<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>بسمة الشوالي &#8211; مجلة قلم رصاص الثقافية</title>
	<atom:link href="https://www.qalamrsas.com/archives/author/basma-alshwali/feed" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://www.qalamrsas.com</link>
	<description>رهان أخير على دور الفكر الحر والمسؤول في إعادة بناء الوعي واستعادة منظومة القيم، &#34;على قلم وساق&#34; من أجل ثقافة هدفها الإنسان.</description>
	<lastBuildDate>Tue, 29 Jun 2021 20:02:40 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=5.4.18</generator>

<image>
	<url>https://www.qalamrsas.com/wp-content/uploads/2022/03/cropped-لوغو-قلم-رصاص-اذار-2022-1-2-32x32.png</url>
	<title>بسمة الشوالي &#8211; مجلة قلم رصاص الثقافية</title>
	<link>https://www.qalamrsas.com</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>السدّة العارية</title>
		<link>https://www.qalamrsas.com/archives/9378</link>
					<comments>https://www.qalamrsas.com/archives/9378#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[بسمة الشوالي]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 29 Jun 2021 20:02:40 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[رصاص ناعم]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://www.qalamrsas.com/?p=9378</guid>

					<description><![CDATA[<p>أقبل. الخطى مستقيمة، قصيرة، سريعة، تخفخف على صفحة المعبّد المجدور. طرفا البنطال القصير يصطفقان فوق كاحليه على رقصة المشي الهرْوَلة، وإلى ما بعد المرفق بثنيّات باهتة اللّون يتعالى كُمّ السّترة، وتنكمش قماشته عند منعطف يد دأبت ترفع على سارية السّاعد جريدة مطويّة لا تُستبدل حتى ينتشها القِدم وتتفسّخ أخبارها الفاترة. اِعتاد النّاس على رؤية عثمان &#8230;</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/9378">السدّة العارية</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: justify;"><strong>أقبل.</strong><br />
<strong>الخطى مستقيمة، قصيرة، سريعة، تخفخف على صفحة المعبّد المجدور. طرفا البنطال القصير يصطفقان فوق كاحليه على رقصة المشي الهرْوَلة، وإلى ما بعد المرفق بثنيّات باهتة اللّون يتعالى كُمّ السّترة، وتنكمش قماشته عند منعطف يد دأبت ترفع على سارية السّاعد جريدة مطويّة لا تُستبدل حتى ينتشها القِدم وتتفسّخ أخبارها الفاترة.</strong><br />
<strong>اِعتاد النّاس على رؤية عثمان يلتهم المسافات رائحا، غاديا، مستعجلا أبدا، لا ينقطع متحدّثا منفردا متعدّد الشّخوص. يجسّم أحداثا تعتمل برأسه بيد واحدة، ويلوّن صوته على مقاس القائل المضمَر بداخله، فيعطي لكلّ مقال نبرته الحميمة، ولوجهه التّعابير الملائمة حتى لم يفطن أحد لخطورة ما كان ينطق عنه إلاّ متأخرا..</strong><br />
<strong>&#8221; إذا ما استويتُ على الكرسيّ رئيسا سأعمل أن أبعث صحيفة أبلغ حريّة من هذه( يقصد الجريدة التي بيده) لتعبّر بلسان المنظّمة عن هموم المتسوّلين ومشاغلهم. كما سأطالب إلى منتهى الأرْماق في نفَسي وسكتة القرقرة بأمعائي الجوعى جلّ مقاهي المدينة أن تفسح في جوانب من الأرصفة المحتلّة فسحا أسبوعيّا يخوّل لمُدراء فروع المنظّمة ومسؤوليها ونُشطائها المثقّفين من عقد الاجتماعات قصد تدارس الأوضاع والتطلّعات والأحلام، وعليه، واستثمارا لكلّ موارد الصّدقات المتاحة يتوجّب على مقيمي الولائم الفاخرة والمتوسّطة إبقاء بعض الثّمر القابل للقضم على ظهور النّوى، وطُفافات من المشروبات قيعان أوانيها تفي بشيء من السّكر أو ماشابه، وأكثر بقليل أو حبّذا بكثير من الفُتات بالصّحون لتخفيف عبء الاحتفالات على ندوات المنظّمة ومناسباتها.. الله.. الله يا عثمان..&#8221;</strong><br />
<strong>تبسّم البَله على القحط في شفتيه فاستضاء صدأ الأسنان وذاع خَلُوف الفم يردّ امتنانا على تحيّات المارّة..</strong><br />
<strong>&#8220;سيكون لي أن أحظى كرجل أوّل في المنظّمة بما يفوق الثّفل في كوب القهوة وأفخرِ أكياس القمامة. أنا الأحقّ بذلك.. أنا الرّئيس..&#8221;</strong><br />
<strong>جهَم. سقطت خاطرة نابية في نفسه الرّاكدة فتجعّد محيّاه وترمّدت بسمته. كلّما بلغ &#8220;الحاءَ&#8221; من الحلم وتبرّجت في الذّهن تبعاته اللّغويّة خشي شديدا على مقعده المغري من جيل المتسوّلين القادم..</strong><br />
<strong>&#8221; الحُسّد الحاقدون.. سيكونون حتما من مُمْتهني ثقافة السّلب المُعوْلم ومدّعي المعرفة من حاملي الشّهائد العليا والدّنيا المرسّمين في العَطل والتّسكّع.. جيلئذ، لن تدوم رئاستي أكثر من ثروة متواضعة وشهرة محليّة.. بِئسا، تبّا، سحقا، ألا يُغنيهم أنّي إنّما أتكبّد ارتقاء رؤوسهم لأنّي الأجدر بالتّفكير عنهم..&#8221;</strong><br />
<strong>ِاستعرت حمرة عينيه. أزبد الغضب على مفرق شفتيه وطاشت منه شتائم ولعنات أثارت حوله مُلَحا وأهاجت عليه عبسات.. خاض معركة انتخاب وهميّة أبهجت سنّ الصّباح المصطكّة وأوقدت بالضّحك مفاصل الشّارع الكسلى. كان قلبَ الحركة المبكرة الفاترة يتخلّل أبخرة الأفواه وزعيق السّيّارت، يندّد بما لا يفهم مستمع، يطالب، يعارض، يلْكم أشداق الهواء، يعرقل أقدام خيالات تعاركه.. ثمّ أطلق حذاءه المثقوب للجري مروّعا من فكرة حشدت عليه مهالك ليس غيره يعرفها..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وقف.</strong><br />
<strong>أبعاد مختصرة إلاّ شعرا كثّا يقِفّ مكوّما على وجه مصهود عرِق، وحضور مضطَهد في ثياب ضيّقة تمنع عن جسمه اللاّهث أن يغْنَى بشيء من الشّحم فيبقى عاريا دون وليّ كسوته النّحيف.</strong><br />
<strong>تقلّب رأسُه ذات الأنحاء منفعلا.. كانت نفسه تتخلّص هنيهة فأخرى من أعدائها المفترضين لكن.. أيّ مظلمة أن لا يعبأ له أحد من هذه الوجوه الدّواخن، والأبدان الهَزْلى والقلوب الغُفل..؟ &#8221; ألا يعنيهم أن يكون لكلّ متسوّل، على سبيل التّمنّي، بطاقة هويّة خاصّة تخوّل له التّنقّل بين المدن المحليّة والخارجيّة مجانا، وتكفل له حريّة العمل في الشّوارع الفخمة وعلى البوّابات المحصّنة، وحقّ الظّهور العلنيّ في مراسم استقبال الشّخصيّات الوطنيّة والعالميّة.. ؟&#8221;</strong><br />
<strong>عقب سيجارة ما تزال جثّتها منذورة لزمن رديء من الاشتعال هو ما أجبره على التّوقّف واعدة إيّاه بشيء من الهدوء. اِنحنى مسرورا يلتقط فضلة التّبغ. قلّبها مُضَيِّقا عينيه. اِمتصّها مطفأة يملأ صدره هُراء ثمّ زَوَا حاجبيه، وزمّ شفتيه يلخّص أفكاره..</strong><br />
<strong>&#8220;ترفّق بمن لا يعلمون يا منقذ الهوامش من الضّلال. ما هي إلاّ ساعات قلائل حتى يبشّروا بالنّعيم العاجل..</strong><br />
<strong>عثمان، يا عثمان، توخّ الحكمة في طرح القضيّة وجمع المؤيّدين وضرب المناوئين. اِسمع، لتكن أوّل المطالب الموجّهة لعامّة السّائلين أن يلتزم الموسرون بوضع بقايا محترمة من الأطعمة مصنّفة غير مخلوطة ولا ملوّثة في أكياس بلاستيكيّة نظيفة، تُلقى في حاويات خاصّة لتفادي النّزاعات الحادّة بين الوحوش السّائبة من جهة والمتسكّعين المبتدئين من جهة ثانية. هذا إغراء كاف لحشد القاعدة مبدئيّا، هل هناك أفضل من طعام مصنّف على قدر من النّظافة والدّسامة..؟</strong><br />
<strong>أمّا لخاصّتهم فإنّه يتحتّم على الكاسين الشّاربين الشِّباع ترك مارْكات المطاعم والمشارب والملابس ومحسّنات الأمزجة على الفواضل ليتعرّف مثقّفو الأرصفة ومستنيرو السّؤال إلى نوعيّة الموادّ المستهلكة ومصادرها قصد تمكينهم من المشاركة الفعّالة في حركة التّطهير العالميّة، واتّخاذ المواقف الملائمة في حالات الحظر البيئي على الأحياء النّظيفة الجَحود، والحصار المعيشي على شحّاذي الشّغب الهدّام..</strong><br />
<strong>مذهل.. مذهل أنت يا عثمان.. نابغة تحت الأسمال وفوق مجالس الاسمنت المُثْلج ومفارش الشّظف اليابسة.. غدا يعلمون أيّ عثمان أنت يا عثمان..&#8221;</strong><br />
<strong>عابرٌ شفيق أشعل له الجثّة الباردة. سُرّ بقدحة الوهج بين أصابعه. مزّها بالْتذاذ وعين زوْراء ثمّ استأنف سيره المهلهل موغلا في زُخْرُف خواطره وأزقّة الحيّ.</strong><br />
<strong>وقف المرّة حيث يجب.</strong><br />
<strong>كانت الخِرب من حيّ السّؤال متهدّمة الأركان كأفواه دقماء لعجائز وشيوخ تداعت بهم الرُّكَب، نجوا من الغرق بقدَر ما، وجلسوا عند مصبّات المياه المغلقة يحاكمون المطر الهطِف ويلوكون هُدْل الجلد من أحناكهم..</strong><br />
<strong>تغضّن جبينه المغمور شعرا متلبّدا يتأمّل بقايا العاصفة. تمتم يستنتج جزْما أنّ مَلَكة الخلق في الأفكار المنقذة تحتاج دوما إلى فتنة الدّمار المُبدع يصنع الوعود من الفواقر الجائحة، ولَزب المراقد تحت الجنوب الخاوية الطّاوية الوسخة.. لا يسع الأفكار الكبيرة إلاّ أن تمشي على الجماجم وكسر العظام وأطلال الحياة وقد استهلكها الكبار حتى الرّمق الأخير..</strong><br />
<strong>&#8220;عثمان، اِنتبه لموطئ القدم أن تزلق في الغفلة أو رديفها الاطمئنان.. كلّما اعتلت الأفكار المنقذة رقاب الواقع البسيط توهّجتَ تُجْلي لبقايا النّاس من تحتها آيات الخلاص الأخيرة..&#8221;</strong><br />
<strong>اِنتشى. اِنتفج. قطّب. اِنبسط. تمطّت شفتاه تلاحقان السّيجارة المنتهية قبل أن تجْهَز آخر نقاط ورقة التّرشّح التي سيعلنها بعد حين.. يريدها سحرا ينشر فوق الرّؤوس غشية العجب على قدر نبوغه النّادر، وشخصه المنحرف عن عادة المترشّحين في البلاغة الرّساليّة.. ضربة ناسفة لكلّ من يسوّل له الطّمعُ منافستَه على مقعد الرّئاسة أو حتّى تشمّم مغانمها..</strong><br />
<strong>&#8220;..لا. قطعا. أنا لم أهمل مسألة التّعويض المادّي عن الخسائر المنجرّة عن شدّة انحدار السّماء والمدينة عند مستوى حيّ السّؤال تحديدا.. الخسائر الماديّة المنجرّة عن عاصفة الأمس أشدّ من فادحة.. لكن..</strong><br />
<strong>كم مالا يكفي مُدمنا على طلب المال ليقلع عن لجاجة الطّلب..؟ ليقلب يده المبسوطة ظهرا على كفّ الذّلّ..؟ كم؟ ليقترِحْ أحدكم.. كم؟ أنا أقبل المقترحات الصّائبة أو بدائل الصّواب، لكلّ الحقّ في الرّأي يُبْديه أو يُخْفيه كلّ بحسب الكياسة التي لديه، وعليّ لزوم ما يلزم المصلحة العامّة بعد الخاصّة.. تحرّروا من تقيّة المعاني. لكم مطلق الحقّ في التّعبير.. &#8221; فقط إلى حين..&#8221;(.. الجملة الأخيرة المسوّرة بأظفار غليظة، كانت عبارة قلبيّة من غيب الفعال، ومستور النّوايا، وشهادة الضّرورة..)</strong><br />
<strong>هيّا قدّروا أنتم بدل الطّعن في صلاحيّتي للمهمّة المصيريّة..</strong><br />
<strong>قد يغنيني مثلا، كفنّان في الشّحاذة برتبة متسوّل سابق أعايش الطّبقة مآسيها اليوميّة، طبق طعام شهيّ كثير لحمه بارق شحمه عن طرق الأبواب قبل الوجبة التّالية، أو تكفيني كسوة على مقاسي الحقيقيّ ودثار نصف حنون فلا أُلْحف في السّؤال مدّة ما.. لكنّ رزمة أوراق نقديّة لن تحملني أن أتعفّف. كيف أتعفّف عن طلب المزيد..؟ كيف..؟ هه.. كيف..؟ إنّه المال.. المال يا هؤلاء، نطلبه لذاته، للهسيس في ورقه والرّنين في قطعه، ورائحة الرّغد المستعصية على التّوصيف في حوافظه.. هو ذا المال، مفردة مستبدّة في اللّغة لا تحبّذ التّعريفات ولا النّعوت ولا الإضافات الرّكيكة.. يظلّ المتسوّل بعد أن يُعْطاه طالبا مضجِرا يحتمل الزّجر والنّهْر على أن ينفق من مال اكتسبه بيُسر ودون أن يدعو لأحد بخير لا يرجوه له أغلب الدّعوات المرسلات..</strong><br />
<strong>ثمّ من أطالب..؟ قولوا.. من..؟ العالي أم السّافل..؟</strong><br />
<strong>السّماء نفسها شريكة المدمّرِ الأرضيّ، حليفة المنكِرِ.. أليست أغارت سُحبها الغادرة ليلا وأنكرت شمسها بالنّهار الغارة..؟ هل سمع أحدكم منزلا مرموق الرّتبة جرفه تيّار الماء؟ هل شاهدتم حيّا ترِفا أُلقي على جرف هارٍ أو مجرى فيض عميم فانجرف، وأهلُه حفاة يخوضون الماء التّرب خلف الأثاث والمُؤن..؟ أنتم تقطنون مدينة جائرة أيّها الرّفاق. مدينة يلذّ لها في لحظة من نزق السّحاب أن تلقي أحياءكم هذه إلى الوحل تسبح فيه. فنجلس نحن على شطآن الطيّن المائع نرنو إلى أفق تسنّه، ونصطاد ما طفا من متاع الأحلام.. هذا يسحب آخر همسة لفظها قبل أن يفيض عليه الماء، وهذا يتصيّد خيباته الغرقى، وتلك تجهد في سحب ما أجهدت الجيب في جمعه يفرّ منها على ظهر الحمإ، وهؤلاء كأولئك أبصارهم خاشعة.. حتى أنتم منافسيّ الجشعين تتفّقون على الطّرف الأوّل فتكيلون له الثّوْرات الشّنيعة والتّهم النّكراء وتخرجون عليه بالعصيان والكفر، وتختلفون في تعريف الطّرف الثّاني متحاشين ذكر الأسماء..</strong><br />
