الرئيسية » قلم رصاص » الثقافة: أبطال ومقاولون 

الثقافة: أبطال ومقاولون 

ميزة الشأن الثقافي والخوض به عموماً لدينا ولدى غيرنا، أنه يستطيع الدخول في أي مجال آخر، فلا يظهر غريباً عنه، حتى أنه يستطيع أن يرتديه بالزي الذي لا يجعله نافرا، بل على العكس تماماً، فما يحدث هو أن الحالة العامة إن كان للمقال أو غيره من ضروب الأدب، تجعله جذاباً وتجلب له نسبة قُراء أعلى، فالثقافة عموما تستطيع أن تتكلم عن الاقتصاد مثلا من وجهة نظر ثقافية، وعن السياسة من وجهة نظر ثقافية، وحتى في التبليغات والإنذارات التي يتم التبليغ فيها أصحاب الشأن بعد أن تَغير عنوان شخص ما؛ أنها تستطيع الخوض في عالم الرياضة، والحوادث والجرائم، وقس ذلك حتى على صفحات التسلية، هذا في الجرائد اليومية، أما في الكتب النقدية الهامة، يعرض العديد منها لمجموعة من القضايا التي تخرج من كونها شأنا ثقافيا بحتا، لتصبح متدخلة في أي شأن آخر، كالشأن الاجتماعي والسياسي بأنواعه، وما مؤلفات الكاتب والفيلسوف الفلسطيني “إدوار سعيد”(1935-2003)، إلا دليلاً قيّماً على ذلك.

على الطريق ذاته معنوياً حيث سلك غسان كنفاني ـ وسنتوسع في هذه النقطة ـ ترك في نتاجه الأدبي للثقافة الشعبية، دور البطولة المطلقة، متيحاً لها بحرفية نادرة، حرية أن تتدخل في معظم أمور الحياة، الأشخاص الذين يتحدث عنهم فيجعلهم ايقونات في تاريخ أدب القضية الفلسطينية، منها: (أم سعد التي لا تقع حتى وهي تخوض في المخيم الغارق بالماء، منصور الفتى الفلسطيني الذي يذهب لعند خاله كي يستعير بندقيته الهرمة، فهو ذاهب لتحرير صفد، لكن ينقصه السلاح)، إسقاطات نتاجه الصحفي والروائي، تؤكد مرة أخرى أنه هو من صنع هذا النوع من الأدب، وحتى في الفنون، خصوصا تلك الأكثر تعبيرا وإقبالا بالنسبة للجمهور، كالرواية التي هي عنده بمثابة فيلم سينمائي مرئي بما تحمله لغويا من إيحاءات مُتخيلة و بأسلوب رشيق وذكي، وهي عندما تُستخدم بإبداع، فإن إيحاء اللغة ذاتها لا يجعلها بحاجة لأي فن آخر ليحملها، والكتاب كما هو معروف في متناول كل يد، الأمر الذي شكل خطرا حقيقيا على الصهاينة، وذلك لقيمة أدبه الرفيع في التحريض على المقاومة، فصاحب (عائد إلى حيفا)، صار يؤرق منام كل صهيوني، لإدراكهم بأنه بنتاجه الأدبي المبدع، صنع ما يعرف بـ “أدب القضية الفلسطينية” وهكذا يستحيل أن تموت فهناك من جعلها من لحم ودم وخبز.

كالعاد تمّ تكليف بعض القتلة و أمرهم بحل هذه القضية، فما كان منهم إلا أن قاموا فورا باغتيال الشخصيات الأكثر أهمية في التعبير عن القضية الفلسطينية، اغتالوا غسان كنفاني، وناجي العلي-1938-1987- فنان الكاريتير العظيم-، الذي لم يحتج ليرعب الكيان الصهيوني، صاحب أكبر قوة عسكرية في المنطقة، إلا لقلم رصاص فقط، لكن رصاصه يخترق عقولهم، ويصيبها بالهستيريا، وإن عرفنا أن “كنفاني” واحدا من أهم كتاب الرواية في العالم العربي، عدا عن ترجمتها لعدة لغات أجنبية، ما يعني مزيدا من المتعاطفين والمؤمنين بالقضية الفلسطينية، بعد أن يطرحها غسان في رواية أدبية، الفن الأهم عموما، فما من مكان لا يصله الكتاب، وهذا كما قلنا، يُرعب قادة ذاك الكيان، الذي كان يختار بعناية من سيغتال من الأدباء الفلسطينيين خصوصا والعرب عموما، لكنه في المقابل لن يقضي على من يبارك له احتلاله ولو تلميحا ثم علنا، بل أنه سيشهره ويجعل له قامة عالمية بطريقة أو بأخرى ولو كانت مواربة، كما أنه يُقدم له دعما كبيرا، ليحقق نجومية عالمية، يستطيعون من خلالها، الاعتماد عليهم في العمل من أجل التمهيد للتطبيع ولو بشكل موارل كما ذكرنا.

عدة هي الأسماء في المشهد الشعري الفلسطيني-العالمي، تعربشت على أدب القضية، الأمر الذي يمكن قراءته وبقوة، بالخط الأدبي الذي سار عليه  الشاعر “محمود درويش” على سبيل المثال لا الحصر، وهو لم يخفِ ذلك حتى في قصائده، ففي قصيدته (شتاء ريتا الطول)، قام بتقديم هذه الـ “ريتا”، للقارئ العربي، وكأنها حلم منشود، فكما هو معروف عن صاحب “لماذا تركت الحصان يا أبي”، أنه يحب فتاة إسرائيلية، كانت تنهي ليلتها معه، ثم ترتدي زيها العسكري لتذهب وتقاتل الشعب الذي يقول درويش أنه يتحدث بلسانه وعنه، وهذا كان ديدنه في العديد من مفاصل اشتغاله الشعري، وما سطوع نجمه بعد أن بدأت ظاهرة النجومية في الشعر، إلا لدراية الصهاينة بأنه من الشعراء الذين لا يمكن أن يقدموا نتاجهم الشعري إلا وفيه بعضا من هذا الغزل التطبيعي، وهذا الأمر حاضر في شعره و بقوة أيضا، في قصيدة (إلى قاتل)، درويش يصب جام شعره على من يقصدهم وهم الصهاينة، وبعدها فورا تأتي قصيدة: (إلى قاتل آخر)، وهو يقصد فيها الفلسطينيين ومقاومتهم، إنه ببساطة يساوي بين الضحية والجلاد!! عرف الصهاينة أن هذا الشاعر لن يشكل أي خطر عليهم، فهو قد قام بالتطبيع وانتهى الأمر، لا كما فعل غسان وناجي، فالفن الحقيقي وأدب القضية الذي اخترعه “كنفاني” كما أسلفنا، هو ما يشكل خطرا على هذا الكيان، أما درويش فعاش حياته كالأمير من بلد إلى آخر، وفي كل مكان كان يحظى باحترام وتقدير كبير له ولنتاجه الشعري على خلاف غيره من الشعراء الأهم، لا كما حصل مع أخوته في الوطن غسان وناجي، المغتالان بيد العدو، وقد تمت التعمية عنهما وعن نتاجهما بشكل متقصد وشبه نهائي حتى الآن، وذلك بإظهار نجومية شاعر، تسلق أكتاف القصيدة الوطنية، حتى وصل إلى القمة الوهم، وليذهب بعدها إلى عوالمه الأحب إلى قلبه، وما القضية الفلسطينية بالنسبة له، ـ التي اتسمت بالقوة في أدب غسان كنفاني، شخصية منصور مثلا ـ إلا كما قدمها، بائسة وأهلها مساكين، مغلوبون على أمرهم، وهم أعجز من محاربة المحتل.

“أنا لست أكره الذين أُحاربهم، كما أنني لا أحب الذين أُحارب معهم”، واحدة من العبارات التي وردت في “لماذا تركت الحصان وحيدا”، إنه يقول رأيه على الملأ! ويشرعن الاحتلال بالأدب تحت عنوان عريض (الحب والسلام للجميع)، عندما تكون الثيمة أو الموضوع الأثير له هو فلسطين نفسها، التي صار يحبها بأسلوب آخر ووفق وجهة نظر معينة، ومن ثمة ظهرت دعاية تقول إنه منفي خارج بلاده! ومن هناك حيث يحتضر العصر وتشرئب الورود، يبث لواعجه وشوقه لفلسطين، آمناً مطمئناً ونجما لم يخبو نجمه رغم كل ما سبق.

مجلة قلم رصاص الثقافية

عن تمّام علي بركات

تمّام علي بركات
صحفي وناقد سوري، مواليد العاصمة دمشق، يكتب في مختلف الدوريات المحلية، وفي العديد من الصحف والمجلات الأدبية والمواقع الإلكترونية العربية والمحلية المتخصصة، له ديوان شعري صادر عن وزارة الثقافة عام 2015 بعنوان: (الآخرون ميتون على الحواف)، وله كتاب تحت الطبع بعنوان: (أحوال شخصية).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *