الرئيسية » قلم رصاص » إديث بياف والوقت المناسب

إديث بياف والوقت المناسب

الرائعة، المذهلة، المدهشة، “إديث بياف” (1915 – 1963)، اكتشفت زمن الاكتساب المعرفي والتذوق الفني الحضاري حسب السائد في الأوساط الثقافية المحلية عموما، أنني لا أستطيع احتمال صوتها لـ 5 دقائق متتالية أو متقطعة، خجلت من نفسي عندما حدث الأمر، (وخجلتاه) صحت بيني ونفسي، ماذا يمكن أن أفعل لأكون من محبيها وهكذا أُصبح مثقفا نحريرا، لا يُشق له حرف.

لم أكاشف أحداً من الأصدقاء بالوضع الصعب الذي أنا فيه، وذلك لشدة الخجل من هذا العيب في التذوق الفني الذي أعاني منه، وانا أقول لنفسي: يا رجل أليس من المعيب عليك كمثقف ألا يكون صوت وغناء المرحومة بياف، هو ما يلهمك الحياة والروعة والجمال وكل ما هو بديع في هذا العالم؟  “إخص” على الفكر والثقافة والفن أن يكن هذا حالك!

يا لها من معضلة مؤرقة اصابتني، صرت أروح وأجي كمكوك الحائك الطائش وأنا أُحدث نفسي: لا ريب المشكلة في كوني لا استمع إليها في الوقت المناسب، وإلا لكنت بالتأكيد خرجت بالرأي الذي يجمع عليه أغلب أهل القلم والأوراق البيض العذارى، إنهم عندما يتحدثون عنها، يكادون يذوبون من الرِقة، يا لي من متخلف، ديماغوجي، أنثروبولوجي أرعن.

 ومنذ تلك اللحظة التي اكتشفت فيها هذا الخلل الفني الذوقي الذي لدي، رحت اتحينه أي الوقت المناسب وأنا لا أدري لماذا اشعر بأني اتحاشاه في الحقيقة، وفي يوم خريفي دافئ النسائم عليلها، والفاكهة ناضجة تتمايل على الاغصان كما يحدث عادة، وجدت أمامي شيئا من العنب مع الدراق والمشمش، بينما الشمس تميل للغروب بحمرتها القانية المبهرة، والحلاوة الإلهية التي في الفاكهة تُسكر، شعرت وقد راق الجو وارتاح البال، وربما صادف أن كان أول الشهر أيضا، أنه الوقت المناسب للاستماع لتحفة الغناء الغربي، ولا يمكن للوقت أن يكون مناسبا لهذا أكثر من ذلك، حدثت نفسي لماذا لا استمع لرائعة “بياف” لا أندم”؟، لقد قال فيها الرفاق في وصفها شعراً، أي صوت وأي أداء، ورحت أُكمل الحديث مع نفسي عن وصف الأصدقاء لها في المقهى، بينما يدي تبحثان عن الأغنية بصوت صاحبتها على الشابكة، أخذت بضعة حبات عنب تنعش القلب وأدرت الأغنية والهتفون فوق راسي كي لا يُعكر لذة استماعي أي صوت مهما كان، وما أن بدأت بالغناء حتى وصل إلي صوت ارتطام قوي في المطبخ، أواني المنيوم تتعارك وصواني تقرقع، قمت فورا لأرى ما يحدث، وحبات العنب تكاد تخنقني، لكن شيئا ما لم يحدث في المطبخ، رحت ابحث في بقية المنزل عن مصدر هذا الصوت، عبث لا شيء، لم أرد لهذا الحادث العارض أن يُعكر عليّ لذة استماعي إلى المغنية البديعة وجوهرتها الفريدة، التي كان الرفاق يسمعونها في واحدة من قعدات سمر زمن الشباب، والدموع تنهمر من أعينهم صبابة بينما أيديهم متشابكة من فرط اللذة، عدت ووضعت حبة مشمش في فمي لأستفذ حواس التذوق كلها عندي، وأدرت الأغنية، مرة أخرى صوت زعيق شديد من جهة المطبخ، كدت أجن، نزعت السماعات عن رأسي بغضب -على الرغم من كونها مصنوعة لمنع الأصوات الغير مرغوبة- وأنا مصمم على أن انتقم شر انتقام من السبب الذي يريد أن يحرمني حتى من هذه المتعة، وأمام دهشتي مرة أخرى وقفت حائرا، لا شيء في المطبخ، بل أنه هادئ لدرجة تغري بالنوم فيه، يا الله من أين يأتي هذا الصوت “الزعائقي”؟، كأنما هيكلان عظميان يقتتلان في علبة صفيح فارغة.

من التشبيه المؤلم الذي خطر في بالي، عرفت أن الوقت غير مناسب للاستماع لأيقونة الغناء الفرنسي، والتي يُعترف لها بكونها ساهمت بنشر اللغة الفرنسية في العالم، على الرغم من كونها كانت لغة المحتل للبلاد، في مرحلة من مراحل شهرتها، وأن عليّ أن ارقب مجيئه ـ أي الوقت المناسب ـ مرة أخرى ربما في فصل الربيع عندما يختال ضاحكا من الحسن، بعدها أحُدث الأصدقاء ورفاق الكلمة والسهرات العاطفية عن روعتها الأخاذة.

عندما نزعت السماعات من الجهاز، كانت قد انتهت اغنية “لا لست نادمة على شيء”، وكانت فرصة مناسبة أن انتظر لأعرف مصدر الصوت المزعج الذي يزعق كلما جئت لاستمع للمغنية العالمية بعد أن تبدد الوقت المناسب، وأثناء ذلك انتقل الجهاز ميكانيكيا لأغنية أخرى “إسواره العروس مشغولة بالدهب”.

كانت حبات العنب ترقص في فمي كصيف يذوب، وأنا في قمة غضبي اللازوردي، منتظرا هذا الذي يمنعني من متعتي التي انتظرتها منذ أكثر من عام، وعليّ أن انتظرها عاما ربما ليحين الوقت المناسب، ويبدو أنه لم يحن حتى اليوم.

كان من الأجدى لو أنني بدأت الحكاية ب: كان يا ما كان، لكننا أهل ولا كلفة بيننا.

مجلة قلم رصاص الثقافية

عن تمّام علي بركات

تمّام علي بركات
صحفي وناقد سوري، مواليد العاصمة دمشق، يكتب في مختلف الدوريات المحلية، وفي العديد من الصحف والمجلات الأدبية والمواقع الإلكترونية العربية والمحلية المتخصصة، له ديوان شعري صادر عن وزارة الثقافة عام 2015 بعنوان: (الآخرون ميتون على الحواف)، وله كتاب تحت الطبع بعنوان: (أحوال شخصية).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *