الرئيسية » قلم رصاص » “الشخصانية” تنخر الجسد الثقافي!

“الشخصانية” تنخر الجسد الثقافي!

واحدة من أكثر المثالب نخراً في الجسد الثقافي بشكل عام، وأشدها وطأة عليه بأنواعه هي “الشخصانية”، داء شرس ابتلينا به، وبما تركه من آثار تخريبية بعمد أو دونه في المجال الثقافي، على أيدي أشخاص لا تعنيهم جودة العمل الثقافي بأنواعه من انعدامها، بقدر ما يعنيهم تصديرهم لأسماء تتصدى بقلة خبرة بل وبغياب تام لإعمال الفكر فيما تُقدم من نتاجات مختلفة في المجال الثقافي الهش أساسا، إن كان في مجال الأدب عموما، الفنون، النقد، المقال الثقافي، وما من دليل أكثر بؤساً يمكن سوقه في هذا المجال، مثل التراجع بل التدهور المريع  للحالة الثقافية في البلاد خصوصا في العقد الأخير، عندما صار كل من هب ودب، يخوض في هذا المجال الخطير والمؤثر، وها نحن اليوم رأينا ونرى النتائج المخيبة بل والمحزنة التي آلت إليها الحالة الثقافية بتشعباتها، بعد أن بينت الأزمة التي عصفت في البلاد وبشدة، تداعيها وعدم قدرتها على النهوض بحالة فكرية معرفية ثقافية شاملة، تجمع الناس حولها وترتقي بالوعي العام، الذي تبين لنا وبالشكل الأشد ضراوة ودموية، غيابه الكامل عند أجيال وجدت ضالتها في ظل هذا الوضع الثقافي المترهل والخشبي المنخور بأمراض مهلكة، جعلت الكثر من أهل الفكر يبتعدون بكراماتهم عن هذا الوباء، لتكون الساحة خالية أمام الجهلة!

هذا الداء المزمن، هو بشكل واقعي وفعلي من يتحكم بالمزاج العام للعمل الثقافي بكافة أنواعه، ولهذا الداء العديد من الأسماء والصفات منها “الشللية” – رغم أنها لها جانبا محمودا – على عكس “الشخصانية” التي لا يوجد لها أي منحى إيجابي، فالعلاقات الشخصية التي تجيء في واجهة هذا المشهد المتصدع، وتبادل المنفعة “مشيلي لمشيلك”، والسعي الحثيث لتغيب الجهد الثقافي الحقيقي تحت طبقات كثيفة من القشور والغبار والتكلس، لصالح ظهور طبقة من المشتغلين في هذا الشأن، لا خبرة لها بما تفعل، ولا تستطيع حتى الدفاع عما تنتجه ولو قولا من باب “تكلم حتى أراك”، هي اليوم من تتحكم في هذا الشأن الخطير، لعدم إدراكها أن الثقافة هوية من لحم ودم، وفكر وعمل دؤوب، مهمتها الأهم نشر الوعي وتفتيح المدارك وتوسيع الآفاق للمتلقي، ما ينعكس بدوره على حال المجتمع وصورة البلاد، وفي حال وجدنا في موقع المسؤولية الثقافية بأحد مفاصلها، من يُدرك خطورة هذا الأمر، فإنه كالشيطان الأخرس، لا ينبث ببنت شفة، بل ويصبح فاسدا في شأن جلل كهذا، فيقصي أهل الفكر ويُدني الجهلة، الذين بالتأكيد لن يزاحموه لجهلهم ولمعرفتهم اليقينية بهذا.

هذا الداء المدمر لأي عمل خلَّاق ومبدع، يقف خلفه وبكل ما أوتي من خبث وزيف السيد “جهل” بدعم من الواسطة والمحسوبية والعلاقات النفعية الهدامة، والإدعاء المزيف بالملكات الفكرية التي تسمح لفلان من الناس مثلاً، أن يكون هو من يقرر جواز مرور هذا العمل الأدبي أو الفني ومنع أو تغييب غيره، ليس حسب المواصفات الفنية والفكرية للعمل، بل حسب العلاقة بين الكاتب مثلاً وهذا “الفلان”، حتى إن الكثير من النصوص التي نقرأها -باختلاف أنواعها- من حين لآخر هنا وهناك، هي ليست بلا أي قيمة فقط، بل أنها تحوي من الأكاذيب والأخطاء ما لا يقبله عقل، عدا عن سطوها على العديد من الأفكار والمقالات التي يكتظ بها عالم الشابكة، وإذ نصف الجهل بكونه الكامن خلف هذه المشكلة، فهذا لعدم قدرة الجاهل المُناط به وبالطرق الملتوية المعروفة للقاصي والداني، التفريق بين النص الجيد والنص الرديء، أو العمل الدرامي القيّم أو الهابط، أو المقال الثقافي المجدي أو عديم النفع، وغيرها من تفرعات الثقافة، وهذا سينعكس -أو انعكس وتم الأمر- على جودة الحالة الثقافية برمتها، وشلّ قدرتها أيضاً بقصد أو بدونه، على انتاج حالة ثقافية معرفية لديها خطابها الذي لا يُرد منطقياً وعقلياً، والذي من الطبيعي أن يكون له أثره الحاسم في رفع منسوب الوعي الشعبي في المجتمعات التي تعاني ما نعانيه، فعلى الفكر يُعول أولا وأخيرا، في نهضة المجتمعات ورفعتها، وهذا بالتأكيد لن تكون “الشخصانية” إلا العدو اللدود له. 

للأسف هذا هو حال الشأن الثقافي لدينا، فعلى سبيل المثال لا الحصر، إذا نظرنا إلى الفعاليات الثقافية التي تجري بالبلاد على اختلاف أنواعها، سنرى أن الأسماء هي ذاتها تتكرر فيها، والجديد منها هو من حملة راية الجهل نفسها، وكأن الاختلاف في فهم العمل الفني والأدبي أو الثقافي -بتوسيع الدائرة-، أو في طرح وجهة نظر مغايرة، ربما لم يفهمها من هو المفترض القيّم والمؤتمن عليها، هو عداء وخصومة لأصحابه، ونحن وهذا الحال أمام خيارين للتعامل مع هذا الوضع، إما التطبيل والتزمير له، وبالتالي الفوز بالفتات الذي يأتي على شكل دعوة خاصة لحضور هذا الفيلم السينمائي الذي لا يكاد يظهر حتى يختفي، أو ذاك العمل المسرحي الركيك، أو إطلاق مسلسل تلفزيوني، توقيع مجموعة شعرية…إلخ”، أو السكوت عنه، لأن الحديث عن “بلاويه” بات مملاً ويدعو للتثاؤب!

في الحرب العالمية الثانية، طلبت الحكومة من “تشرشل” رئيس الوزراء حينها، إيقاف الإنفاق على الأعمال الثقافية، فما كان من الرجل إلا أن رفض رفضاً قاطعاً، معتبرا أنه في حال تم ذلك فهذا يعني الخسارة الأكيدة في الحرب حتى لو تم تحقيق النصر في الحرب، إنه يدرك خطورة الموضوع، ومن يرجع لجرائد ذلك الزمان ووسائله الإعلامية، سيعرف كيف تحقق النصر بعد الهزيمة، والبناء الخلاق بعد الدمار، فلقد أستطاع القيّمون بإخلاص وطني أولا على الحال الثقافية، استنهاض الروح الوطنية عند الناس، وجعلهم يدركون أنهم أصحاب دور فعال في تحقيق النصر، مثلهم مثل الجندي الذي يقف على جبهات القتال.

مجلة قلم رصاص الثقافية

عن تمّام علي بركات

تمّام علي بركات
صحفي وناقد سوري، مواليد العاصمة دمشق، يكتب في مختلف الدوريات المحلية، وفي العديد من الصحف والمجلات الأدبية والمواقع الإلكترونية العربية والمحلية المتخصصة، له ديوان شعري صادر عن وزارة الثقافة عام 2015 بعنوان: (الآخرون ميتون على الحواف)، وله كتاب تحت الطبع بعنوان: (أحوال شخصية).

شاهد أيضاً

في مديح النيكوتين

التدخين سبب رئيسي للإصابة بسرطان الرئة. هذا ما تردد السيدة (جو ويل) دائماً، لكن زوجها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *