الرئيسية » رصاص حي » “الشاعر الأحزّن” ينتقم.. احمل حنينك واتبعني

“الشاعر الأحزّن” ينتقم.. احمل حنينك واتبعني

كما لو أنها كفٌ عملاقة من صلصال حارق، أمسكت بياقتي وشدتني للخلف، حاولت التوازن من قوة الدفعة العكسية وأنا استند براحتيّ على “حيطان” ذكرى كانت غارقة تحت رمال متحركة من فعائل الأيام، بينما سوط أو صوت له رائحة بنت الكروم، راح يترنح حولي وحيالي، يأمرني بلينٍ أشدّ من الحزم: “أحمل حنينك واتبعني”.

من أين يأتي هذا الصوت الغامق النبرة؟ المخذول كبقايا راية تحتضر على سارية في وطن محتل؟ “مو حزن لكن حزين” مظفر النواب يجهش بالينابيع، يسرد عروق الزبرجد في الصخر، من صوته راح يخرج دجلة مرتديا بزة صحراوية وفي عيونه ترقد “بابل” بكامل عذوبتها، قوارب الصيادين بعيونهم الغرقى والأغاني العراقية المُغناة على مقام “الحسيني” الذي يكسر القلب، كرجت من صوته، وفي فضاءه طارت يمامتان وكروان، إلا أن مخلب باز عجوز خرج أيضا من ضفاف صوته النائحة، كاد يمزق صدري، قبل أن أجد ثقل الذكرى يحط كقاسيون على كتفيّ، ثم بين حاراتها ومفارقها راح يمرجحني على وقع تلك الذكرى التي خرجت أيضا كما دجلة والأغاني والقوارب من ذلك الصوت الكسير.

راح شريط سينمائي بالأسود والأبيض، يمرّ أمامي بالحركة البطيئة، إنها دمشق نهاية القرن العشرين، التقيته فيها، في واحد من المهرجانات الثقافية الكبرى والمهمة التي كانت تُقام في البلد، كان مدعوا لأمسيه شعرية خاصة به وحده، -وكم هو كثير وحده-، على عكس باقي الأماسي الشعرية المُدرجة بين فعاليات المهرجان، والناس بالمئات بل أكثر، يتدافعون بشدة، يتبادلون العصي والحراب بالنظرات والصراخ، للحصول على أي مكان لسماع الشاعر الفائق الصيت، ومشاهدة انفعالاته الشعرية الكبرى المشهور بها.

بعد أن جلسنا وأخذ الناس أماكنهم، قامت إحدى الإعلاميات الموجودات بتقديمه: “أترككم مع شاعر العراق “الأحزّن”، حينها ضحكت بيني وبين نفسي على ما كنت أظنه “فذلكة” إعلامية، فتلك الألقاب في رأيي حينها، ما هي إلا احتكارا “نوستالجياً” للشعر، كنت يافعاً جداً، الأرض تضيق تحت خطوي والأفق يتحول تحت خائنة نظراتي إلى درج روماني من حجر أبيض كالغيم، يدعوني لأعتليه، “شاعر” شاب يغلي الدم في عروقه، وفيه من الخيلاء ما يُزيح جبلا بكلمة، شاعر غرّ يريد أن يغيرّ العالم بقصيدة، مؤمنا بما قاله النِّفَّري –توفي 354 للهجرة-: “العلم المستقرّ هو الجهل المستقرّ”، حينها قامت واحدة من أشهر الصحف العربية بنشر قصيدة لي، وكان من النادر أن تنشر شعرا لشاعر شاب ومن دولة أخرى، ما زاد غروري واعتدادي الشديد بنفسي.

بعد أن بدأ الرجل “الأحزّن ” بتلاوة ما هو محفور كالوشم على جدران قلبه المُنهك، قمتُ وهممتُ بالخروج من الصالة حيث تُقام الأمسية، قمت من المقعد المتواجد في صفوف متقدمة، قريبة من الطاولة المغطاة بقماش أبيض مشغول من الحرير السوري الأشهر في العالم، حيث يجلس الشاعر، وكان لزاما عليّ وأنا أغادر، أن أمرّ أثناء خروجي قبالته، ليلتقي وجهي بوجهه الصقر الهرم مباشرة.

ما يحلم به المئات ويقفون في الطوابير و”يتعمشقون” على أعمدة الإنارة لأجله، غادرته بعد أن سمعت عنوان القصيدة الذي لم يرق لي حينها، قمت ببساطة من مقعدي والتقت نظراتنا، كانت التجاعيد المتورمة تحت عينيه، تجعله يبدو بائسا وليس حزينا كما وصفوه، حينها كنتُ غرا، أريد لقصيدتي أن تجعله وجيله من الشعراء يجلسون على الرفّ، إنهم جيل الآباء، وهو ونظرائه من يجب قتلهم أدبيا وهذا ما يجب أن يفعله جيلي، فتلك صيرورة الشعر؛ شعرت أن نظراته التي تبدو وكأنها قنديل نائس، عالقة شبه مطفأة في مكان وزمان آخر تماما، ربما في بغداد في القرن الثامن للميلاد، وكأنه يقول لي: “سوف تتذكر سوء فعلتك يوما ما، أعدك بذلك أيها الفتى”.

خرجتُ وأنظار الجميع التفتت إلى هذا الأحمق الذي يحمل على كتفه حقيبة جلدية سوداء، فيها بعض الكتب والأوراق مع القلم وعلبة التبغ طبعا، ولماذا يغادر المكان ويترك الحدث الكبير الذي يتمناه الألوف؟ ربما قمت بفعلتي الطائشة في رفع منسوب ذلك الحزن الذي يحمله مظفر النواب كصخرة عملاقة بين أضلاعه، الحزن الذي يبدو كما لو أنه زمرة دمه.

ذهبت الأيام، مشت، هرولت، ركضت، حتى أعادت تلك الكف العملاقة إلى ذاكرتي المثقوبة تلك الحادثة التي خرجت من العدم، مع النبرة الخفيضة للصوت الكسير، الأليف، وهو يرتل القصيدة ذاتها وكأنه يقرأها للمرة الأولى: “مو حزن لكن حزين”، كنت قد مررت عليها سابقا، ولم تعنِ لي شيئا، لكن وعدّ الشاعر بأن يردّ عليّ الدهر سوء فعلتي، برَّ الزمان بهِ، تلك النظرة الكسيرة الخاطر، الصادرة عن كومة عظام ترتدي قميصا شاحبا بدوره، تجلس كما الخيال الشفيف إلى طاولة افترشها حرير دمشق فرحا، ومن عليها تطل يداه بعروقها اليابسة، قابضة بأصابع مرتعشة على بضعة صفحات، هي ما سيكون نبيذ قانا الذي سَيُسكرّ الجميع من النشوة الشعرية، ومتعتها الحسية العالية، تلك التي يمنحها صوته ويوزعها على الحضور كما لو أنها كؤوس خمر مشعشع، حملها براحتيه العميقتان من دنان أبو النواس، وأنا ببساطة وحمق، غادرت حارما نفسي المتعة الشعرية الجماعية تلك بسحرها الباذخ، المتعة التي يفرضها الشعر البديع أينما حلّ، ومن تلك الوريقات سيجود “النواب” بقصيدة تخرج من شهيق وزفير أحد عملاقة الشعر العربي الحديث، وأنا غادرت بطيش شديد واحدة من أماسيه الشعرية البديعة!

أدركت فيما بعد، ماذا تعني تلك الجملة لوحدها التي خلع بها “النواب” باب السحر يومها: “مو حزن لكن حزين”، القصيدة الافتتاحية لأمسيته الشعرية في ذاك المهرجان، تلك الأمسية التي انسحبتُ منها في بداية القصيدة البديعة، وأنا أعرف جيدا الآن ماذا يقصدَّ شاعر العراق الجميل “مظفر النواب” بقوله، وهو خيرّ من يُعبر عن تلك الحالة، التي لا تسمية لها في الحياة، ولا يمكن إلا للشعراء أن يسموها، لأنهم يختبرونها بأرواحهم أولا، قبل أن تصبح اللغة بين أيديهم، مشحونة بموسيقاهم الداخلية – الهبة الربانية حتما- و يحملها الكلام، الذي بدوره يشيعُ في الأجواء شيئا من أجواء اللطميات “الحسينية” ولكن على شكل كلمات، لا سياط، فهو كما يقول “مو حزن لكن حزين”، وقد عرفت بل شعرت بكل ما في كياني كله، ما يعنيه “الشاعر الأحزّن” تماما في قصيدته إياها.

 أود أن أخبره بعد قرابة ربع قرن من خلال هذه الكلمات التي ربما لن تصله، أنه حقق انتقامه من ذلك الخروج الغير لبق بل قليل الذوق للشاب الغرّ، الذي لم تكن الأيام حينها، قد ساطت قلبه ونياط روحه بسياط من ذهب مشتعل، ليعرف بأسى فيما بعد، ماذا يعني أن يقول الشاعر: مو حزن لكن حزين. 

مجلة قلم رصاص الثقافية

عن تمّام علي بركات

تمّام علي بركات
صحفي وناقد سوري، مواليد العاصمة دمشق، يكتب في مختلف الدوريات المحلية، وفي العديد من الصحف والمجلات الأدبية والمواقع الإلكترونية العربية والمحلية المتخصصة، له ديوان شعري صادر عن وزارة الثقافة عام 2015 بعنوان: (الآخرون ميتون على الحواف)، وله كتاب تحت الطبع بعنوان: (أحوال شخصية).

شاهد أيضاً

حين يفتك الاستبداد بالفلسفة.. سؤال الحرية عربياً

أهمية الفلسفة تظهر أكثر لكل باحث في مسببات تقدم وتطور الأمم وعوامل حضارتها، إذ سنجد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *