الرئيسية » قلم رصاص » مسلسل الخراب
لوحة للفنان السوري سعد يكن

مسلسل الخراب

لم تكن هذه البلاد خارجة من دائرة الحرب إن لم تكن في أتونها خلال تاريخها الضارب في القدم، وكان كل من فيها من أهل الأدب والفن والفكر والثقافة والأعلام، يصيغون طبيعة الحياة من خلال ما يقدموه من رؤى وأفكار متزنة، رصينة، مهنية، مهما كان نوعها، إن كان على خشبة المسرح أو في الدراما التلفزيونية، في الشعر والغناء، في التأليف الموسيقي والمقال اليومي القيّم، والذي كان له من القراء، ما يجعله وسيلة اتصال عامة بينهم والمزاج العام الذي كان ينتحيه كتّابنا الأفذاذ في زواياهم اليومية والمنوعة، من تناولهم للشأن العام بمختلف مفاصله وبوجهات نظر عميقة لها بُعدها الفكري الثري، وبأساليب مختلفة في التعبير، كانت السخرية اللاذعة والمشغولة بإتقان والتي تغيب من أسف لدينا اليوم، من أهمها.

المتابع للشأن الثقافي بعموم مناحيه في البلاد اليوم ومنذ أكثر من 10 سنوات، سيجد أن نشاطاته بأنواعها، ازداد عددها بشكل كبير في سنوات الحرب، وذلك في رد بليغ على الخراب والدماء والأسى الذي تفعله وتخلفه الحروب، فنظرية الإعلاء من قيمة الحياة في مواجهة القبح والبشاعة، هي حقيقة عكسها الأدب وما انبثق عنه في مختلف المراحل التي مرت على سورية خصوصا الشعر، ولنا في الشاعر الدمشقي “نزار قباني” جميل المثال على هذا الأمر، حيث أصدر “قباني” مجموعته الشعرية الأولى “قالت لي السمراء” والبلاد رازحة تحت الاستعمار الفرنسي”1944″، ثم تلاه بمجموعة أخرى “طفولة نهد” المجموعتان الشعريتان اللتان ذهبتا نحو تشكيل المذهب العاطفي والايروتيكي الذي عرف به “قباني”، حتى بدا وكأنه من الأدباء المنفصلين عن واقعهم حينها، إلى أن جاءت الملمات التي تكشف معدن الأديب، حرب ال 67، حرب تشرين، اتفاقية الشؤم كامب ديفيد، حينها كتب وصدح بأجمل وأهم وأرقى ما يمكن للشعر أن يقوله، ويكفيه من هذا قصيدة “ترصيع بالذهب على سيف دمشقي”، وها هو المسرح السوري يتوهج بعد نكسة ال67 منطلقا نحو فضاءات بعيدة عما كان سائدا “بغض النظر إن كان ذاك التوهج هو حالة صحية أو العكس تماما” وهذا موضوع يحتاج للبحث في “الظاهرة والأثر”، وها هي السينما تبدأ عقد السبعينات الذي شهد حرب تشرين 1973 بإنشاء مؤسسة عامة للسينما، أخذت على عاتقها في بلد لا يكاد يخرج من حرب حتى يدخل أخرى، أن تكون الصوت الحكومي لهذا الفن الذي غَيّر وجه العالم، وها هي الرواية السورية تحقق حضورا لافتا على الساحة المحلية والعربية، حتى صارت العديد من الروايات المحلية، هي البنية القوية التي تتكئ الدراما عليها – التلفزيونية منها بشكل خاص -، ما جعلها متاحة لعدد أكبر بكثير من الجمهور الذي صار يشاهدها كمسلسلات مثلا عوض قراءتها، رواية “نهاية رجل شجاع” للروائي السوري الفذّ “حنا مينا” لم يعرفها معظم الجمهور قبل تحويلها لعمل تلفزيوني تابعه الجمهور بشغف تسعينات القرن حمل العنوان نفسه. 

اليوم صار عمر الحرب 10 أعوام، فهل كان حال السوريين فيها كحال أجدادهم بحضارتهم السورية التي لم تنقطع عن مسيرتها الحضارية منذ تكوينها؟ هل قدموا ما عليهم تقديمه للوطن الذي تغنى معظمهم به في ماض ليس بالبعيد؟ وهل ارتقى ما قدموه خلال الحرب من شعر ورواية ومسرح وسينما وتلفزيون إلى ما يمكننا اعتباره ساهم بشكل فعال في التخفيف من حدة العاصفة التي قررنا ألا ننحني لها؟

في الحقيقة وببالغ الأسف، لا لم يحدث هذا، وبشهادة العديد من أهل الفكر والدراية والخبرة، ومن أين سيأتي الإبداع والتخطيط السليم والتفكير العقلاني ونحن حتى اللحظة لا تزال ”الواسطة” والمحسوبية والمنفعة المتبادلة هي من تحكم عمل مؤسساتنا، ومن لا يرى من الغربال أعمى، فالتدهور والتآكل الحاصل فيها لا يعود لعقد من الزمن، بل لأكثر من ذلك، وليست الحرب وأفعالها هي السبب، بل لمن  ينظرون إلى المنصب على أنه “سوبر امتياز” وليس مسؤولية، فلا الخبرة ولا التعليم ولا الموهبة المصقولة بالمعرفة عموما هي المطلوبة لدينا في مختلف القطاعات، وفي أشدها خطورة كالقطاع الإعلامي وما يدور في فلكه مثلا، بل يكفي أن تكون الواسطة حاضرة والوجه الحسن بشوشا و ”الخضرة والماء” ينوب عنها حوض السمك ونباتات الزينة! وليمشي بهذه الوصفة التي صارت من تراثنا، حتى الحال المكرسح، وأنه لمن الغريب فعلا والمريب والذي لا يمكن فهمه أن نجد صاحب العقل والفكر والموهبة، يجلس بلا عمل في الوقت الذي نرى السطحي والساذج والغر من مراهقي الثقافة والفكر والإعلام هم من يتصدرون الواجهة في كل ما سبق ذكره، أما نتاجهم فحدث ولا حرج عن الفشل الذي زاد الهوة بين وسائل أعلامنا والناس، وما على المشكك إلا أن يسأل أهل بيته أولا!  

للمرة الألف ربما، أما آن لنا أن نتعلم من الكوارث التي أوصلنا العديد منها إلى ما نحن عليه الآن؟ أم أن هذا البلد محكوم بلعنة مافيات الواسطة والعلاقات العامة والخاصة التي صارت أهم من أهم شهادة علمية مهما علا شأنها، يمكن لأي شيء أن “يتظبط ” بما سبق ذكره، أما الفنون والأعلام، فهذه أثرها تدميريا لكل ما للكلمة من معنى قاس، ولا يجوز تحت أي “لوفكة” اللعب بها، وواقع الحال عن ترديها المخزي خير دليل، محطات فضائية رسمية لا يتابعها حتى من يعمل بها، جرائد يمكن أن تنهي الجريدة منها بـ5 دقائق، وستكون من أصحاب الحظ السعيد إذا كانت حتى الكلمات المتقاطعة صحيحة، فما بالنا بمحتواها الذي أفقدها مصداقيتها وتأثيرها، عمل إعلامي اعتباطي بأنواعه، برامج مكررة حدّ السأم بل ويتجاوزه، أعمال درامية في الدرك الأسفل، أفلام سينمائية لا يراها إلا كل طويل عمر، وإن سألت الجمهور عن رأيه في الفيلم “س” فلا تستغرب أن يخبرك بأنه لم يسمع به، وأخر فيلم سوري شاهده هو إما “الحدود” أو “ليالي ابن آوى”، منابر ثقافية معطلة إلا عن أسماء بعينها، مدراء لمؤسسات إعلامية إما بلا شخصية أو رأي ويريدون أن تمشي أمورهم وإلى جهنم كل ما دون ذلك، أو لا علاقة لهم بالشأن الإعلامي ومن “بركة” جهلهم يصبح من لا يعرف أن يكتب أو يقول رأيه –في حال كان لديه-في واجهة المشهد وخذوا على كوارث ومصائب على كل ضرس لون كما يُقال، دماء فاسدة تُرفد بدماء جاهلة ويستمر الخراب ثم الخراب والخراب.

المشهد الثقافي السوري لم يكن ناصعا عموما، لكنه اليوم حتى توصيفه بات من الصعب المستصعب، نفق طويل ومظلم والمصيبة أن لا لمعة ولو خادعة في نهاية هذا المسلسل الذي يمكن أن نسميه “مسلسل الخراب” أما الأجزاء منه فحدث ولا حرج.

مجلة قلم رصاص الثقافية

عن تمّام علي بركات

تمّام علي بركات
صحفي وناقد سوري، مواليد العاصمة دمشق، يكتب في مختلف الدوريات المحلية، وفي العديد من الصحف والمجلات الأدبية والمواقع الإلكترونية العربية والمحلية المتخصصة، له ديوان شعري صادر عن وزارة الثقافة عام 2015 بعنوان: (الآخرون ميتون على الحواف)، وله كتاب تحت الطبع بعنوان: (أحوال شخصية).

شاهد أيضاً

دمشق 2020: كلّ هذا الهلاك

لا احصاءات تخصّ دمشق 2020، فالمدن المنكوبة لا تحتاج إلى فواتير لقياس منسوب الجحيم. بلاد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *