلى عمل درامي تلفزيوني وبإنتاج حكومي يحمل اسم “الدوغري”، كل من السيناريست والناقد الراحل “رفيق الصبان” (1931 – 2013)، وأخرجها “هيثم حقي” (1948).

العمل الذي تعرضه واحدة من القنوات المحلية مبني على أساس متين، وهو جودة الحكاية، لذا فمن الطبيعي أن يلقى عمل كـ”الدغري” اعلى نسب المتابعة حين تم عرضه عام 1992 – كما يحظى بها الآن، – وهذا من معرفة آراء عينة عشوائية من المشاهدين- فالحكاية تدور أحداثها في قرية صغيرة تدعى (كوم الحجر)، ولهذه القرية مجلس بلدي مكون من (إبراهيم بك الدغري – دريد لحام) و(جاسم عباس – عبد الفتاح المزين) رئيس الدرك، و(الحاج بدر الفهمان – حسن دكاك) شيخ القرية و(البارودي – أحمد عداس) صاحب فندق صغير “قصر النعيم”، ورئيس البلدية (حمزة – عمر حجو)، ويضم المجلس أيضاً عضو المعارضة الاشتراكي (قدري أفندي حقي – يوسف حنا)، وكذلك تضم القرية مستوصف طبي تعمل به (الدكتورة مها عبد الحميد – جيانا عيد)، ومدرسة يعمل بها (أحمد هلال)، يستغل الـ”دوغري” سذاجة أهل البلدة والمجلس البلدي ويقوم بعمل مجموعة من الخدع والاحتيالات ليسرق أموالهم، ويساعده بذلك مساعده (جلال – أيمن زيدان)، كما يقوم بخداع الجميع بعلاقاته مع الحكومة والمسؤولين، كما يستخدم الدوغري نفوذه ليصل إلى شخصيات مهمه مثل: القائم مقام والمحافظ، لكن ذلك لن يمنعه في الذهاب في المنحى العاطفي الذي يتعاطى به وفق نفس المنطق”الخداع والمكر والكذب”، لذا يسعى للحصول على قلب الدكتورة “مها” بأساليب مختلفة، ويكتشف أن أحمد بعلاقه معها، فيدبر له المكائد ليبعده عنا وينجح بذلك؛ في النهاية يترشح للنيابة، ويفوز كنائب وينتقل للعيش مع زوجته الدكتورة مها في العاصمة، وتبدأ الدكتورة باكتشاف خداعه للبلدة والمجلس البلدي وتقرر الرجوع للقرية. يكتشف الدوغري في النهاية أن مساعده (جلال) قد تعلم منه أساليبه، وبدأ يعمل المكائد وقد بدأ بالدوغري نفسه.

إنها حكاية ملائمة لكل زمان، وكل مجتمع فيه بالتأكيد هذه النماذج، الشخصيات برمزيتها وعلائقها القائمة على المصالح الشخصية أولا، دون أن يكون لحضور الناس في تفكيرها كما يتم تقديمها، أي نصيب، إنهم مشغولون بالدسائس بين بعضهم البعض، وإذا حدث واتفقوا مرة، فلأجل مشروع وهمي، يتم فيه الضحك على الناس وسرقة أموالهم، والمجلس البلدي إما مشترك عن جهل بذلك، أو هو من المبتلين بنفس “النصبة”، والتي ورائها “الدغري” نفسه، مجهول النسب في تلك المنطقة، حتى لأهلها، الذين لا يعرفون إن كان منها أو لا أساسا.

عدا عن كون أن الكوميديا حاضرة في هذه المأساة الاجتماعية، وهي تشتغل بدراية في لعبها وتبادلها منطق السرد البصري والحواري، وهذه من الخيوط التي عرف “الصبان” أن يكون فيها وفيا للقصة الأساس، أو لمعظم ما جاء في القصة الأساس، رغم أن رمزيته، لم تكن ممكنة في تركيا “العلمانية” مثلا، وتم سجنه عليها عدة مرات، وفي هذا حديث أخر عن “الرقيب واختلاف المفاهيم الرقابية”، فالعمل كان يُعرض على شاشة التلفاز الرسمي الوحيد حينها، وبعد نشرة الثامنة والنصف، أي أن كل السوريين تقريبا يتابعونه، و أيضا عدا عن جمال القصة كقصة، وحسن التعامل معها في صياغتها كحوار تلفزيوني درامي، فإن انتقاء الشخصيات هو من الأشياء الأبرز في هذا العمل، وهي توليفة من الفنانين السورين الذين حملوا أعمدة ذلك العمل، ليقوموا بتأدية أدوار كاملة في الشكل الفني المطلوب، كل شخصية يؤديها ممثل يبرع فيها، هو تماما هي، وفي حال حاولنا وضع بعض الأسماء الأخرى عوضا عنها، لابتعد الحديث عن العمل، وهذا بديهي، فعندما تكون القصة جيدة، سيكون الحوار جيد، وبالتالي الممثل سيكون أدائه أفضل، وهذا ما لا يتم الاعتناء به، في العديد من أعمالنا الدرامية حتى اليوم، أي اختيار الفنان المناسب لتأدية الشخصية المناسبة، ففي الدراما عموما، الأداء هو من ركائز العمل الفني الجيد، كيف يمكن أن يؤدي شخصية المعارض “قدري” كما أداها” الراحل الكبير “يوسف حنا”؟، يمكن بالتأكيد تقليدها، لكنها لن تتفوق عليها، وهذا شرط من شروط الإبداع كما يرى همغواي-1899-1961- ” يمكنك أن تأخذ من غيرك، شريطة أن تتفوق عليه”، المشكلة أن ما يحصل هو العكس، وهو قيام أكثر الأعمال الدرامية ترويجا وتسويقا، هي تلك المأخوذة عن أفلام أجنبية، لتجيء ترجمتها إلى نسخة عربية على شكل مسلسل، رديئا للغاية، خصوصا في قصة “الكاستينج” أو انتقاء الممثلين، والأمثلة عن ابتعاد هذا الشرط الفني الأساسي عن العمل الفني، عديدة جدا.

وجود هذه الأعمال الدرامية في مستواها العالي، يعيد للذهن تلك الفترة، التي كانت فيها الدراما السورية، تراعي جمهورها وتحترم عقله، وتخاطبه بلغة فنية عالية، إن كان في الحكاية، أو في انتقاء من سيؤديها، لذا لا تحتاج أزمة الدراما إلى مزيد تحليل وحوارات واللعب بمطرقة القاضي؛ ثمة ما هو مفقود بما نصنع، عندما يعود، سيعود الألق له، وعندما يختفي، سينحدر كما حاله الآن، ونقطة على أول السطر.

مجلة قلم رصاص الثقافية

عن تمّام علي بركات

تمّام علي بركات
صحفي وناقد سوري، مواليد العاصمة دمشق، يكتب في مختلف الدوريات المحلية، وفي العديد من الصحف والمجلات الأدبية والمواقع الإلكترونية العربية والمحلية المتخصصة، له ديوان شعري صادر عن وزارة الثقافة عام 2015 بعنوان: (الآخرون ميتون على الحواف)، وله كتاب تحت الطبع بعنوان: (أحوال شخصية).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *