<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>يوميات رصاص &#8211; مجلة قلم رصاص الثقافية</title>
	<atom:link href="https://www.qalamrsas.com/archives/category/%d9%8a%d9%88%d9%85%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d8%b1%d8%b5%d8%a7%d8%b5/feed" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://www.qalamrsas.com</link>
	<description>رهان أخير على دور الفكر الحر والمسؤول في إعادة بناء الوعي واستعادة منظومة القيم، &#34;على قلم وساق&#34; من أجل ثقافة هدفها الإنسان.</description>
	<lastBuildDate>Tue, 31 Mar 2020 21:47:12 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=5.4.18</generator>

<image>
	<url>https://www.qalamrsas.com/wp-content/uploads/2022/03/cropped-لوغو-قلم-رصاص-اذار-2022-1-2-32x32.png</url>
	<title>يوميات رصاص &#8211; مجلة قلم رصاص الثقافية</title>
	<link>https://www.qalamrsas.com</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>وللمُدُنِ مَذاقاتٌ مُختلفة كما فَاكِهة الجَنّات (6)</title>
		<link>https://www.qalamrsas.com/archives/8530</link>
					<comments>https://www.qalamrsas.com/archives/8530#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[آنــا عـكّـاش]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 31 Mar 2020 20:45:05 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[يوميات رصاص]]></category>
		<category><![CDATA[آنا عكاش]]></category>
		<category><![CDATA[صوفيا]]></category>
		<category><![CDATA[مجلة قلم رصاص]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://www.qalamrsas.com/?p=8530</guid>

					<description><![CDATA[<p>6 ـ صوفيا.. اسمها القديم &#8220;سيرديكا&#8221; أي القلب، بسبب موقعها الجغرافي وسط شبه جزيرة البلقان حيث يلتقي الشرق بالغرب. مدينة الكنائس بقبابها الذهبية، القرميدية والخضراء.. صغيرة وهادئة تحتضنها مجموعة من الجبال التي تحيط بها وكأنها تعانقها كي لا تصاب بأذى، تماماً كما يحتضن قاسيون امرأته دمشق المسترخية على سفحه. ***** تقول الحكايا الشعبية والأساطير المتناقلة &#8230;</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/8530">وللمُدُنِ مَذاقاتٌ مُختلفة كما فَاكِهة الجَنّات (6)</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: justify;"><span style="color: #000080;"><strong>6 ـ صوفيا..</strong></span></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>اسمها القديم &#8220;سيرديكا&#8221; أي القلب، بسبب موقعها الجغرافي وسط شبه جزيرة البلقان حيث يلتقي الشرق بالغرب.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>مدينة الكنائس بقبابها الذهبية، القرميدية والخضراء.. صغيرة وهادئة تحتضنها مجموعة من الجبال التي تحيط بها وكأنها تعانقها كي لا تصاب بأذى، تماماً كما يحتضن قاسيون امرأته دمشق المسترخية على سفحه.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><span style="color: #ff0000;"><strong>*****</strong></span></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>تقول الحكايا الشعبية والأساطير المتناقلة شفاهاً بأن دمشق اليوم تقوم فوق سبع طبقات من مدن، تشهد على ذلك الآثار وخزانات المياه الجوفية التي تتكشف بين فترة وأخرى أثناء الحفر، مما أعاق إتمام مشروع المترو المقترح منذ سنوات بعيدة خوفاً على ذلك التاريخ المختبئ تحت تربتها، وكأن دمشق 2020 سيسيئها ذلك، دمشق التي لم يتبق من تاريخها وتراثها سوى اسمها، وبضع حارات قديمة تحيط بالأموي وذلك الياسمين الذابل المغبرّ، نتباهى به في لحظات الرومنسية والحنين على حساب العشوائيات وأحزمة الفقر، وتلك الكتل البيتونية التي طعنت قلبها متناسية التاريخ لتناسب الاستثمارات الخليجية ما قبل وقوع الحرب.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وعلى خلاف دمشق، تكشف صوفيا الحديثة عن المدن التي بُنيت فوقها من خلال محطات المترو وأنفاق المشاة وكأنها متاحف مفتوحة، فنشاهد أجزاء من المدينة الرومانية ذات الطابع الهندسي المعماري نفسه كما دمشق والإسكندرية من حيث الشوارع المتقاطعة التي تصل بين أربعة أبواب تحدد الاتجاهات السماوية، أهمها الباب الشرقي الذي يستبشر به الرومان في بناء مدنهم لتطل منه على تمطّي الشمس حين تستيقظ وراء الأفق.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>من الأشياء المذهلة فيها وجود آثار مدرج روماني دائري خارج أسوارها استُعمل للصراعات بين المجالدين والوحوش، ويُقال بأن قطره أصغر بعشرة أمتار من الكوليسيوم الموجود في روما. جزء منه مكشوف للعرض داخل أحد الفنادق القريبة من معهد غوته.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أحب المدرجات الرومانية، ربما بسبب تخصصي في المسرح، لذلك أتحدث عنها كثيراً.. وأحب المقارنة بين المدن، والنبش في خصوصياتها لأتمكن من تذوقها والإحساس ببعض إيقاعها، فللمدن إيقاعات تماماً كما الموسيقى والريح. </strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>تقطع صوفيا أنهار ثلاثة، ليست صاخبة ولا هادرة، بل هادئة وخجولة، تمر فوقها جسور مزينة بتماثيل جميلة كجسري النسور والأسود.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>جميلة تلك المدن التي تسكن تضاريسها الأنهار لتسكب عليها من خصوصيتها.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>استغرب من نفسي علاقتي بالماء، وسؤالي المتكرر كلما زرت مدينة جديدة:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ هل فيها نهر؟ ما اسمه؟ </strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وتفاصيل كثيرة قد تبدو غريبة لمن أسأله عنه.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>دمشق فيها نهر أيضاً، يتفرع بأسماء مختلفة وسط ما تبقّى من تضاريسها. لكن أظن أن لا علاقة روحية بيني وبينه، وليس &#8220;بردى&#8221; هو سرّ ولعي بالأنهر بل &#8220;الفرات&#8221;، أعظم أنهار الدنيا وأقدسها بالنسبة لي لأنه جزء من ذاكرة طفولة بعيدة قرب ضفافه، وليس لأنه واحد من الأنهار الظاهرة في الجنة رغم طعم مائه الأطيب من طعم &#8220;زمزم&#8221;.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>في صوفيا أيضاً ينابيع مياه معدنية حارة ذات مذاق كبريتي كانت حيزاً استثمارياً جيداً أثناء النظام الشيوعي السابق. معمارها خلطة بهارات حلوة تمزج بين الهندسة المعمارية الأوروبية مع العمارة الهندسية الشيوعية، إضافة إلى العمارة الإسلامية كالمسجد الذي بناه المعماري العثماني سنان، فهي المدينة الأوروبية الوحيدة التي تجتمع فيها مراكز الأديان السماوية الثلاث ضمن محيط واحد متقارب في تناغم وانسجام.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لا خصوصية لقهوتها، اكسبريسو ونسكافيه، ولا طقوس خاصة بشربها إلا إن كانت برفقة جيدة وأحاديث مثمرة بينما نشربها.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أحببت كثرة حدائقها ومنتزهاتها، جلست فيها طويلاً لا أفكر بشيء سوى الأخضر الذي يحيط بي، ورغم عريّ الكثير من أشجارها أنستُ إليها، فلدي نقص داخلي بسبب قلّة الأشجار في دمشق. أفكر: لو يزرع كل منا شجرة قرب بيته، ستخضرّ حياته كلها. لا أعرف.. لم نكره الأشجار إلى هذا الحد؟ قصصنا الغوطة وقضينا عليها دون عودة، وأهملنا ما تبقى من أشجار وأمتناها عطشاً، نقشنا عشتار قبيحة على إحداها فحكمنا عليها بالإعدام الفوري، كوّمنا زبالتنا قرب جذوعها، كسرنا أغصانها واعتبرناها مجرد حطب ميت، لا أصل حياة.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>في وسط صوفيا شارع كامل فتح فيه العرب دكاكينهم، جنسيات مختلفة، فلسطينيون وأردنيون وسوريون، فرن لمناقيش الزعتر، مطعم كباب عراقي، بائع أراكيل، حلاق، ودكاكين سمانة. انظر إلى المنتوجات المعروضة في الواجهة بذهول، كأنني لم أغادر سوق الحميدية متراً واحداً، ألتقط صورة للواجهة التي يعرض فيها شامبو سنان للقمل قرب عبوة لزيت فاتيكا للشعر. في الداخل رُصف صابون غار حلبي قرب عبوات من بن الحموي ومنتجات الدرة الغذائية. أحاول أن أعرف جنسية البائع من لهجته فأعجز. فلسطيني من غزة، يشكو من صعوبة الحصول على بعض المنتجات السورية بشكل مباشر بسبب حربنا، يستوردونها عن طريق الأردن. لا يبدو متحمساً كثيراً لذهولي وأنا أشم رائحة توابل سوق البزورية في دكانه، فأنصرف متمنية له يوماً جميلاً.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الطقس متقلب، ربيعي تارة وفي اليوم التالي يفاجئك بهطول الثلج فتغير نمط ملابسك وأنت تتساءل إن كان التغير المناخي وارتفاع درجات حرارة الأرض سبب ذلك، أو ربما اختلال برمجة الطقس في جهاز الاندرويد الخاص بالله.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>في الشوارع تنصب النسوة بسطاتهن ليبعن الـ&#8221;مارتنيتسا&#8221;، وهي شرائط ملونة بالأبيض والأحمر ترمز إلى الأنوثة والذكورة، وخروج الأرض من الموت إلى الحياة مع بداية الربيع الذي يحتفلون به في اليوم الأول من آذار.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>بسطات على امتداد النظر، استعداداً لذلك اليوم الجميل. ورغم مظاهر الاحتفال، شعرت بثقل في قلبي بسبب العجائز اللواتي يقضين معظم اليوم على الرصيف على أمل أن يشتري أحد ببضع &#8220;ليفات&#8221;* ما صنعنه بأيديهن بحب. احزنني مظهر العجائز والأطفال المتسولين عند أنفاق المترو وعلى زوايا الطرقات، وتلك الشابات الغجريات السمر حاملات أولادهن الرضع تماماً كما في مدن كثيرة أعرفها.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أخبرني عبد الله قبل أن أسافر بأن الناس هنا حزانى، فرأيت ذلك أيضاً وأحسسته. فبلغاريا دولة أوروبية شرقية صغيرة تبعت المعسكر الاشتراكي سابقاً وحين نفضت شيوعيتها وانضمت إلى الاتحاد الأوروبي أصيبت بالفصام، حاولت سلخ ما تبقى من وصمة الشيوعية بتدمير معالم تلك الفترة  وتشويهها وكأن تحطيم تمثال سيمحي التاريخ. ورغم ذلك لم تستطع نيل رضا أوروبا الغربية الامبريالية والرأسمالية بجيناتها ذات العرق المتفوق، المتحكمة في اقتصاد والسياسات الخارجية والداخلية لجيرانها من الدول الأوروبية الشرقية المنبوذة.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>فاجأني أصدقائي المسرحيين في الأول من آذار، ربطت ميلينا المارتنيتسا على رسغ يدي وتمنت لي الكثير من الأمنيات الجميلة التي ما كنت لأحلم بها، شعرت بدفء أمنياتها النابعة من القلب، دمعت عيني وتعانقنا. أخبرتني أن علي أن أربط المارتنيتسا في نهاية آذار على غصن شجرة مزهرة ليعم الخير والسلام والصحة، وهذا ما فعلته لاحقاً حين فككت عدة شرائط مارتنيتسا عن رسغي وعلقتها على أغصان نباتاتي في شرفة منزلي مع بدء الحجر المنزلي بسبب الكورونا.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><span style="color: #ff0000;"><strong>*****</strong></span></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أدمنت الحدائق، أجلس على مقعد في حديقة قرب &#8220;سوق النسوان&#8221; أدخن سيجارتي واصفن في الوجود والكون، أراقب باعة الخضار والفواكه وزبائنهم، البضاعة الصينية التي تغزو الكوكب بأكمله معلقة خارج المحلات تحركها الريح كأعلام ملونة، سوق شعبي يذكرني بأسواقنا في بلداننا العربية فلا أشعر بالغربة، يسري فيه مفهوم &#8221; المفاصلة&#8221; على السعر باستخدام التكتيك نفسه الذي أعرفه وأتقنه جيداً، إن لم تتفق مع البائع على السعر تتظاهر بالمغادرة، فيرمي في أثرك السعر الذي تريده أنت، اشتري فقط.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>مرت بقربي امرأة في الستين من عمرها وطلبت سيكارة، أعطيتها واشعلتها لها، جلست قربي على المقعد وعرفتني عن نفسها:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ مايا..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>تحادثنا بلغة هي مزيج بين الإنكليزية والروسية، سألتني أين اسكن، فأجبت. اختلفت تعابير وجهها وهي تنظر إلي، عرفتني عن نفسها مرة أخرى وسألت إن كان لدي عنوان بريدي. أخبرتها أن لا عنوان بريدي لدي، لكن يمكنني أن أعطيها رقم الهاتف. رفضت وسألتني عن عنواني مجدداً لأنها تريد أن ترسل لي رسالة، أخبرتها أن بريدنا ما عاد يعمل بسبب الحرب، سألتني إن كنت أحمل ورقة وقلم ثم كتبت لي عنوانها، بعدها نهضت وطلبت أن نلتقط صورة لنا سوياً، وقبل أن تغادر أخبرتني باسمها مرة أخرى:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8211; مايا..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ما زلت احتفظ بعنوانها في حقيبتي، وإن مررت قرب بريد الحجاز يوماً سأسأل إن كان يعمل، وسأرسل لها رسالة بالتأكيد مع طوابع جميلة إن أمكن أن أجدها.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>فكرت بالوحدة التي تشعر بها، وبرغبة انتظار رسالة من شخص غريب سيذكّرها بوجودها هي. عادت بي الذاكرة إلى بهجة استلام الرسائل حين كان البريد وسيلة التواصل المعتمدة بين الناس في زمن مضى، زمن جميل مختلف عن زمننا الآن.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أحاول الاختباء من المطر المفاجئ وندف الثلج، أسير تحت الشرفات كي لا ابتلّ، أتوقف عند واجهة محل يبيع جوارب ملونة وانتظر على أمل أن يتوقف الثلج ولو قليلاً، أقف وانظر إلى لا شيء أمامي، فتشير لي المرأة التي في الداخل وتدعوني للدخول. أتحجج برغبتي في شراء زوج جوارب ملون، لا تفهمني حين كلمتها بالإنكليزية، أكلمها بالروسية فيشرق وجهها وتخبرني أنها من الجيل القديم الذي لا يتحدث الإنكليزية بل الروسية، تلك اللغة الشيوعية الاستعمارية، طبعاً هي لم تقل هذه العبارة بل أضفتها أنا، أما ابنتها المراهقة ورغم أنها تدرس في مدرسة روسية إلا أن علاماتها سيئة جداً لأن تفكيرها منصرف إلى أي شيء آخر عدا الدراسة. أصرف بعض الوقت في الحديث ولكن الثلج لا يتوقف، فأشتري زوجاً من الجوارب المضحكة وأغادر متمنية لها يوماً طيباً.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أمهات ذوي الاحتياجات الخاصة معتصمات رغم الثلج منذ سنوات حسب ما فهمت، ينمن بورديات في خيم مرتجلة أمام مبنى البرلمان يطالبن بزيادة المخصصات الحكومية لأطفالهن.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>في يوم آخر شاهدت من نافذة الترمواي اعتصاماً للممرضات بسبب سوء الأجور. ورغم الوداعة التي تبدو عليها البلد إلا أن لها تاريخاً بالاحتجاجات الشعبية ضد فساد الحكومة، ففي عام 2011 احرق أحدهم نفسه احتجاجاً، أي لم يكن البوعزيزي فقط هو من احرق نفسه، بل سار الكثيرون على خطاه في منطقة جغرافية أخرى آملين في ثورة أو تغيير جذري حتى بلغوا الستين شخصاً خلال عشر سنوات، لكن دون جدوى.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><span style="color: #ff0000;"><strong>*****</strong></span></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لم أستطع إكمال العرض المسرحي فخرجت، اشعلت سيكارة منتظرة خروج أصدقائي. يسألني الحارس المسؤول عن أمن المسرح إن كنت قد أحببت العرض فأجيبه بالنفي، يشاركني الرأي ويبدأ بشرح وجهة نظره بالبلغارية، لا أفهم ما يقول وهو لا يفهم الإنكليزية، نتكلم بلغتين محاولين اكتشاف الكلمات المتشابهة لنصل إلى تفاهم ما، يسألني من أين أنا.. فأجيب.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ هناك حرب.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>يقول لي، فأحرك رأسي بالإيجاب.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>تدمع عيناه، تتدحرج دمعه فيمسحها بكفه الخشنة، نتحدث في السياسة والانهيار الاقتصادي فتنهمر الدموع على خديه أكثر تواتراً يمسحها بطرف كمّه.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>يسألني:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ كيف ستعودين إلى هناك، ألا تخافين؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ابتسم، ينظر إلي مطولاً ويعتذر لأن أعصابه ضعيفة ولا يستطيع كبت انفعاله، ثم.. يستسلم لنوبة بكاء حقيقية.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ارتبك أمام تلك العاطفة، لا أعرف كيف أواسيه، كيف أقول أننا اعتدنا، لكني أحاول فألمس كتفه مواسية.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>تمر أمامنا مجموعة من الأثرياء الجدد متجهين إلى مطعم قريب، يتابعهم بطرف عينه ثم يقول:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ </strong><strong>يلف بوجهه عني كي لا أرى قهره أكثر.</strong></p>
<p><strong>ثم يقول:</strong></p>
<p><strong>ـ هذه البلاد ليست لنا.. نحن الفقراء..</strong></p>
<p><strong>يلف بوجهه عني</strong></p>
<p>&nbsp;</p>
<h5 style="text-align: justify;"><span style="font-size: 12pt; color: #000080;"><strong>* الليفا: العملة المحلية البلغارية.</strong></span></h5>
<p style="text-align: left;"><a href="https://www.qalamrsas.com/"><span style="color: #800000;"><strong>مجلة قلم رصاص الثقافية</strong></span></a></p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/8530">وللمُدُنِ مَذاقاتٌ مُختلفة كما فَاكِهة الجَنّات (6)</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://www.qalamrsas.com/archives/8530/feed</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>وللمُدُنِ مَذاقاتٌ مُختلفة كما فَاكِهة الجَنّات (5)</title>
		<link>https://www.qalamrsas.com/archives/8097</link>
					<comments>https://www.qalamrsas.com/archives/8097#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[آنــا عـكّـاش]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 03 Nov 2019 09:15:34 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[يوميات رصاص]]></category>
		<category><![CDATA[آنا عكاش]]></category>
		<category><![CDATA[تونس]]></category>
		<category><![CDATA[سورية]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://www.qalamrsas.com/?p=8097</guid>

					<description><![CDATA[<p>5 ـ تونس.. المدينة التي تستيقظ قبل بزوغ الفجر وتموت في السابعة مساء إلا قليل. مدينة الطقس المتقلّب كفصول أربعة في يوم واحد، باردة صباحاً، مشمسة وحارة في الظهيرة، تسودّ السماء وتغيّم فجأة فتهطل خيوط مطر يتحول بدقائق لسيول وطوفان نوح، تهب ريح تقتلع الشجر لتُبعد الغيم فتسطع الشمس مجدداً وتجف الشوارع في لحظات. هكذا هي &#8230;</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/8097">وللمُدُنِ مَذاقاتٌ مُختلفة كما فَاكِهة الجَنّات (5)</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: justify;"><span style="color: #000080;"><strong>5 ـ تونس..</strong></span></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>المدينة التي تستيقظ قبل بزوغ الفجر وتموت في السابعة مساء إلا قليل. مدينة الطقس المتقلّب كفصول أربعة في يوم واحد، باردة صباحاً، مشمسة وحارة في الظهيرة، تسودّ السماء وتغيّم فجأة فتهطل خيوط مطر يتحول بدقائق لسيول وطوفان نوح، تهب ريح تقتلع الشجر لتُبعد الغيم فتسطع الشمس مجدداً وتجف الشوارع في لحظات. هكذا هي تونس شتاء، أما في الصيف فلا جديد سوى الشمس، تتسرب أشعتها عبر ثقب الأوزون فتحوّل الأرض إلى جحيم حارق، كبروفة على وجهة سفرنا في الآخرة.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>بيني وبين تونس ألفة، أشتاقها، فقد سكنتها لشهور ولا أتحدث عنها هنا من وجهة نظر سائح زارها لأيام.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أحب عمارتها الشاهدة على تاريخ الاستعمار، وتنوع تصميمها العمراني بحسب جنسية المستعمر. كل بناء فيها تحفة متحفية مستقلة بزخارفه وأسُوده ووجوه الآلهة الحيادية التي حفظت عيونها صور وجوه أجيال من المارة في الشوارع التي تطل عليها يومياً، فتعرف خفايا الليل وأحداث النهار. أبنية جميلة آيلة للانهيار متروكة دون ترميم، تظهر تحت طلائها المقشور قطع الطوب الأحمر الذي بنيت منه، تتهاوى شرفاتها على المارة أحياناً، وتسقط وجوه آلهتها على الرصيف وكأنها تعبت من الحياة وما عادت راغبة بالنظر.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>تونس بنتٌ ساحلية كالإسكندرية تلاعب الريح المالحة شعرها وطلاء أبنيتها، لكنها لا تطل على البحر، وعليك حين تشتاقه أن تذهب إليه، فلن تلمحه صدفة مهما حاولت، وكذلك &#8220;بو قرنين&#8221; على الجهة المقابلة للمدينة، عليك أن تسمو.. لتراه.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ملونة بالأبيض والأزرق، لون الغيم والبحر، تذكرك بهما كي لا تنسى مكانك في قلبها.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>غيمها كالسِحر، لا سماء في العالم لها مثله، يلقي تعاويذ سحره عليك فتُذهل كيف علّقه الله  بخيوط مخفية مثبّتة في بيته حيث يسكن في السماء السابعة وأنزله فوق تونس.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أسوار وأبواب مدينتها العتيقة لم يبنها اليونان والرومان كما دمشق والإسكندرية، لذا فتخطيط المدينة لا يشابه تخطيط المدن اليونانية والرومانية من حيث أسلوب المسقط الشطرنجي تتقاطع فيه الطرق طولاً وعرضاً في زوايا قائمة وتتواجد فيه المساحات بشكل منتظم عند تقاطعات الطرق الرئيسية.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أكثر من عشرين باباً لم يبق منها سوى خمسة، باب البحر الذي سمي كذلك لأنه يُفتح باتجاه البحر أو بحيرة تونس، باب الجديد، باب العسل، باب الخضرا، وباب سعدون المهيب ذو الفتحات الثلاث.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أما أبواب بيوت المدينة القديمة فتتلون بألوان نارية وتزخرفها مسامير معدنية مدقوقة في خشبها. تتفرع حاراتها الضيقة كشرايين الجسد لتقودك من مكان لمكان تظنه متاهة بادئ الأمر لكن ما أن تألفه حتى تتحرك بوصلته الجغرافية داخلك، فتسير نحو وجهتك خفيفاً وكأنك تطفو دون قلق من أن تضل الطريق.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>زرت جامع الزيتونة مرة لم أكررها، ليس لأنني لم أحب عمارته أو طقس زيارته، بل بسبب الوقت. زرته حينها بطلب من الحجة أم حسين قبل أن يتوفاها الله، فقد كان لها معه ذكرى جميلة حين زارت أخاها رضوان في تونس التي خرج إليها مع من خرج من الفصائل الفلسطينية من بيروت مع ياسر عرفات عام 1982.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أعرف تونس ما قبل الثورة وما بعدها، وأذكر جيداً انطباعي عنها حين تعرفت إليها أول مرة. </strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لفتتني الملابس حينها، رمادي وأسود وبني، وكأن الجميع في &#8220;يونيفورم&#8221; واحد ميز كتلة البلدان الاشتراكية سابقاً، قبل سقوطها. وجوه حيادية دون لون، خاصة الصبايا، غالباً دون مكياج، ونادراً ما تلاحظ استثناء ملوناً عن هذه القاعدة.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لون الملابس تغير بعد الثورة، فصرت أصادف الألوان الزاهية أكثر، الوجوه مضيئة، فساتين خفيفة مفتوحة بمقابل نسوة يرتدين النقاب ورجال في سراويل قصيرة ولباس أفغاني وشوارب محفوفة. لم استنكر هذه الظاهرة على خلاف أصدقائي التوانسة فقد كانت جديدة عليهم، أما نحن فاعتدناها في دمشق المكتظة بقبيسياتها ومدارسها الدينية منذ عقود.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>يقطع الـ &#8220;ميترو&#8221; الأخضر الجميل شارع الحبيب بورقيبة آتياً من شارع روما، لاوياً خاصرته عند تمثال ابن خلدون ماراً قرب السفارة الفرنسية إلى محطته النهائية في &#8220;برشلونة&#8221;، ملصق الدعايات يلون عرباته بالأحمر ويكاد يخفي لونه الأصلي.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ماذا لو لم يجتثوا عام 1962 سكة الترمواي من طرقات دمشق المبلطة بالحجر البازلتي؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ماذا لو لم يتوقف القطار البخاري المنطلق من محطة الحجاز قاطعاً ساحة الجمارك حيث سكته مدفونة في الإسفلت حتى الآن، متجهاً من الربوة ودمر نحو الزبداني؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>كيف لأصبحت دمشق في ذاكرتنا يا ترى؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>*****</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لكل مدينة طقوس قهوتها، ولتونسَ &#8220;الألونجيه&#8221; و&#8221;الديريكت&#8221; اللتان لا أحب شربهما لأنهما مخلوطتان بالحليب. الحقيقة لا أميز بين الواحدة والأخرى، رغم الجهود التي بذلها أصدقائي ليشرحوا لي الفرق، فهمت فقط أن واحدة كأسها أطول من الأخرى لكن المكون هو واحد، لكن أيها؟ لغز يحيّرني حتى الآن، فأنا لا أعرف إلا القليل من الكلمات الفرنسية رغم ما بذلته لتعلّم هذه اللغة ذات القواعد المعقدة والأفعال الشاذة التي تشكل معظم أفعال اللغة الفرنسية وتحتاج إلى حفظ. لم أفهم ما الذي دفع الفرنسيين لاختراع كلمات مكونة من عشرة أحرف طالما سيتم &#8220;قرط&#8221; الحروف الخمسة الأخيرة حين التلفظ بها، ولم أستطع أيضاً الإحساس بفارق اللفظ بين الأحرف الصوتية. ما علينا من اللغة، لنعد إلى القهوة.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>هناك أيضاً &#8220;الاسبريسو&#8221;، الذي ثبّت على مر السنوات قناعة راسخة لديّ بأن القهوة في تونس مجرّد عيّنات في قعر الفنجان لا تسدّ حاجتي من الكافيين الصباحي. أطلبه مضاعفاً مرتين، ثم أطلب واحداً آخر مضاعفاً أيضاً.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لسنوات، وكلما زرت تونس رفضت شرب &#8220;الأميريكان&#8221;، فهي مرتبطة في ذاكرتي بتلك القهوة الماصلة التي أعرفها من دمشق وبيروت، لا طعم لها، لا لون، ولا رائحة، ميزتها الوحيدة أنها تُقدّم في كأس أو فنجان كبير جداً. لكن في آخر زيارة قلبت هذه &#8220;الأميريكان&#8221; المعدّلة جينياً موازين قناعاتي بكون القهوة التونسية مجرّد عيّنة، وأجبرتني على احترامها.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أحب أيضاً القهوة العربي التي تصنعها لي سميرة فتضيف إليها بمحبتها قطرات من ماء الزهر، نجلس في مطبخها الصغير في اللافاييت، أدخن وأشرب قهوتي بينما تحضّر الفطور* وننتظر حضور قيسالة المشغولة على الدوام. تطلب سميرة أن انتقل من الفندق إلى بيتها كي لا أبقى وحدي، فصديقتي إكرام التي أنزل في ضيافتها عادة ليست في تونس هذه المرة.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>-منحبّش تقعد وحدك.. إيجا بحذاي..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أخجل، فتصرّ، حتى أن قيسالة تقترح أن تأتي لتساعدني في نقل حقيبتي إلى بيت سميرة.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وفي الفندق، أودّع القطة السوداء الهزيلة، تتمسّح بقدميّ بينما يُسمع مواء صغيرها عالياً من الطابق الثاني.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>في أول يوم في الفندق تشممتني وجلست قربي، ثم قفزت إلى حضني ونامت.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>سألت خولة التي تعمل في الاستقبال عنها وعن الصغير الذي يموء في الطابق العلوي ويشبهها كقطرة ماء فأخبرتني بأنه ابنها. استغربت، لم ارها يوماً ترضعه أو تبقيه قربها، فشرحت لي خولة أن أمه ولدته وهي مجرد طفلة أيضاً، أثداؤها صغيرة لا تستطيع إرضاعه، لذا يتناوب على إطعامه كل من يعمل في الفندق.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أخرج إلى الشارع مع حقيبة سفري، أكاد لا ألاحظ مخفر الشرطة الذي بات في الصباح هادئاً غير مرئياً، على خلاف الضجيج والصراخ يحمله الليل، فأتساءل وأنا أنهض من سريري في الفندق لأطل عليه من الشرفة، ما سبب المشكلة التي حصلت اليوم وتستدعي كل هذا الصراخ.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>*****</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>سأعترف.. علاقتي مختلّة مع الله لأسباب شخصية.. لكنني ممتنة له على كل الأشخاص الجميلين الذين رسمهم في حياتي، أناس غمروني بفيض من محبة أغرقتني حتى خجلت.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لم استطع توديع الأستاذ عمر قبل السفر، رجل سبعيني تعرفت إليه حين قدمت عرض &#8220;هن&#8221; في تونس منذ أكثر من عام، أب جميل، رائق وهادئ، يشبه بابا. جلست في المقعد المخصص لي في الطائرة وأنا أنظر إلى المطر عبر النافذة في السابعة صباحاً، صبية نادتني باسمي فاستغربت، أعطتني علبة وقالت أنها أمانة. فتحتها، فوجدت فيها ورقة من الأستاذ عمر يتمنى لي رحلة سعيدة، بكيت وغرقت في خجلي لأنني لم أودعه، فأتى إلى المطار من إحدى ضواحي تونس البعيدة قبل أن تطلع الشمس، ورغم المطر ليوصل علبة الحلو لي.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>خالد، قطع الطريق من القيروان لنقضي يوماً معاً نتذكر من نحبهم في سوريا ومن لا نحبهم أيضاً.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>*****</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ترهقني تونس بإيقاعها اليومي، فنحن الشرقيون غير معتادين عليه، نستيقظ بتكاسل ونمارس أفعالنا اليومية بتكاسل أيضاً، أما هنا فتضطر أن تساير إيقاع البلد لتصبح جزءاً منها وتدرك تماماً ما يعنيه &#8220;الأمبوتياج&#8221;** و&#8221;البراكاج&#8221;***.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الوضع الأمني متوتر، لكنني معتادة على الأمر، فبعد جولة الانتخابات الرئاسية الأولى والخيبة التي أعقبت النتائج، وسيل الاتهامات والإدانة لمن قاطع الانتخابات فأوصلت قيس سعيد ونبيل القروي إلى القائمة النهائية وكلاهما لم يتم الاتفاق عليهما من قبل من أعرفهم من أصدقاء، يبدو حزبي الرحمة والنهضة في أحسن حال وقد نصبا خيمهما الانتخابية وسط &#8220;شارع فرنسا&#8221; منادين بمكبرات الصوت عن برامجهما الانتخابية. جلست قليلاً في ساحة باب البحر أدخن سيجارتي واستمع إلى الخطبة التي يلقيها مرشح حزب الرحمة بمكبر صوت مسجلة على شريط. أحسست وكأنني عالقة وسط خطبة الجمعة فانسللت باتجاه &#8220;المنجي سليم&#8221; إلى &#8220;الحفصية&#8221; لأضيع في شوارعها.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>تذكرني الحفصية بسوق الحميدية في دمشق، الأزقة ذاتها وكذلك المعروضات وطريقة البيع.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>-بدينار يا مرا.. القطعة بدينار..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>يصرخ البائع عبر مكبر الصوت فأتذكر أسواق عمان ودمشق.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>كم تشبه المدن نيجاتيف الأبيض والأسود للصورة ذاتها قبل التحميض، بالنسبة لي الأصل هي صورة دمشق في ذاكرتي، أما المدن فهي نيجاتيف صورة حيّ يحمل في أجزاء ثانية طعم الصباح والقهوة والروائح من دمشق، فأنسى مكاني الجغرافي للحظات وأتشوش.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أتت نتيجة الانتخابات التشريعية بخيبة أكبر لضعف الإقبال وتفوّق النهضة وتفرعاتها من أحزاب على نسب الأحزاب البرلمانية الأخرى.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>خيبة تذوّقتها مع جميع من أحب، سرت في جسدي رعشة، وأحسست كأن وطني نفسه قد خذلني، خذلتنا أوطاننا.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أشرد من نافذة سيارة التكسي، أطبع في ذاكرتي صور المباني الجميلة في &#8220;شارع الحرية&#8221;، سائق التكسي لا يكف عن الحديث عن الوضع السوري وقد التقط لهجتي، يسألني عن &#8220;باب الحارة&#8221; وما معنى &#8220;كسر الصفرة&#8221; فأشرح له ثم.. يباغتني بسؤال:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8211; ألم يكن من الأفضل لو تنحّى كما فعل مبارك وبن علي؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>فأصمت.</strong></p>
<p style="text-align: justify;">ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ</p>
<h5 style="text-align: justify;"><span style="color: #000080;"><strong><span style="color: #ff0000;">* الغداء</span> في التونسية الدارجة.</strong></span></h5>
<h5 style="text-align: justify;"><span style="color: #000080;"><strong><span style="color: #ff0000;">** الأمبوتياج:</span> الازدحام المروري.</strong></span></h5>
<h5 style="text-align: justify;"><span style="color: #000080;"><strong><span style="color: #ff0000;">*** البراكاج:</span> السطو والسرقة.</strong></span></h5>
<p style="text-align: left;"><a href="https://www.qalamrsas.com/"><strong><span style="color: #800000;">مجلة قلم رصاص الثقافية</span></strong></a></p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/8097">وللمُدُنِ مَذاقاتٌ مُختلفة كما فَاكِهة الجَنّات (5)</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://www.qalamrsas.com/archives/8097/feed</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>وللمُدُنِ مَذاقاتٌ مُختلفة كما فَاكِهة الجَنّات (4)</title>
		<link>https://www.qalamrsas.com/archives/8001</link>
					<comments>https://www.qalamrsas.com/archives/8001#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[آنــا عـكّـاش]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 26 Aug 2019 11:09:09 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[يوميات رصاص]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://www.qalamrsas.com/?p=8001</guid>

					<description><![CDATA[<p>4 ـ القاهرة.. لم يخطؤوا حين قالوا: إن &#8220;مصر هي أم الدنيا&#8221;، فمن لم يزر مصر أو لم يطّلع على تاريخها فاته الكثير من الغنى الداخلي والبصري من الصعوبة أن يملأ بلد عربي آخر فراغه.  لا يمكنني تشكيل انطباع كبير عن القاهرة فلم اقض فيها الكثير من الوقت، أستطيع القول فقط أنها مدينة لا تنام.. &#8230;</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/8001">وللمُدُنِ مَذاقاتٌ مُختلفة كما فَاكِهة الجَنّات (4)</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: justify;"><strong><span style="color: #000080;">4 ـ القاهرة..</span></strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لم يخطؤوا حين قالوا: إن &#8220;مصر هي أم الدنيا&#8221;، فمن لم يزر مصر أو لم يطّلع على تاريخها فاته الكثير من الغنى الداخلي والبصري من الصعوبة أن يملأ بلد عربي آخر فراغه. </strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لا يمكنني تشكيل انطباع كبير عن القاهرة فلم اقض فيها الكثير من الوقت، أستطيع القول فقط أنها مدينة لا تنام.. فبينما أتلصص عليها من نافذتي المطلة على الشارع المفضي إلى ميدان طلعت حرب، أتثاءب متعبة نعسة بينما جميع المحلات مفتوحة، والشوارع تزدحم بالمارة الذين لا ينوون الرجوع إلى بيوتهم بينما موعد نومي قد حان.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أقارن ازدحام أسواقها بأسواق دمشق في الحادية عشرة ليلاً في يوم عادي، فأتذكر الوقفة قبل العيدين وأيام رمضان، فترة كنا ننتظرها بشوق في سنوات الحريق بعد بدء الحرب بسنتين أو ثلاث، تعود فيها شوارع دمشق المقفرة تماماً في السابعة مساء بسبب الوضع الأمني وانقطاع الكهرباء إلى حالتها ما قبل الحرب، حيث تستمر الحركة حتى وقت متأخر من الليل رغم دوي القذائف.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أول ما فعلته حين وصولي القاهرة، ذهبت إلى ميدان التحرير. حاولت أن أعايش تلك الرهبة التي تابعناها يومياً على الشاشات، حاولت استرجاع ذاكرة آلاف أقدام النمل الصغيرة التي خطت على ظهري بخط قشعريرة طويل لكن لم أستطع.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لم أر الميدان، فقد كان مسوّراً بالكامل بلافتات التعديلات الدستورية الخاصة بمدة تولي الرئاسة، وكأنه بناء قديم سوّر استعداداً لهدمه.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لم أستطع رفع موبايلي لالتقاط صورة له، فالفضاء كان متوتراً والانتشار الأمني كثيف، ولكنني التقطت صورة لشجرة على محيط الميدان تستند بفروعها على منزل قديم ذو درفات أباجور خضراء، وحيدة، مزهرة بورود حمراء متفتّحة كالسِحر في ربيع ليس بعربي، تطلّ برأسها على كل ما حولها شاهدة على ما كان وما سيكون.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><span style="color: #ff0000;"><strong>*****</strong></span></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>سألت سائق التكسي عن برج طويل على الضفة المقابلة من النيل فأخبرني أنه برج القاهرة وعلي زيارته إن استطعت، فهو أطول من الهرم الكبير في الجيزة، ويطل على بانوراما كاملة للمدينة بأهراماتها وأبي هولها. لم يكن لدي وقت لمزيد من الدهشة، يكفي ذهولي وأنا استنتج من رؤيتي للـ Google Maps أن الزمالك التي طالما ألفنا اسمها في المسلسلات المصرية لدرجة أننا تخيلنا أن كل المصريين يسكنون فيها هي جزيرة صغيرة تختبئ بين تفرعين للنيل، الزمالك جزيرة؟ ما زلت أشعر بالدهشة.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>تذهلني جغرافية المدن وتضاريسها، أحاول كشف بعض أسرارها والتعرف إليها من خلال الخرائط لأتعرف على طرقها وانحناءاتها وابعادها، شرقها، غربها وجنوبها، لأتعرف على نفسي ومكاني فيها، لأشعر بالألفة وأنا استكشف حارات ضيقة قد تفوت الزائر العادي، أو ابن المدينة نفسها، تفصيل هنا وآخر هناك، ربما لم يلمحه أحد غيري.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>النيل مهيب، يقطع المدينة بمسطحات من مرايا تنعكس عليها أطراف أصابع الشمس فتتلألأ بنور كالذهب. رأيته سريعاً من نافذه السيارة، لم استطع تتبع انحناءاته، لكني تساءلت إن كان لتفرعاته أسماء كما لأفرع بردى.. لا أظن.. فقد استغرب السائق سؤالي حتى اضطررت لأحدثه عن تورا ويزيد وبانياس، المزاوي والديراني والقنوات والعقرباني* لأشرح له ما أريد أن أعرف.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وأنا أرى كل هذا الألق الأزرق حزنت على دمشق، مدينة منحها الكون هبة الماء لكنها جافة، تستلقي بين سبع فروع من فضة أكلها الزنجار فصارت رائحتها جيفة.. لم نمدّ أيدينا لنساعدها، لم نمدّ أيدينا لنحييها، نطعن قلبها على مهل بإهمالنا، بإسمنتنا، بعشوائياتنا، بفقرنا، وباستخفافنا بمقامها وتاريخها ومعالمها.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>من يبحث في دمشق الآن عن ياسمينه الدمشقي فلن يجده، لم تعد تلك دمشق التي طويناها بعناية في ذاكرتنا كحُلية ثمينة، وحفظنا روائح صباحاتها كأناشيد سليمان العيسى المدرسية، تلك البعيدة والقريبة في آن، محبوبة ومكروهة في ذات الوقت.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><span style="color: #ff0000;"><strong>*****</strong></span></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أما أرض اللواء فهي حكاية أخرى.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>اضطررت لإيقاف عدد من سيارات الأجرة قبل أن يقبل أحد سائقيها التوجه إلى هناك، وفي الطريق سألني الرجل بعدم ارتياح لمصيري المجهول في تلك الأرض:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8211; إيه يللي حتعمليه هناك؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8211; شغل.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أحس أن الموضوع هام، فعرض عليّ انتظاري ريثما انتهي مما أتيت أفعله في ذلك المكان ليعيدني معه، فاعتذرت. استغرب اعتذاري بينما أوجهه إلى الشارع المطلوب المرسوم أمامي على خريطة الموبايل.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>بنية معمارية مألوفة من العشوائيات، وطرقات ضيقة غير مزفتة أعادتني إلى تلك التي سرت عليها مئات المرات، حتى الدكاكين الصغيرة هي ذاتها، تختلف أحياناً أسماء شركات معروضاتها من بطاطا الشيبس ومساحيق الغسيل لكنها هي، صغيرة وفوضوية كدكانة &#8220;كانون&#8221; في أحد شوارع مخيم فلسطين في دمشق، يدخلها الأولاد ليشتروا طلبات أهاليهم أو شيئاً طيباً ليأكلوه.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأولاد، الوجوه، وأحياناً اللباس، الآرمات الموزعة على طرفي الشارع تحمل أسماء محامين أو أطباء هي نفسها ما عدا بعض التفاصيل، كالعربات التي تبيع المانغا بدل البرتقال مثلاً.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ومع كل لفتة قتلتني الذاكرة مرات ومرات، وكأنني عدت إلى مخيم فلسطين.. ما يزال قائماً بكامل تاريخه وذاكرته لكن في زمن آخر، ما قبل الـ 2013.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>كم غريب أن يتجمد بك الزمن فجأة لتعود إلى الوراء، وكأنك سجنت في عالم افتراضي يقع في مكان وزمان آخر. في ذاكرتي وأنا أخطو على طرقات أرض اللواء تنقّلت بين شارع المدارس وصفد ولوبية وموقف أبو حسن الواقع بعد موقف السينما، أو سينما النجوم، حتى أنني استرقت النظر إلى قهوة &#8220;أبو حشيش&#8221;.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>جمدت الدمعة في عيني، منعتها من السقوط. ومع دخولي المصعد عدت إلى الزمن الواقعي بإحساس من تلقى صفعة وأنا أسمع &#8220;دعاء الركوب&#8221; صعوداً باتجاه &#8220;البرج الأزرق&#8221;، لم أعرف ما أفعل، أضحك أم ماذا؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>تذكرت الخطوط الجوية الكويتية حين شغّلت على شاشاتها دعاء الركوب أثناء الإقلاع فأحسست أنني داخل فلم رعب وأن الطائرة قد تسقط من السماء في أي لحظة وبقينا نتندّر بالأمر طوال الرحلة.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ومن سطح &#8220;البرج الأزرق&#8221; شاهدت الأهرامات، بعيدة، غارقة في سديم ناعم كحلم.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><span style="color: #ff0000;"><strong>*****</strong></span></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ولأننا كسوريين ألفنا الحواجز وبنينا تدريجياً مع عناصرها نوعاً من اللغة قد لا تبدو مشتركة للبعض، لكنها لغة ذات تصنيف ما، فقد شربت قهوتي في خان الخليلي في نقطة شرطة السياحة والآثار، كي لا أشعر بالغربة. والنقطة هي عبارة عن حاجز مرتجل على زاوية شارع المعز لدين الله الفاطمي يتجمّع عنده عناصر الشرطة، في الهواء الطلق وليس مكاناً مغلقاً كما قد يخطر للبعض.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لم اندم أنني استغنيت بإرادتي عن زيارة قهوة نجيب محفوظ أو الفيشاوي كما يفعل الجميع، فأنا أحب الاستماع للقصص لأرويها لاحقاً لذلك قبلت الدعوة على القهوة دون تردد.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وهكذا تبادلنا السجائر، وبينما ادخن الـ &#8220;كليوبترا&#8221; استمعت بفضول لجزء من تاريخ الشارع وما يجب علي أن أراه، عن القصرين اللذين اختفت معالمهما قبل أن يكتب نجيب محفوظ روايته، وقليلاً عن الأوضاع الأمنية في كلا البلدين، الوضع المعيشي وعن ارتفاع سعر الدولار بالطبع.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>تساءلوا إن كنت قد زرت الأهرامات أم ما زلت، أخبرتهم بأنني لا أملك لا الوقت الكافي ولا الرغبة برؤية الأموات من مومياءات محنطة في المتاحف، فقد سئمت الموت وأرغب بشيء أكثر حياة فضحكوا.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><span style="color: #ff0000;"><strong>*****</strong></span></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>القاهرة، وقهاويها المنتشرة وسط البلد.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أراقب الناس حولي وأنا أرشف القهوة من كأس صغير شفاف وأفكر بزيارتي لمجمع الأديان حيث اتكأت أماكن عبادة الأديان السماوية الثلاث على بعضها في مكان واحد. إنها المرة الأولى التي أزور فيها كنيساً يهودياً، حاولت ذلك منذ سنوات في دمشق لكني لم أستطع حينها زيارة كنيس الشماع ولا حضور صلاة يوم الاثنين.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لربما لم تعد تقام الصلوات هناك اليوم، فالعدد المطلوب لإقامة الصلاة اليهودية هو عشر رجال، ولم يبق منهم في دمشق الآن ما يزيد عن عدد أصابع كلتا اليدين.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أفكر أيضاً بالفندق حيث أقيم، &#8220;اللوتس&#8221; الذي بني في خمسينيات القرن الماضي، وكأن الزمن فيه متوقف من حينها، كل ما فيه قديم، الأسرّة، الكنبات، كلوبات الإضاءة، الملصقات الجدارية للأماكن السياحية في مصر، اللوحات، أوراق الفواتير، موديلات الهواتف ذات القرص ومفاتيح الغرف، وحتى العاملين فيه هم نفسهم من بدؤوا العمل مع افتتاحه في بداية عشريناتهم وها هم الآن في نهاية السبعينيات، يتحركون بالكاد، خطوة صغيرة تتبعها خطوة صغيرة أخرى، ببطء شديد وكأنهم يتحركون فوق الجليد. المقشة في يد عاملة التنظيفات المسنة تحتاج لدقائق طويلة كي تذهب يميناً، ولدقائق أطول لتعود يساراً.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8220;القشّاطة&#8221; تسمى بالـ &#8220;مسّاحة&#8221; في مصر، يمكنك استعارتها لتوقف فيضان الماء في حمام غرفتك كي لا تضطر لانتظار عامل الصيانة الذي لن يصل بدهر.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8220;اللوتس&#8221; مكان يشعرك بالألفة وأنصح به السوريين، فيمكن للماء أن ينقطع وأنت تستحم، والكهرباء أيضاً، تماماً كما في دمشق فتخفّ الغربة.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><span style="color: #ff0000;"><strong>*****</strong></span></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>سائق التكسي رجل ستيني يجتهد بالضغط على أزرار راديو السيارة علّه يعمل لكن دون فائدة، يكاد يقتلع الراديو من مكانه، تزداد عصبيته فأسأله: ما الأمر؟ يخبرني أن الأهلي يلعب اليوم مع فريق أفريقي في بطولة أفريقية ما تبدو مهمة.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>فجأة يبطئ من سرعته لتحاذي سيارته سيارة أجرة أخرى، يُخرج جزءه العلوي من النافذة ليصرخ للسائق الآخر الذي يُسمع صوت المعلّق الرياضي عالياً من سيارته ويسأله ما النتيجة، يرد ذاك بشيء لا أسمعه، يعود الستيني ليمسك بالمقود مستاء ويضغط دواسة البنزين بعنف.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أسأله ببرودي المعتاد وفضولي عن النتيجة، فيجيبني أنها صفر للأهلي مقابل خمسة للفريق الإفريقي صانداونز.</strong></p>
<h5 style="text-align: justify;"><span style="color: #000080;"><strong>* أسماء أفرع نهر بردى في دمشق.</strong></span></h5>
<p style="text-align: left;"><strong><span style="color: #800000;">مجلة قلم رصاص الثقافية</span></strong></p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/8001">وللمُدُنِ مَذاقاتٌ مُختلفة كما فَاكِهة الجَنّات (4)</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://www.qalamrsas.com/archives/8001/feed</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>وللمُدُنِ مَذاقاتٌ مُختلفة كما فَاكِهة الجَنّات (3)</title>
		<link>https://www.qalamrsas.com/archives/7760</link>
					<comments>https://www.qalamrsas.com/archives/7760#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[آنــا عـكّـاش]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 23 Apr 2019 09:11:38 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[يوميات رصاص]]></category>
		<category><![CDATA[آنا عكاش]]></category>
		<category><![CDATA[الأسكندرية]]></category>
		<category><![CDATA[مصر]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://www.qalamrsas.com/?p=7760</guid>

					<description><![CDATA[<p>3 ـ الإسكندرية.. ويحدث أحياناً.. أن تقع في حُبّ مدينة. لم يكن حبّاً من النظرة الأولى.. لا.. النظرة الأولى كانت مجرد إعجاب فقط، مصحوب بذهول. لم أتعجّل بالحب، فقد حوّلتني التجارب إلى امرأة عقلانية، تحاكم ما تراه بالمنطق، تداري قلبها بأصابعها المرتعشة الخائفة لتحميه من صدمة هجران أو خيانة محتملة. حدث ذلك في اليوم الثالث &#8230;</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/7760">وللمُدُنِ مَذاقاتٌ مُختلفة كما فَاكِهة الجَنّات (3)</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: justify;"><span style="color: #000080;"><strong>3 ـ الإسكندرية..</strong></span></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ويحدث أحياناً.. أن تقع في حُبّ مدينة.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لم يكن حبّاً من النظرة الأولى.. لا.. النظرة الأولى كانت مجرد إعجاب فقط، مصحوب بذهول.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لم أتعجّل بالحب، فقد حوّلتني التجارب إلى امرأة عقلانية، تحاكم ما تراه بالمنطق، تداري قلبها بأصابعها المرتعشة الخائفة لتحميه من صدمة هجران أو خيانة محتملة.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>حدث ذلك في اليوم الثالث بالضبط، فجأة.. شعرت بأنني وقعت في الحب دون تمهيد.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>كالغرقِ في زبد البحر بعد نوم عميق، مثبّت إلى فراشك الطري لا تستطيع النهوض، يغرق جسدك عميقاً جداً، يسري فيه خدر جميل وأنت تطفو على سطح موجة. هذا ما أحسسته.. تجاه المدينة.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>دمشق أكرهها وأحبها..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أحبها.. وكم أكرهها في ذات الوقت..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أما الإسكندرية فهي تلك التي وقعت في غرامها.. تذوقت قهوتها فعرفتها أكثر.. فكيف لك معرفة حبيبك إن لم تتذوقه؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>كم يختلف مذاق القهوة بين المدن، وتختلف طريقة تقديمها..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>هي ذاتها.. حبوب بنّ محمصة بدرجات.. ما يميزها هي نكهة الروح المضافة من المدينة التي صنعتها بيديها.. لك.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أجلس في قهوة &#8220;الهندي&#8221; وسط المنشية، وأراقب القطط النحيلة كتماثيلها الفرعونية مسترخية في بقعة صغيرة من الشمس على الطاولة المجاورة. فوقي تقع &#8220;وكالة بهنا&#8221; التي تأسست في ثلاثينيات القرن الماضي لتعمل في التوزيع السينمائي حتى الستينيات، شريكة في إنتاج أول فلم مصري ناطق وأول وأضخم موزع للسينما المصرية في الشرق الأوسط والعالم.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>فكيف لي ألا أغرم بقهوة وتفاصيل هذه &#8220;الجميلة&#8221;؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>كل ما في المدينة أدهشني بفرح طفلة لا تملّ من النظر حولها واستنشاق هواء له طعم الملح، حين شاهدت طابعها المعماري شعرت كأنني دخلت آلة زمن تعطّلت في فترة ذهبية من التاريخ لم يُصنع أي تاريخ مهم آخر بعده، سوى تشويهها بلافتات دينية وأشرطة كهرباء تقيد جسدها الحرّ التوّاق لريح البحر والعُري والجمال والنور.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>مدينة أبنيتها وشوارعها متاحف بحد ذاتها، حتى عربات الترمواي الخضراء آتية من ذلك الزمن الغابر. ذكرتني عمارتها ببيروت حين شعرت بالوحشة والفراغ وأنا انظر إلى الأبنية المتهالكة الخالية من إسكندرانييها اليونان والطليان وخليطها الديني من اليهود، بعد التأميم هُجّروا كما هُجّر البيروتيون بفعل الحرب، كسكان مدن عربية كثيرة أخرى تركتها أرواحها بينما ظلت جدران بيوتها تحن إليهم، وتشتاق الدفء وهمسات الحب المسموعة بصمت بين ساكنيها.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وفكرت:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ يبدو أننا جميعاً لا نحب عبد الناصر وكيف طبق أفكاره عن الوحدة العربية والإشتراكية..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><span style="color: #ff0000;"><strong>******</strong></span></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الإسكندرية نسبة لإسكندر الأكبر، عاصمة لمصر في العهد الروماني لما يقارب الألف عام، مدينة حضنت أحد عجائب الدنيا السبع وهي منارة الإسكندرية التي دمرها الزلزال فارتفعت فوق أساساتها قلعة قايتباي البيضاء..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>للأموي أيضاً مئذنة تسمى قايتباي، بيضاء أيضاً، وهي تلك المواجهة للمِسكيّة ولباب البريد.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>مدينة للنور بمكتبتها التي احترقت بنور نيرانها، فقامت على أنقاضها مكتبة حديثة تضم أكثر من ثمانية مليون كتاب.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ولها سور أيضاً، تماماً كسور دمشق يسوّر خصرها لخمسة عشر كيلومتراً تقريباً لم يبق منه سوى بضع أبراج مراقبة متوزعة على جسدها كشامات متباعدة، وفيها أربعة أبواب وربما ستة لم يبق منها شيء أيضاً..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>كان لها باب شرقي أيضاً كما لدمشق، وهو أول باب تطل منه الشمس على المدينة لتوقظها من غفوتها، وباب للقمر في الغرب لتنام مطمئنة يهدهدها همس موج البحر، وباب للبحر كما في تونس..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وكما تمر فروع بردى السبع متعرجة داخل اسوار دمشق، عبرت الإسكندرية ذات يوم تفرعات صغيرة عن نهر النيل، ومدّتها بالمياه العذبة، لكنها جفت، كما يجّف كل شيء حي.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وفي الإسكندرية أيضاً مدرج أو مسرح روماني صغير، يشبه بحجمه مدرج &#8220;جبلة&#8221; على الساحل السوري، ومدرج &#8220;شهباء&#8221; في الجنوب ومسرح &#8220;تدمر&#8221; الذي أعدم تنظيم داعش على &#8220;سْكينَتِهِ&#8221; الجميلة جنوداً سوريين، فتناقل الإعلام على شاشاته الصورة الهوليوودية المتقنة لتصفيتهم دون تشفير.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>نحن الآن كائنات لا تصنع التاريخ.. نحن مختصون بتدميره..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><span style="color: #ff0000;"><strong>*******</strong></span></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الحماية مشددة على الكنائس خوفا من عمليات إرهابية والتصوير ممنوع، بالكاد تستطيع التقاط صورة خاصة مع الاستفتاء الجديد على تغيير الدستور.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وفي قلعة قايتباي يخبرني عماد المسؤول عن الأمن في القلعة بأن خلف البحر الذي أراه أمامي تستلقي يونان وإيطاليا.. وإن سرت بمحاذاة الشاطئ إلى اليمين سأصل إلى إسرائيل.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>انظر إليه نظرة مواربة فيرتبك ويصحح قائلاً: فلسطين.. ثم ينصرف عني ملاحقاً زوار القلعة من الشباب والصبايا المولعين بالاختباء في زوايا غرفها البعيدة عن العين لاستراق قبلات خاطفة، يطاردهم صعوداً ونزولاً على الأدراج طوال اليوم دون أن يتعب.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أضحك وأطلب منه تركهم ليحبوا كيفما يشاؤون، فيتحجج بالرحلات المدرسية الزائرة، وبأن القبلات تخدش حياء الأطفال وتُنضِجُهم قبل الأوان.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أفكر وأنا انظر للأزرق الممدود أمامي، إن سرت بمحاذاة الشاطئ يميناً فكم من الأيام سأحتاج لأصل يافا التي طالما حلمت بزيارتها؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>على جيب سترتي الأيمن أثر طلاء زورق أزرق علق به بينما كنت أحاول التسلل إلى البحر بين زورقين حديثيّ الطلاء.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ادخن سيجارتي جالسة على الرمل اراقب الزوارق الراسية في الخليج تتهادى في مكانها ببطء، ترفعها موجة صغيرة لتعيدها إلى مكانها وأفكر في هذا &#8220;اليمين&#8221; الذي تمنعني الحدود بالمسير إليه، القدس تبعد عن دمشق 219 كيلومتراً فقط و70 عن عمان فكم تبعد عني حيث أجلس الآن؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أتحسس الطلاء الأزرق المتيبس على جيب سترتي الأيمن، وأفكر بكل الزوارق العالقة في البحر، وبكل الزوارق المطاطية التي غرقت حاملة إيّانا نحن السوريون إلى أمكنة أكثر أماناً.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><span style="color: #ff0000;"><strong>*******</strong></span></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الاسكندرانيون.. بخلاء في التعبير عن مشاعرهم عكسنا نحن السوريون، يحسبون حساب الأعين المراقبة ويخشون التماس الجسدي، يخافون العناق المحمل بطاقة حب وتقدير بلا حدود، ويستقبلون الدفء بخجل وكأنهم يرتكبون معصية، ولا عجب فجدران شوارعهم مزينة بلافتات تنهي عن المعصية وتدعو إلى الصلاة والاستغفار، وأعين القيّمين على أخلاق المدينة تراقب الخارجين عن خط سير القطيع.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>تبتدئ أسواقهم بلافتة معلقة على مدخله كتب عليها &#8220;دعاء دخول السوق&#8221; لتسيير الأمور فتضيق بهم مساحات الحرية، وتُعدّ على الأصابع كما في دمشق في زمن الحصار، الحصار على كل من أراد أن يحيا حياة طبيعية دون تدخلات الوعظ الديني والتكفير والتقييم.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لكننا رغم هذا الحصار.. كلنا نحفظ أغاني الشيخ أمام وفيروز بلهجاتها المصرية والسورية واللبنانية، نتبادل غناءها بسلاسة وكأننا غنيناها طوال العمر معاً، نتكلم نفس اللهجة ونذكّر بعضنا بأبياتها المنسيّة، فتتقاطع خيوط مصائرنا ومساحاتنا الصغيرة رغم كل الحدود.</strong></p>
<p style="text-align: left;"><a href="https://www.qalamrsas.com/"><span style="color: #800000;"><strong>مجلة قلم رصاص الثقافية</strong></span></a></p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/7760">وللمُدُنِ مَذاقاتٌ مُختلفة كما فَاكِهة الجَنّات (3)</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://www.qalamrsas.com/archives/7760/feed</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>وللمُدُنِ مَذاقاتٌ مُختلفة كما فَاكِهة الجَنّات (2)</title>
		<link>https://www.qalamrsas.com/archives/7752</link>
					<comments>https://www.qalamrsas.com/archives/7752#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[آنــا عـكّـاش]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 16 Apr 2019 10:05:30 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[يوميات رصاص]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://www.qalamrsas.com/?p=7752</guid>

					<description><![CDATA[<p>2- عمّان.. المدينة القائمة على جبال سبعة.. اللويبدة، الجوفة، التاج، النصر، الحسين، النظيف وجبل عمان. أحببت عمارة جسورها وأنفاقها التي تخترق الجبال أحياناً، تضاريس لعوبة لمن اعتاد انبساط تضاريس مدينته فذُهِل باللا مألوف. لم أدرك أنني وصلت إلى عمان حتى سألت، لم أدرك الوحدة العضوية لأبنيتها المتوزعة على التلال فظننتها تجمعات سكنية منفصلة، اربكني تشابه &#8230;</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/7752">وللمُدُنِ مَذاقاتٌ مُختلفة كما فَاكِهة الجَنّات (2)</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: justify;"><span style="color: #000080;"><strong>2- عمّان..</strong></span></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>المدينة القائمة على جبال سبعة.. اللويبدة، الجوفة، التاج، النصر، الحسين، النظيف وجبل عمان.</strong><br />
<strong>أحببت عمارة جسورها وأنفاقها التي تخترق الجبال أحياناً، تضاريس لعوبة لمن اعتاد انبساط تضاريس مدينته فذُهِل باللا مألوف. </strong><br />
<strong>لم أدرك أنني وصلت إلى عمان حتى سألت، لم أدرك الوحدة العضوية لأبنيتها المتوزعة على التلال فظننتها تجمعات سكنية منفصلة، اربكني تشابه ارتفاع ابنيتها ولونها الترابي، ووسط هذا التشابه كان يعلو عدد من الأبراج المُلبّسة بالمرايا، لا تحمل أي طابع معماري استثنائي. </strong><br />
<strong>من المفارقات التي أخبرني بها السائق وضحك ساخراً أن سفارة سوريا التي مررنا بقربها تقع مواجهة لسفارة المملكة العربية السعودية. لم أجد في الأمر ما يستدعي الاستغراب، فبعد ثماني سنوات عدنا لنغازل دول الخليج التي كانت سبباً في &#8220;حربنا الكونية&#8221; متناسين العداوة، جاهزين لنبيع ما لم يُباع بعد. </strong><br />
<strong>بلهفة طفل زرت المدرج الروماني والأوديون وأنا أحمل في ذاكرتي صورة ضبابية لمدرج بصرى حين كنت طفلة صغيرة. يصحبنا أبي لنزور جميع المواقع الأثرية المترامية ضمن الحدود الممكنة لجغرافية سوريا، شمالاً وجنوباً، شرقاً وغرباً. حتى الجسر المعلق في دير الزور سرت عليه، ذلك الجسر الذي أعتاد أهل الدير أن يأخذوا العرائس قبل زفهن لعرسانهن ليسرن عليه بات الآن مجرد دعائم، أما آثار خطواتهن على جسده فغرقت في الفرات. </strong><br />
<strong>يقولون أن في دمشق القديمة أيضاً مدرجاً رومانياً كبيراً بناه جيرود الكبير سنة مئة قبل الميلاد، مدفون تحت بيت العقاد في سوق الصوف داخل السور، قريباً من الشارع المستقيم أو ما يسمى حالياً بمدحت باشا.</strong><br />
<strong>وكما لكل مدينة أسرارها، فهذا المدرج الروماني هو واحد من أسرار دمشق الكثيرة، تخبؤه في قلبها، ولا تفصح عنه.</strong><br />
<span style="color: #ff0000;"><strong>***</strong></span><br />
<strong>كلما زرت مدينة جديدة استمع لحكايات أهلها لأُحِسّها أكثر.. </strong><br />
<strong>وأنا أدخن سيجارتي في المحل، أسمع حكاية لأكتبها يحكيها بائع أردني عن أقاربه في سوريا بعد أن سمع لهجتي الدمشقية.</strong><br />
<strong>يخبرني عن أمه، إنها من درعا، أحد أبناء أخواله مع &#8220;الجيش النظامي&#8221; بينما الآخر مع &#8220;الجيش الحر&#8221;، بُترت ساقاه عندما سقطت بقربه قذيفة، هو الآن عاجز على كرسي بعجلات.</strong><br />
<strong>أشرب قهوتي وأفكر بالأكواب الكبيرة التي يقدمون فيها القهوة في عمان، رائحتها طيّبة كرائحة الصحراء بعد المطر وطعمها مُرّ كمُرِّ قهوة البدو.</strong><br />
<strong>بائع آخر زوجته من حلب، لم تزر أهلها منذ سنوات، هم لا يستطيعون زيارتها أيضاً. يسألني كيف عبرت الحدود وعن الحال بعد فتح معبر نصيب، فأخبره بما أعرف. تلتمع عيناه بالأمل، إذن.. سيلتقون يوماً بعد طول انتظار، فإغلاق الحدود مع سوريا اشعرهم بحصار قد لا يشبه حصارنا، ولكنه أيضاً حصار.</strong><br />
<strong>الثالث فلسطيني هُجّر أقاربه من مخيم اليرموك ليستقروا في تركيا، ثم ركبوا &#8220;البلم&#8221; في البحر إلى اليونان ومنها سيراً إلى أعماق أوروبا. صلات دم قطعتها حدود جغرافية وسياسات. </strong><br />
<strong>انظر إلى تلك الفساتين المزخرفة، المطرزة بالنقش الفلسطيني المعلقة في أسواق وسط البلد، 70 كيلومتراً تفصل عمّان عن القدس لكنك لا تستطيع الوصول إليها، ترى أضواءها متلألئة من بعيد في ليلة صافية، قريبة منك ككف يدك وبعيدة عنك بخطوط حياتها المتشعبة، وخطوط مصيرها المتباعدة.</strong><br />
<strong>كلمة: يا ستّي.. ذات وقع محبب على أذنيّ حين أسمعها من سائق التكسي أو من البائع، وحتى من الصبي الصغير الذي يبيع العلكة، بقدمين حافيتين متسختين، وعلبة كرتونية صغيرة يمدها نحوي لأختار بين نكهتين تحملان طعم الفقر نفسه، يتقاسمه أطفال المدن المشردين على امتداد العالم العربي.</strong><br />
<strong>أسير وأضيع في الطرقات دون خوف، أحاول استكشاف الزواريب الصغيرة، التفاصيل المخفية عن أعين السياح، أتذوق نكهات المدينة بعينيّ وأنا انظر في وجوه المارة، وأراقب نظرات &#8220;الإخوان&#8221; في جلابياتهم القصيرة وقلنسواتهم والطبعات الغامقة على جباههم، يغضّون عني البصر أحياناً وأحياناً أخرى ينظرون في عينيّ مباشرة فينفتح عالمهم الداخلي على عالمي لثوانٍ، ثم يُغلقُ مجدداً. </strong><br />
<span style="color: #ff0000;"><strong>***</strong></span><br />
<strong>وكأن الأسواق الشعبية تتشابه في كل مكان، سوق الخضار قرب حمام روماني قديم وسوق اللحوم، سوق خاص بالأقمشة واللوازم المدرسية، وباعة يفردون بضاعتهم على الأرصفة وينادون عليها بالميكروفون:</strong><br />
<strong>&#8211; القطعة بدينار.. القطعة بدينار..</strong><br />
<strong>فأتذكر أسواق باب الخضرا في تونس، وتختلط المدن.</strong></p>
<p style="text-align: left;"><a href="https://www.qalamrsas.com/"><span style="color: #800000;"><strong>مجلة قلم رصاص الثقافية</strong></span></a></p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/7752">وللمُدُنِ مَذاقاتٌ مُختلفة كما فَاكِهة الجَنّات (2)</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://www.qalamrsas.com/archives/7752/feed</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>وللمُدُنِ مَذاقاتٌ مُختلفة كما فَاكِهة الجَنّات (1)</title>
		<link>https://www.qalamrsas.com/archives/7681</link>
					<comments>https://www.qalamrsas.com/archives/7681#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[آنــا عـكّـاش]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 31 Mar 2019 22:08:34 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[يوميات رصاص]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://www.qalamrsas.com/?p=7681</guid>

					<description><![CDATA[<p>1- بيروت&#8230; المدينة المطعونة بِحدّ يفصل بين شرقها وغربها. تلك المستلقية بتكاسل على شاطئ بحر أبيض، تثني وركها بعفوية خَدِرة وتمد ساعديها تجاه الشرق بينما تداعب الأمواج أصابع قدميها. أنظر إليها من الأعلى، كم تغيرت وزادت أبنيتها ارتفاعاً على مساحة جسدها الفضي المغطى بنمش من شظايا حرب لا تشبه حربنا لكنها حرب، ومن بعيد باتت &#8230;</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/7681">وللمُدُنِ مَذاقاتٌ مُختلفة كما فَاكِهة الجَنّات (1)</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: justify;"><span style="color: #000080;"><strong>1- بيروت&#8230;</strong></span></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>المدينة المطعونة بِحدّ يفصل بين شرقها وغربها. تلك المستلقية بتكاسل على شاطئ بحر أبيض، تثني وركها بعفوية خَدِرة وتمد ساعديها تجاه الشرق بينما تداعب الأمواج أصابع قدميها. </strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أنظر إليها من الأعلى، كم تغيرت وزادت أبنيتها ارتفاعاً على مساحة جسدها الفضي المغطى بنمش من شظايا حرب لا تشبه حربنا لكنها حرب، ومن بعيد باتت تشبه دبيّ المعدنية المختبئة خلف المرايا تعكس نوافذها الخضرة بدل عواصف الرمال. أحب عمارتها.. شهود الحرب الأهلية جيرانٌ لأبنية مليئة بالحياة. </strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>تستطيع في شارع الحمرا أن تصادف أشخاصاً لم تلتقيهم من سنين، يرتب الله لقاءك بهم لتتقاطع حيواتكم المتباعدة في لحظة تدوم لدقائق لتعود وتتباعد من جديد. فبيروت، مدينة رغم صغر مطارها تجمع الأصدقاء والأقارب على أرض محايدة، تجمع كل من لم يستطع قطع الحدود ليعود أو ليغادر. تستقبله في مقاهيها لتقدم لهم المُسكرات أو القهوة التي تُسرد القصص والأخبار المتراكمة على لحن بخارها الساخن. قهوة في أكواب كرتونية كبيرة طبعت عليها علامات تجارية كـ ستاربكس وغيرها، لا أعرفها ولا أبذل الجهد لتذكرها، فمن لحظة حصارنا الاقتصادي وحرماننا من الانفتاح على الماركات العالمية بأنواعها لم أعد اجد الأمر مهماً، نحن مكتفون بما لدينا من طعام لا يحمل علامة تجارية أجنبية ولا لباس، ورغم التردي في صناعاتنا المحلية نستطيع اللجوء إلى الأوروبي المستورد وبكل سرور. </strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>تذوقت &#8220;الماكدونالدز&#8221; ذات يوم لمجرد الفضول، كان ذلك في أحد مولات دبي، ومع أول لقمة استغربت هذا الإقبال عليه، لا طعم ولا نكهة، منتج بلاستيكي لتعبئة المعدة، كالعلف الصناعي المستخدم لتغذية الدجاج في المداجن. وفي الفسحة الواسعة المخصصة لطاولات المطاعم ذات العلامات التجارية رأيت البشر بلغاتهم وألوانهم المختلفة بالحركة البطيئة يرفعون السندويشات لأفواههم بحركة واحدة، يقضمون، يعلكون، ثم يعيدون السندويشة لمكانها على الصينية البلاستيكية البيضاء أمامهم، ليتناولوا علبة مشروب غازي ملونة أو كوباً بلاستيكياً يحمل علامة تجارية، يرفعونها لأفواههم، ويشربون. تتكرر حركاتهم الميكانيكية المبرمجة ببطء أمام عيني، لأحس نفسي داخل سطور جورج أورويل في 1984. يومها لم أكمل طعامي. قهوة بيروت لم استطع التلذذ بطعمها، خاصة &#8220;الأميركية&#8221; منها، مياه سوداء ساخنة دون رائحة، ولا طعم، وكذلك القهوة الفرنسية التي تصنع في إبريق معقّد من طابقين يحتاج فلاتر دائرية كتنانير الدراويش. </strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وفي الفندق أقف أمام آلة &#8220;الاكسبريسو&#8221; عاجزة عن فهم آلية عملها، وكأنني أقف أمام مفاعل نووي صغير أو قنبلة موقوتة أخاف أن أضغط على أزرارها كي لا تنفجر في وجهي. ما أسهل صنع القهوة العربية في البيت، بعض الماء في الدلّة وملعقة قهوة، تغلي فوق الزهرة الزرقاء الصغيرة لعين الغاز إلى أن تزول رغوتها التي لا أحب، رغم ان البعض يقول بأنها تجلب الرزق. في دمشق احب الحديث مع سائقي التكاسي والسرافيس لكنني أرتبك في بيروت، ما زلت أحمل ذلك الحاجز النفسي بأنني أتكلم اللهجة السورية في دولة أنهكها الوجود السوري. لكنني ومع تجاوز هذا الحاجز أحب سماع سائقيها وهم يحدّثوني في السياسة العالمية والمحلية، عن موازين القوى الطائفية في لبنان وأحياناً عن أقاربهم في سوريا، مغامراتهم النسائية، الغلاء وحيواناتهم الأليفة. لم يبق من أبواب بيروت السبعة ولا أسوارها القديمة سوى أسماء علقت في ذاكرة العجائز، واختفت المفاتيح، ففتحت المدينة صدرها دون مفتاح للريح والمطر ولرذاذ البحر والعابرين.</strong></p>
<p style="text-align: left;"><a href="https://www.qalamrsas.com/"><span style="color: #800000;"><strong>مجلة قلم رصاص الثقافية</strong></span></a></p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/7681">وللمُدُنِ مَذاقاتٌ مُختلفة كما فَاكِهة الجَنّات (1)</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://www.qalamrsas.com/archives/7681/feed</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>يوميات حرب طائفية أهلية بمحلية (40)</title>
		<link>https://www.qalamrsas.com/archives/6450</link>
					<comments>https://www.qalamrsas.com/archives/6450#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[آنــا عـكّـاش]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 01 Oct 2018 09:29:38 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[يوميات رصاص]]></category>
		<guid isPermaLink="false">http://www.qalamrsas.com/?p=6450</guid>

					<description><![CDATA[<p>على يسار الطريق ظهر خط متلألأ ازرق، نحيل، يُلحظ بالكاد ثم توسعت مساحته تدريجياً لتحتل ذلك الأفق البعيد ليتحول إلى سطح من الفضة الزرقاء.. &#8211; البحر.. قلتها وأنا ألامس كتفه برفق ليصحو من إغفاءته.. ناعساً فتح عينيه فرأيت فيهما عميقاً دهشة من يرى البحر لأول مرة.. فتى حلبي في الخامسة عشرة يغزو النمش أنفه وخديه، &#8230;</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/6450">يوميات حرب طائفية أهلية بمحلية (40)</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: justify;"><strong>على يسار الطريق ظهر خط متلألأ ازرق، نحيل، يُلحظ بالكاد ثم توسعت مساحته تدريجياً لتحتل ذلك الأفق البعيد ليتحول إلى سطح من الفضة الزرقاء..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8211; البحر..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>قلتها وأنا ألامس كتفه برفق ليصحو من إغفاءته..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ناعساً فتح عينيه فرأيت فيهما عميقاً دهشة من يرى البحر لأول مرة..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>فتى حلبي في الخامسة عشرة يغزو النمش أنفه وخديه، أخبرني بحماسة أنه قرر مرافقة خاله سائق الشاحنة، فقط ليرى البحر ذهاباً وإياب، لم يخبر أحداً من أخوته ولا أمه، أراد أن يفاجئهم في المساء بالخبر، فرحاً لوعد خاله أن يتغديا سوياً على شاطئ البحر ويركبا القارب إلى أرواد بعد انتهائهما من معاملة في جمارك طرطوس. سألته عن حلب، فقال أنه لا يذكرها فقد كان صغيراً حين تهجرت أسرته منها لتستقر في ركن الدين الدمشقي، ويبدو أن الأسرة لم تعد تنوي العودة بعد أن فقدت بيتها هناك، ونسي الأولاد تفاصيل المدينة التي ولدوا فيها، وخلقوا تفاصيل جديدة مع مدينة أخرى احتضنتهم على سفح قاسيون.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>*****</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>صوت أطلاق رصاص وصدى انفجارات بعيدة، لم اتحرك من مكاني حتى حين ارتجّ البيت قليلاً ودخلت دفقة هواء قوية من النافذة ناتجة عن ضغط الانفجار، على الشريط الاخباري يظهر خبر عاجل بأن &#8220;الأصوات التي يسمعها سكان دمشق ناتجة عن تفجير أنفاق للإرهابيين في داريا&#8221;، فكرت بالماس الكهربائي الذي ضرب مطار المزة العسكري منذ أسابيع وقلبت المحطة لأتابع الفلم الهندي. نغمة رسالة مسنجر على موبايلي، مهند يطمئن علي من فرنسا، فإسرائيل تقصف مطار دمشق الدولي.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>بلدي انهكته الحرب، وانتَهكت سماؤه جميع أنواع الطائرات والصواريخ الدولية، أما أنا فمنهكة من فكرة أنني قررت البقاء وظللت متمسكة بنقطة نور خابٍ في نهاية نفق لن ينتهي. لم تعد تهمني الحدود الجغرافية التي حددها سايكس وبيكو لترسم سوريا التي تمسكنا بها بداية الحرب، لم أعد أخاف من فكرة التقسيم، لا أخاف من الضربات الإسرائيلية ولا الأميركية، ما يخيفني حقاً المدارس والجامعات الشرعية، تعليم القرآن في رياض الأطفال، الشباب الديني وتمدد صلاحيات وزارة الأوقاف لتشمل جميع مؤسسات ما تبقّى من الدولة.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أجل.. أنا مصابة بمرض نفسي يدعى الإسلامفوبيا.. وفي هذه الحالة النفسية المعقدة لن يفيدني لا الموتيفال ولا الزولام.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أطمئن مهند أن كل شيء &#8220;عادي&#8221;، وأعود لمتابعة الفلم الهندي دون أن انهض عن الصوفا.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>*****</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>مرت ثلاثة أيام منذ أن غادرت دمشق بعد تفجير أنفاق الإرهابيين في داريا، وها أنا أشهد الألعاب النارية التي تضيء ليل الساحل السوري لتتحول سماؤه إلى لون الدم، معركة تدوم حوالي النصف ساعة، اشتباك عابر وينتهي كل شيء وكأنه لم يكن ليتحول إلى مجرد خبر على محرك البحث. أتابع خرائط تحرك الطائرات في السماء من التعليقات على الفيسبووك وأفكر: كم هي واسعة سماؤنا لا حواجز فيها ولا نقاط حدودية، الحركة فيها سهلة، يختلف وقتها كلياً عن الزمن الأرضي، كل شيء يجري بسرعة ودون تعقيد، وكأنها مجرد شاشة كبيرة للعبة قتالية بين الدول والممالك.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>البحر هادئ في الصباح، كسطح مرآة دون أية موجة، أجمع الرمل في قبضتي ثم أفلته ببطء لتذروه الريح كما تذري رماد الموتى في الأفلام الهندية، طائرتين هليكوبتر تجوبان سماء الشاطئ على ارتفاع منخفض في جولة استكشافية، على هيكلها المعدني الرمادي نجمة حمراء من أيام السوفييت، أحد الجنود يجلس بالباب المفتوح حاملاً رشاشاً يصوبه نحو الشاطئ حيث أنا مع بعض الصيادين المبكرين يسحبون شباكهم المليئة بأسماك طفلة لا تصلح للشيّ، يمر عبر ذاكرتي مخزون من أفلام أميركية عن حرب الفيتنام، تحوم الهليكوبترات في سماءها بالطريقة ذاتها مستطلعة الأعداء الكامنين على الأرض، أو أفلاماً أميركية أخرى في الصحراء الليبية أو فوق الأراضي العراقية أو في أفغانستان، فالأميركان يغزون الكون في أفلامهم وينتصرون على الأشرار كما يفعلون في شمالنا السوري.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>تختفي الطائرتان لتعودا إلى قاعدتهما القريبة فألتهي بإزاله الملح المتخثر على زغب ساعدي، يلمع تحت الشمس كنقاط صغيرة من ألماس.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>يتصل مهند مرة أخرى ليطمئن، يبدو قلقاً بجدّ فأضحك:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8211; ضل بس درعا والرقة ما واكبت الحدث فيهون لايف..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ألم تعتد على حرب العراق يا مهند؟ ألم تعتد على الحصار وحظر التجوال؟ ألم تعتد على التصفيات الطائفية والسيارات المفخخة؟ أم أن العراقيين جميعاً أشدّ حساسية منّا نحن السوريين؟ تدمع أعينهم لمناظر الدمار بينما نحوّل نحن السوريين الأمر إلى نكتة، نلبس كمامات ونتصور على البلاكين ونحن جالسون نفصفص البزر بانتظار ضربة أميركية، أو نتصور ونحن ندخن الأركيلة، نشرب القهوة ونراقب السماء المليئة بالطائرات، وبدل أن نختفي في بيوتنا عند نزول قذيفة نركض إلى الشارع لنتأكد من كم الضرر الذي ألحقته بسيارة الجيران ونحسب الأضرار على الفور.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أرفع رأسي نحو الأفق، بارجتان حربيتان تخترقان قرص الشمس الأحمر الآيل للسقوط في البحر والانطفاء، انتظر تلك اللحظة التي يصبح الماء فيها أكثر دفئاً ويَحُلّ لون الأحمر فيه، بينما يعج الشاطئ بالسوريين الهاربين من مدنهم المزدحمة بأخبار الموت والضجيج ودخان السيارات والازدحام إلى هذا الأحمر.. الدافئ.. الكثيف بملوحته كالدم.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><span style="color: #003300;"><strong>البوارج الحربية</strong></span></p>
<p style="text-align: justify;"><span style="color: #003300;"><strong>الألعاب النارية</strong></span></p>
<p style="text-align: justify;"><span style="color: #003300;"><strong>هلكوبترات استكشاف</strong></span></p>
<h5><span style="color: #003300;"><strong>29/9/2018</strong></span></h5>
<p style="text-align: left;"><span style="color: #800000;"><strong> خاص مجلة قلم رصاص الثقافية </strong></span></p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/6450">يوميات حرب طائفية أهلية بمحلية (40)</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://www.qalamrsas.com/archives/6450/feed</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>يوميات حرب طائفية أهلية بمحلية (39)</title>
		<link>https://www.qalamrsas.com/archives/6097</link>
					<comments>https://www.qalamrsas.com/archives/6097#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[آنــا عـكّـاش]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 11 Jun 2018 08:46:28 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[يوميات رصاص]]></category>
		<guid isPermaLink="false">http://www.qalamrsas.com/?p=6097</guid>

					<description><![CDATA[<p>المخيم (الجزء الثاني &#8211; ذاكرة الأشياء) أجلس على المصطبة أمام البيت، تلك التي رسم مازن على جدارها الكعبة وزينه بورود ملونة حين عادا خديجة وعلي من الحج.. ومن يومها صرنا نناديهما بالحاج أبي حسين والحاجة أم حسين.. المصطبة التي كانت الحاجة تحب الجلوس عليها لتتبادل الأخبار مع الجارات اللواتي بعمرها، والذكريات أيضاً. لم يبق منهن &#8230;</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/6097">يوميات حرب طائفية أهلية بمحلية (39)</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: justify;"><span style="color: #ff0000;"><strong>المخيم (الجزء الثاني &#8211; ذاكرة الأشياء)</strong></span></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أجلس على المصطبة أمام البيت، تلك التي رسم مازن على جدارها الكعبة وزينه بورود ملونة حين عادا خديجة وعلي من الحج.. ومن يومها صرنا نناديهما بالحاج أبي حسين والحاجة أم حسين.. المصطبة التي كانت الحاجة تحب الجلوس عليها لتتبادل الأخبار مع الجارات اللواتي بعمرها، والذكريات أيضاً. لم يبق منهن أحد على قيد الحياة، لا الجارات .. ولا الذكريات.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لا يحيط بي سوى السكون المغري بينما ميسون وأسامة يلملمان بعض أغراض البيت لأخذها معنا كذكرى، وهما اللذان أتيا لا ليأخذا شيئاً من البيت بل ليرياه فقط..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>طفل في حوالي العاشرة يرتدي تيشيرتاً أحمر يحاول قيادة دراجة هوائية وجدها في أحد البيوت، سألته ما الذي في الكيس الذي معه:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8211; دحاحل.. لاقيتو بهاي الدار..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>تذكرت ميادة وشتائمها البذيئة بحق الأولاد وأمهاتهم، عندما كانت تخرج إلى الشارع لتُسكتهم حين يفسدون عليها قيلولة ما بعد الظهر بألعابهم وشيطناتهم وصراخهم الجنوني، وخاصة تلك الكرة الملعونة التي برعوا بتصويبها على جدار غرفة نومها &#8220;برّاد التفاح&#8221;.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>يظهر في الحارة رجل نحيل غائر العينين ينظر إلي باستغراب وأنا جالسة على المصطبة:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8211; أنت بنت أبو حسين؟ ميادة؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8211; لا..  أنا رفيقتها.. بس ميسون وأسامة بالبيت.. إذا بدك عمي فوت سلم عليهون..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>فيطرق الباب الحديدي المفتوح صائحاً:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8211; يا أهل الدار.. وينكوا؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>فتعود الحياة للحارة من جديد..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وكأن البيوت لم يغادرها أصحابها.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong> *****</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>مع انتصاف النهار تدب الحياة في الحارة، ثلاث معفّشين شباب ملتهين بكيفية وضع براد البوظة على الموتور وتثبيته، يمزقون ستارة صالون منزل ما ليحوّلوها إلى حبال يشدّون بها البراد إلى الموتور، أحد الجيران في البناء المقابل يكسّر ما تبقى من زجاج في بيته، لا يستطيع إخراجه ولا يريد تركه للصوص، زوجته تقف حائرة في المدخل وهي تستمع إلى صوت تكسّر أوانيها:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8211; قللي اكسريهن أنت.. ما قدرت.. كل قطعة فيهون وإلها ذكرى..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أسلّم بحرارة على أبو علي البقال وزوجته اللذان أتيا أيضاً لتفقد بيتهما، نجتمع، نضحك، ونتذكر.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أبو علي يسأل رجلاً عن صحة زوجته فيجيبه:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8211; عطتك عمرا من تلت سنين..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثم يتابعون الحديث وكأن شيء لم يكن، ويمر ذِكر الموت على لسانه عادياً كتحية الصباح.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ينظر إلينا شاب يضع مسدساً على خصره، جالس على كرسي ملتوي وسط الحارة، ثم يقرر أخيراً -وهو يسحب كرسياً من المكتب العقاري ذا الواجهة المكسورة ويعرضه على أحد الرجال ليستريح- تنبيهنا إلى عبوة ناسفة منسية لم يتم تفكيكها موجودة في الطابق الثاني.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>تهمس زوجة الجار أنها لم تر العبوة، كل ما رأته في تلك الشقة هو أثاث بيتها الذي أُنزِلَ من الطابق الثالث إلى الثاني وُكّدس في تلك الشقة المفخخة لسبب غير معلوم.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>يخبرنا أبو علي بأن هناك عائلة من معارفهم قررت أن تبات اليوم في المخيم، فهم يخشون على ما تبقى من أغراض بيوتهم.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>كيف سيباتون؟ لا ماء ولا كهرباء، حتى إشارة الأبراج الخليوية شبه مقطوعة، كالتخييم الإجباري وسط صحراء في فلم خيالي عن المستقبل ما بعد القيامة.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>تكتب ميسون ورقة تلصقها على باب البيت بعد إغلاقه:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8211; &#8220;مسكون&#8221;..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وكأن هذه الكلمة المرسومة بالأزرق ستمنع المختصين من الدخول وإخراج الغسالة والفرن.. وكأنها شريط عبوة ناسف ملتفّ مكوّن من خمسة أحرف وقد يحمي المكان.. لكن.. يبقى لديها أمل.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8211; يللي بيقهرك أنو غراض بيتك عم تنسرق قدام عينيك وأنت واقف عم تتفرج.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>تقول زوجة الجار لميسون، فتسقط ورقة &#8220;مسكون&#8221; عن الباب بفعل الهواء.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>*****</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لم نستطع المرور إلى بيت ميسون عبر شارع صفد.. حجم الردم كبير ولا يساعد على التسلق فقررنا الالتفاف نحوه عبر شارع المدارس التي لم يبق منها شيء سوى هياكل فارغة، وحفر دائرية تتوسط الطريق. أفكر بنوع السلاح الذي يمكن أن يترك حفرة عمقها أربعة أمتار وقطرها حوالي الستة. ما الذي جرى هنا خلال الشهر الماضي؟ لا أستطيع التصور.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>تصادفنا امرأة عجوز تجر عربة قماشية صغيرة ذات عجلات تضع فيها بعض أغراضها:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8211; لازم محمود عباس ييجي ويشوف.. خليه يشوف إيش صار بالمخيم..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8211; مين سائل فينا يا خالتي..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>تلفظها إحدى النسوة وتكمل طريقها.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>نلف في شارع جانبي سالك تخرج منه سيارة محملة بالعفش، نسير لآخره متسلقين فوق الردم لنصل إلى شارع لوبية المفصول في المنتصف بساتر من الردم والمعدن المكوّم، الجهة اليمنى تؤدي إلى شارع فلسطين، اليسرى نحو اليرموك، لكن المعادلة تبدو مستحيلة.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>كان شارع لوبية فيما مضى من أكثر أسواق ضواحي دمشق ازدهاراً وحيوية، بضاعته تنافس جودة بضائع الحمراء والصالحية وأرخص ثمناً.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>كان هذا منذ ست سنوات فقط.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>في الحارة الضيقة حيث بيت ميسون تصل جسور من أبواب مخلّعة بين الطوابق العليا من البيوت المتقابلة لتسهّل الانتقال السريع بين الأبنية تماماً كالطلّاقيات، لكن هذه معلقة في الهواء. كل ما في البيت على حاله من أثاث وكهربائيات وزجاج، تغطيه فقط طبقة سميكة من غبار.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لم يكن على أهالي المخيم اصطحاب مفاتيح بيوتهم معهم كما فعل جدودهم عام 48 آملين بالعودة، فجميع الأبواب مخلّعة لا تحتاج لمفتاح.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ينزع أسامة صورة ابن عمه المتوفى عن الجدار، فقد أوصت حنين بأنها لا تريد شيئاً من البيت سوى صورة أبيها. تتكلم ميسون مع جارتها التي أتت لتفقد بيتها أيضاً فتخبرها تلك بأنها استطاعت إخراج عفشها بـ 150 ألف ليرة سورية وتعطي ميسون رقم الرجل المختص بهذا الأمر.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أنصح ميسون بالإسراع والعودة في اليوم التالي علها تستطيع إنقاذ ما يمكن، ففي الشقة المقابلة نسمع حركة وضجيج ودور شقة ميسون قادم بسرعة لا محالة.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>بعض البيوت تتدلى من نوافذها حبال تسهّل إخراج الأثاث بعد تفكيكه، تقنية تستخدم إن كانت الأدراج متضررة كفاية وغير صالحة للصعود والهبوط.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وسط الشارع يجلس شاب على القطعة الخارجية لمكيف هواء بينما تلملم أمه بعض الأغراض داخل حقيبة بينها قطرميز زجاجي كبير ذا غطاء:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8211; وهاد؟ كبيه.. إيش بدك فيه؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>يقول الشاب متأففاً لأمه فتجيب:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8211; هاد يللي مو عاجبك بتعرف أديش حقه هلأ؟ خمس تالاف ليرة..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أضحك بينما نعود أدراجنا محمّلين بصور الموتى وفناجين القهوة وبعض من صور الأحياء عبر نفق مرتجل في أحد الدكاكين، سواتره برادات مصفوفة بالعرض فوق بعضها البعض، هذا النفق الممترس هو الطريق الوحيد السالك نحو شارع اليرموك الرئيسي.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأبنية محروقة من الجانبين باتجاه مشفى فايز حلاوة. امرأة تجلس فوق الردم شاردة في عالم آخر، امرأة أخرى تبدو مرتبكة وهي تحمل على كتفها سجادة منزلها الملفوفة بعناية وفي اليد الأخرى تحمل صينية لامعة.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>يسيرون محملين بأكياس هزيلة بينما تسير سيارات السوزوكي بموازاتهم محمّلة بالأثاث. أبنية بأكملها على جانبي الشارع وقد تحولت إلى طبقات متراكبة وكأنها كرتون مطوي. أبحث بعيني عن المحل الذي اشتريت منه فستان عرسي فأجده محروقاً تماماً. أتذكر الفستان، لم ارتديه.. مازال معلقاً في الخزانة حتى الآن.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>يحفرون الرصيف الأيمن ويسحبون كابلات الكهرباء المدفونة في الأرض، لم يبق كبل إلا وسحبوه.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أما زالوا يحلمون بإعادة الإعمار و&#8221;العودة&#8221;؟ إلى أين؟ إلى خراب لا يمكن إصلاحه إلا بقدرة قادر، إلى ذاكرة مدفونة تحت الردم وفي أعماق الدماغ والقلب والصور الفوتوغرافية المحترقة؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وبدل أن نخرج من الطريق الرئيسي باتجاه البطيخة يدفعوننا كقطعان يسوقها راع مسلح نحو شارع ضيق إلى اليمين، نهبط أدراجاً تقودنا إلى قبو تحول لمستودع يودي بنا لبداية شارع فلسطين، فنسلك تفرّعات أخرى تخرجنا من حارة ضيقة قرب جامع البشير حيث نجلس ونستريح عند الحاجز. خزان ماء مرتجل في الطريق كتب عليه &#8220;ما في وفا&#8221; يعبئ منه أسامة الماء في زجاجة لنغسل أيدينا ووجوهنا المتسخة بالتراب والسخام.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>تتفق ميسون مع &#8220;أبو النار&#8221; على إخراج أغراضها في الغد:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8211; كيف بلاقيك؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8211; اسألي علي مين ما كان على الحاجز.. بيدلّوك..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>نخرج من شارع فرعي في الرابعة، بينما مازال الناس ينتظرون عند البطيخة الإذن بالدخول منذ الساعة العاشرة، وتعود الحياة إلى إيقاعها الطبيعي رغم الشمس الحارقة.</strong></p>
<p style="text-align: left;"><span style="color: #800000;"><strong>موقع قلم رصاص الثقافي </strong></span></p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/6097">يوميات حرب طائفية أهلية بمحلية (39)</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://www.qalamrsas.com/archives/6097/feed</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>يوميات حرب طائفية أهلية بمحلية (38)</title>
		<link>https://www.qalamrsas.com/archives/6088</link>
					<comments>https://www.qalamrsas.com/archives/6088#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[آنــا عـكّـاش]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 04 Jun 2018 08:17:24 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[يوميات رصاص]]></category>
		<guid isPermaLink="false">http://www.qalamrsas.com/?p=6088</guid>

					<description><![CDATA[<p>المخيم (الجزء الأول &#8211; ذاكرة الأشياء) &#8211; على المخيم.. نظر إلي سائق التكسي مذهولاً.. صمت وفي عينيه فراغ الدهشة فأعدت الطلب بصياغة أخرى: &#8211; بقصد عند البطيخة.. أديش بتريد؟ لم نتجادل كثيراً على السعر فجرمانا لا تبعد سوى كيلومترات قليلة عن تلك المنطقة التي باتت جزءاً من الذاكرة. للمرة الأولى منذ ست سنوات قطعت جسر &#8230;</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/6088">يوميات حرب طائفية أهلية بمحلية (38)</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: justify;"><span style="color: #ff0000;"><strong>المخيم (الجزء الأول &#8211; ذاكرة الأشياء)</strong></span></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8211; على المخيم..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>نظر إلي سائق التكسي مذهولاً.. صمت وفي عينيه فراغ الدهشة فأعدت الطلب بصياغة أخرى:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8211; بقصد عند البطيخة.. أديش بتريد؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لم نتجادل كثيراً على السعر فجرمانا لا تبعد سوى كيلومترات قليلة عن تلك المنطقة التي باتت جزءاً من الذاكرة. للمرة الأولى منذ ست سنوات قطعت جسر المتحلق الجنوبي باتجاه التضامن، مر في ذاكرتي ذلك اليوم الذي سلكت فيه الطريق ذاته نحو المخيم للعزاء بالحجي أبو حسين، لم يمض حينها على تفجير مخفر الميدان بعملية انتحارية سوى ساعات قليلة، طفلة صغيرة دخلت إلى المخفر وحقيبتها المدرسية معلقة على ظهرها، وبعد دقائق فجرته بمن فيه.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>*****</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الطريق الواصل بين جامع الماجد والبطيخة مغلق، تسلقت ساتراً ترابياً حتى استطعت الوصول إلى مدخل المخيم حيث تزاحم الناس، ينتظرون أن تصبح الساعة العاشرة ليدخلوا ويتفقدوا بيوتهم كما وعدوهم. الشمس حادة جداً رغم أنها ما تزال التاسعة وقليل، ورغم شهر الصيام يدخن الرجال ويشربون الماء من زجاجات بلاستيكية كبيرة أحضروها معهم كزوادة، سألت ميسون وأنا أشعل سيجارتي:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8211; صايمة؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8211; إنشالله.. بس ما منعرف شو بيصير..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ترتفع غيمة غبار كبيرة قادمة من الأفق فتقول امرأة تقف قربي لقريبتها:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8211; جابوا الجرافة لتشيل الردم..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>انظر حيث غيمة الغبار تتحرك داخلها دبابة تقوم بمناورتها، ثم انظر إلى المرأة قربي تتغير تعابير وجهها المتعب.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>صوت إطلاق رصاص متفرق آت من الحاجز، بينما ينظر بعض الرجال إلى عقارب ساعاتهم..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8211; كأنو الوقت ما عم يتحرك..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>تقول ابنة الخال..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الوقت ثقيل بثقل هذه الشمس، أفكر لمَ لم أحضر معي شيئاً أضعه على رأسي، أنا التي تتعبني الشمس. أبحث عن بقعة فيئ أختبئ فيها فلا أجد سوى محرس مرتجل من صفيح قرب حائط جامع البشير، أنظر داخله لأقتفي حياة ساكنيه فأرى بضع فرشات متسخة وأكوام من بطاطا عفنة في الزاوية وأعقاب سجائر تفترش الأرض.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>*****</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>نقرر المناورة بعد أن قام أسامة باستطلاعاته وأيقنّا أن انتظارنا سيطول، فنتجه نحو التضامن لنحاول الدخول عبر الحاجز في نهاية شارع اسكندرون لنصل مباشرة إلى ساحة الطربوش.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>تتغير التضاريس العمرانية مع اقترابنا من الحاجز، أمتار قليلة هي البرزخ الفاصل بين الحياة والموت، بين &#8220;ما يزال&#8221; و &#8220;ما كان&#8221; ولم يعد موجوداً.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>نقطع الحاجز دون أن يطلب أحد وثائقنا مع تنبيه ألا نُخرج شيئاً من الداخل سوى الأوراق إن كانت ما تزال موجودة.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>نسير فوق الردم، جماعات متفرقة مكونة من أسر أتت لتفقّد بيوتها، لا أعرف ما عليّ ان أفعل، أأنظر تحت قدمي كي لا أقع أم إلى ما يحيط بي من أبنية هبطت كبسكويت تكسّر بين يدّي شرطي أمسك بولد يبيع بضاعته عند إشارة المرور.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>للمرة الثانية يراودني نفس الإحساس، الأولى كانت في حمص، والثانية هنا، وكأنني أسير عبر ذاكرتي منذ ست سنوات، وليس الآن، أرى كل شيء كما كان، وليس كما هو عليه وأسمع ضجيج الشارع والناس رغم السكون القاتل في أذني، لا صوت سوى صرير الحصى تحت أقدامنا ورشقات متفرقة من رصاص تأتي من بعيد.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>نسير في شارع فلسطين باتجاه موقف أبو حسن، ميسون بالكاد تتعرف على معالم الجغرافيا التي ولدت فيها وعاشت حياتها كلها تنقص سنوات ست لا غير. نمر بالقرب من موقف سينما النجوم فالتقط صورة للافتة الزرقاء التي تحمل اسم الموقف، واستغرب أنها لم تصب بطلقة واحدة رغم كل ما حولها من دمار.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لن أصف الأنقاض، ولا رائحة الحريق الواخزة فلا فائدة من ذلك، سأختصر الوصف بأنه لم يبق شيء من معمل البسكويت على يسار الطريق، ولا من صالة الأفراح القريبة منه.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>يصعد أسامة إلى بيت عمه ليأتي منه بصورة في برواظ، أولى غنائمنا لاسترجاع ذاكرة الأموات والراحلين. وبينما نسير نحو العمق بحثاً عن مدخل حارة صالح لإيصالنا إلى البيت تمر قربنا سيارة محمّلة بغنيمة من أثاث منزلي، ينظر سائقها نحونا بشفقة ثم يرمي جملته كرصاصة:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8211; على شو جايين؟ تتحسروا؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أجل.. أتينا لنشعر بالحسرة، أتينا لنكسر كسرات قلوبنا، لنحاول أن نلملم بعض الأوراق وذاكرة، بينما على ما تبقى من رصيف مجاور تصطفّ أغراض حطام البيوت مفروزة بعناية، كومة برادات وغسالات، المكيفات في كومة وحدها، غرف النوم في كومة أخرى، غرف الجلوس في كومة رابعة، الأواني البلاستيكية وحدها، الأواني المعدنية مصفوفة فوق قبّان، فهي تباع بالوزن، بينما أسلاك الكهرباء والهاتف تعتلي جبلاً أعلى من قمة أفيريست..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>فكيف لا نتحسر؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>*****</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>للأشياء ذاكرة أيضاً، لو أنها فقط تستطيع الكلام.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>في مدخل البيت أمام الباب تستقبلنا كندرة الحجة خديجة.. وكأنها عادت من زيارتها للتو.. وخلعتها كي لا تدوس على الموكيت الأحمر الجديد.. أتخيل بأنني حين أدخل الصالون سأراها جالسة على تلك الكنبة، تدخن كعادتها بينما تلاحقها ميادة بـ &#8220;المكتة&#8221; كي لا يسقط رماد السيجارة على الأرض.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لكنها لم تستقبلنا، آخر مرة كانت هنا في شهر كانون الأول عام 2012، ثم غادرت في نزوح جديد تاركة حذائها ذا الكعب عند المدخل، لم تعد مرة أخرى.. ولن تعود.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ما يزال البيت على حاله لم ينل منه الدمار سوى زجاج النوافذ المتكسّر وطلّاقية مفتوحة وسط الصالون تصل إلى بيت الجيران، معظم الأغراض ما تزال مكانها مغطاة بطبقة سميكة من غبار، أفكر بما كانت ستفعله ميادة المهووسة بالنظافة لو رأتنا ندوس الموكيت الجديد بأحذيتنا وابتسم لفكرة أنها لو كانت معنا فقد يخطر لها أن تجبرنا على خلع أحذيتنا أمام الباب قبل الدخول.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>نظرت خلف الباب أول ما دخلت باحثة عن علبة الخياطة، لكنني لم أجدها، علبة معدنية مضلّعة كبيرة ذات حواف بنفسجية اللون حوت البسكويت أو السكاكر فيما مضى، تشبه جميع علب الخياطة في بيوتنا، تشبهنا بصلابتها المعدنية.. لم أجدها.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لملمت صوراً قديمة مرمية على الأرض ووضعتها في كيس لنأخذه معنا بينما أسامة ينزع صورة جده وابيه عن الجدار..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8211; شوفي.. هي صورة ميادة مع ابي الله يرحمه.. كانت بتحبها كتير..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>قالت ميسون وهي تريني صورة لميادة يوم عرسها أحضرتها من غرفة النوم التي كنت أسميها &#8220;برّاد التفاح&#8221; لأنها باردة جداً شتاء.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>في &#8220;براد التفاح&#8221; هذا، كانت الملابس ما تزال معلقة في الخزائن، والمرآة مكانها لم تتكسّر، بضع زجاجات عطر فارغة، المصحف في علبته وعلب صغيرة في أدراج الكومدينو، أوراق رسمية متناثرة في كل مكان وعلبة الخياطة.. كانت هنا أيضاً، في غير مكانها، لكن دون غطاء.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>من بدّل مكانها؟ ولم؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لا أعرف.. الأشياء وحدها تستطيع أن تشهد بصمت على ما جرى في هذا المكان.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أيضاً.. وجدنا كندرة عرس ميادة، الفردتان، صوّرتها وارسلتها لها لاحقاً على الفيسبووك.. فعلّقت لي تعليقاً طريفاً:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8211; لا مو كندرة عرسي.. شحاطة حفلة خطبتي من الرقم ٣</strong><br />
<strong> وبنت عمي أمل لبستها ع عرسها لان كعب كندرتها انكسر..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>فأجبتها بأننا أحضرناها لها في كل الأحوال..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>دخلت المطبخ وكانت الغسالة والفرن ما يزالان مكانهما، لكن البراد لم يكن موجوداً، تماماً كحال المكيف في الصالون.. فتحت خزانة الزجاج وأخذت فنجان قهوة للذكرى، وأنا أفكر بكل فناجين القهوة التي شربتها في هذا البيت على مر السنين، الأشياء لها ذاكرة أيضاً، فقط لو تستطيع الكلام لأحصت شفاه جميع من شرب منها في هذا البيت، الحي منهم والميت.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><span style="color: #000080;"><strong>25 أيار 2018</strong></span></p>
<p style="text-align: justify;"><span style="color: #ff0000;"><strong>(يتبع&#8230;)</strong></span></p>
<p style="text-align: left;"><span style="color: #800000;"><strong> موقع قلم رصاص الثقافي</strong></span></p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/6088">يوميات حرب طائفية أهلية بمحلية (38)</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://www.qalamrsas.com/archives/6088/feed</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>يوميات  حرب  طائفية  أهلية  بمحلية  (37)</title>
		<link>https://www.qalamrsas.com/archives/5771</link>
					<comments>https://www.qalamrsas.com/archives/5771#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[آنــا عـكّـاش]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 12 Feb 2018 11:32:30 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[يوميات رصاص]]></category>
		<guid isPermaLink="false">http://www.qalamrsas.com/?p=5771</guid>

					<description><![CDATA[<p>في الباص الأخضر، ذاته الذي نقل أحد أقاربه الخضر مثله جموع الإرهابيين إلى محافظة إدلب الخضراء أجلس على مقعد جانبي بينما تتدلى ساقاي دون أن تطالا الأرض، أرتبك دون أن أعلم ماذا أفعل بهما وبما اسندهما. السائق يرتدي بنطالاً مموهاً ويبيع البطاقات للركاب بخمسين ليرة، رغم سعرها البالغ أربعين والمدوّن على تلك الورقة الصغيرة التي &#8230;</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/5771">يوميات  حرب  طائفية  أهلية  بمحلية  (37)</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: justify;"><strong>في الباص الأخضر، ذاته الذي نقل أحد أقاربه الخضر مثله جموع الإرهابيين إلى محافظة إدلب الخضراء أجلس على مقعد جانبي بينما تتدلى ساقاي دون أن تطالا الأرض، أرتبك دون أن أعلم ماذا أفعل بهما وبما اسندهما. السائق يرتدي بنطالاً مموهاً ويبيع البطاقات للركاب بخمسين ليرة، رغم سعرها البالغ أربعين والمدوّن على تلك الورقة الصغيرة التي أتسلى بلفّها، صحيح أنه لا يرجع اليرات العشر لكنه لم ينسى أن يطفئ مسجلة الباص مع بدء الآذان.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>على المقعد قربي يجلس &#8220;حامي الوطن&#8221; مموهاً من أعلاه لأسفله على عكس سائق الباص، يتسلى بتقليب محادثات الواتس على موبايله، بينما تقف مقابله امرأة تحمل طفلاً رضيعاً بيد وتتمسك بيدها الأخرى بالمقعد الأصفر بينما يهتزّ الباص على المطبّات، قربها امرأتان في منتصف العمر تنظران إلى حامي الديار وتتهامسان عليه، عله يرفع رأسه وينهض لإجلاس المرأة ذات الرضيع. </strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>على يميني امرأة تتحدث على الموبايل، استنتج من حديثها أن زوج ابنتها قد طلقها وأخذ منها الأطفال ورماها وينوي الآن الزواج عليها رغم أنه دون عمل، وهي تطلب من ابنتها الأخرى المطلقة أيضاً أن تستضيفها لديها لأيام معدودة قائلة:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8211; أنتِ دقتيها.. فما حدا غيرك رح يكون أحنّ عليها..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أما الأم المغلوبة على أمرها فلا تستطيع استضافة ابنتها لأن البيت مستأجر وضيق.. </strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>يتداخل حديث المرأة مع حديث الشاب الواقف قرب السائق يطلب من صديقه العسكري عبر الموبايل أن يشتري له سيرف حماة الديار فهو لا يستطيع الحصول عليه لأنه ما يزال وبحمد الله مدنياً.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>يستمر الباص بالاهتزاز وهو يمر فوق الحفر التي تركها الهاون على الاسفلت، وتستمر المرأة بالاهتزاز أيضاً ضامة الرضيع لصدرها كي لا يقع منها، ينهض رجل عجوز بساق مكسورة وعكاز لإجلاسها مكانه، بينما يستمر &#8220;حامي الديار&#8221; بلعب &#8220;كلاش أوف تايتانز&#8221; على موبايله مخططاً للمعارك هازماً الأعداء دون أن يرفع رأسه عن شاشة </strong><strong>الموبايل باتجاه المرأة أو الرجل العجوز الذي بات واقفاً مقابله يراقب من علو تحركاته الاستراتيجية على أرض المعركة.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أفكر بحسين، لم أستطع حضور العزاء، فقط لم أستطيع. </strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أتعرف أنك كسرت جزءاً من قلبي برحيلك؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>شاهدت صور جنازتك على الفيس بوك، شاهدت تابوتك يخرج ملفوفاً بالعلم الفلسطيني من مشفى يافا، ولكنني لم أستطع حضور العزاء، لم أستطع الاتصال بهنا لأعزيها بك وبفقداننا لك. شعرت بالسخف، ماذا سأقول لها؟ أأحدثها عن غيابك؟ هي تعرف من أنت بالنسبة لي، تعرف من أنت بالنسبة لنا جميعاً وأكثر شخص يعرف ما يعنيه غيابك. </strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>قبرك في نجها، قبر أمك الحجة في مكان آخر، بينما أباك ظل في مقبرة المخيم، حتى في الموت شتات.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong> قلت لميادة يوماً أن من حسن حظ الحاج أبا حسين أنه مات قبل أن يتهجر من بيته في المخيم وقبل أن تفرغ المصطبة أمام الدار. قبل أن تنتقل الحجة من بيت إلى بيت ويتفرق أولادها في أنحاء أوروبا الواسعة في شتات جديد، أوروبي هذه المرة. </strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>قبل أن تنتقل الحجة من بيت إلى بيت ويتفرق أولادها في أنحاء أوروبا الواسعة في شتات جديد، أوروبي هذه المرة. </strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أفكر أيضاً بلحظة التوحد تلك، في المسرح، تلك اللحظة التي تصل فيها قبل الجميع، وتبقى جالساً في المقعد الأمامي تدخن سيجارتك بصمت وتنظر إلى الخشبة الفارغة، وحده السكون يحيط بك، وتجتاحك أفكار كثيرة تبدأ بالهروب مع وصول أول الممثلين.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وأفكر بالشاب الذي ترك مخازن سلاحه المليئة بعهدة هيثم قبل أن يهبط إلى الصالة، هكذا أصبحنا، نحضر المسرح بأسلحتنا، فهي الحرب، لكنها لم تمنع عشاق &#8220;القوات المسلحة&#8221; من الاجتماع في أحد مقاهي ساروجا، هي مموهة من أعلاها لأسفلها وسلاحها في جرابها، وهو أيضاً مموه بالكامل تستند بارودته على حافة الكرسي، يشربان القهوة، يدخنان الأركيلة يضحكان ويحبان.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>في العودة تجلس مقابلي عائلة غريبة، لم أفهم بداية من الأطرش منهما، هي أم هو، ومعهما </strong><strong>طفل صغير يضحك ويتحدث بالإشارات مع أمه ثم ينظر نحو أبيه، أراقبهم بينما سائق السيرفيس مشغول بلمّ الركاب من الطريق سائلاً قبل كل توقف:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8211; في معنا محل شي؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>فيجيبونه بالنفي، إلا أنه يتوقف، يحمّل راكباً ثم يطلب من البقية أن يفسحوا له مكاناً حيث لا مكان، وكأننا محشورين جميعاً في زنزانة انفرادية ضيقة. ما أزال أراقب العائلة الطرشاء بينما تهمهم المرأة قربي همهمات استياء من السائق، تتكلم الأم مع الصبي فاستنتج أن الأب هو الأطرش وأفكر بكمّ الحب الذي دفع هذه الأم الصغيرة لتعلم لغة الإشارة من أجل الرجل الذي تحب.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>يصعد راكب يرتدي فلتاً عسكرياً، يسلم عليه السائق بحرارة فيستنتج الجميع بأنه &#8220;أبو بسام&#8221; من كثرة تأهيلات وتسهيلات السائق له، إلا أن تلك المهمهمة المسكينة تعترض أخيراً وبصوت عال على صعوده، فقد التصق بها لدرجة أنها ما عادت قادرة على الحراك، خاصة وأن قربها يجلس اثنان آخران وأبو بسام ثالثهما، في مقعد مقلوب بالكاد يتسع لاثنين لضيقه.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أبو بسام بدوره يفرض شخصيته على الفور حين ينهال بالسباب على المرأة بصوت عال ويتهمها بقلة الذوق فتنكمش تلك في مكانها. كل من في السرفيس يصمتون وكأنهم في قبر جماعي، وقد تحولوا لأرقام بلا أسماء. </strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8211; بس تصير عندك بالفرع تبقى حاكيها هيك.. بس هلأ ما بيحقّلك..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أقولها لأبو بسام بهدوء. يتغير لونه ويطلب من سائق السيرفيس التوقف ثم ينزل خابطاً الباب وراءه. يعترض السائق، فأبو بسام ميكانيكي مسكين، كيف سيصل الآن إلى بيته في كل هذا الازدحام؟</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong><span style="color: #800000;">مجلة قلم رصاص الثقافية</span></strong></p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/5771">يوميات  حرب  طائفية  أهلية  بمحلية  (37)</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://www.qalamrsas.com/archives/5771/feed</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>