<strong>حسنا. حسنا. لا بأس. عثمان يقول إنّ الاستمراريّة تقتضي كثيرا من التّنازل. هذه الحقوق تأتي في مرحلة ما بعد التّأسيس، والأجدى مبدئيّا تجنّب أيّ مطلب نقديّ صريح يؤلّب على مستقبل المنظمة المانحين وهوّاة الألعاب الخيريّة ومديري المغاسل العالميّة للأموال.. هاه..؟ ما رأيكم..؟ أفحمتكم..؟&#8221;</strong><br />
<strong>تقدّم بعدئذ منشرحا، بطيئا، رصينا، يقدّم صدرا ويؤخّر رأسا. ثمّ تقصّد جرّ قدميه مثيرا أنين المواطئ الجريحة. ضمّ الجريدة إلى قلبه. قضم من خبزه الجافّ قضمات متتالية سريعة ازدردها بلا تمعّن في طعمها المغمّس بوسخ اليد الحرّة. فطن فضول النّاس من حيّ السّؤال لمشهده الغريب. اِزدهى مستَفَزّا ببضع عيون تنتبه إليه. تصفّح الجريدة. أشرعها. قطّب جبينه يقرأها بانشغال. طواها بغير إتقان. تأبّطها منطوية على قطعة الخبز الباقية. خطا مطرقا. صعد بِهَمٍّ وقور سُدَّة أنهك اليومَ الحارّ يسوّيها من جِدّ التّعب مرتفعا خرِبا يليق بما تمخّضت عنه قريحة الخُطب: مصطبة واطئة من كِسَر الجدران وقطع الآجرّ المنخورة، تسقفها صفحة من القصدير نزحت بها الرّياح عن مسكنها القديم.</strong><br />
<strong>على قعقعة المنبر تحت قدميه، صار وجوده المضطهَد يعتلي الأسماع المنصرفة، ويشرف بجديّة الأفكار الخطرة على القاعدة من ذاكرة العاصفة: فِرَدُ أحذية غرقت عن أقدامها، أخلاق أثواب تنقّعت في بطون الحفر الموحلة، حشايا مبقورة انتفجت، فُرش موحلة تكوّمت، قدور كحلاء تناثرت، سقوف نخرة ارتكنت على جدرانها، مساء أشيب يجتاح السّماء، يتكوّر على كاحل النّهار المُدْمى وينثر بياضه المصقّع على أشفار الأحياء والجوامد..</strong><br />
<strong>كانت مجمل المشاهد في الحيّ المتهالك تستجيره، بل كلّ مشاهد العالم المُهْلكة تستجيره..</strong><br />
<strong>&#8221; أنا آت يا شحّاذي العالم..&#8221;</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لكنّ التردّد يربكه بعدُ.</strong><br />
<strong>&#8220;المهمّة معضلة وهؤلاء فئة تُزري قيمة الانضباط ولا تمتهن الصّبر إلاّ على وضع مهين..&#8221;</strong><br />
<strong>حمحم يوشك ينفث رئتيه لأجل أعناق قليلة الْتَوَت تنظر ناحيته متفاكهة ساخرة. كان ذلك وقت يؤوب أغلب السّكان إلى الدّور وأشباه الدّور ومثاوي الخلاء. سحب الجريدة من تحت إبطه في عصبيّة هادفة. سقطت قطعة الخبز عند قدميه. اِجتهد ألاّ يهتمّ لها بينما تعلّقت بها بعض العيون تتحيّن اختطافها.</strong><br />
<strong>غمغم يقرض شفتيه أسفا..</strong><br />
<strong>&#8221; ليأْكلها أحدهم. لا بأس. كلّما نشفت حفرة من الماء أينع في قاعها الجوع. عَلَيّ أن أزدري اللُّقم الصّغيرة لأغنم الشّبع الأكبر. كنت دائما أعْلَمَهم، وكانوا لفرط جهلهم يظنّون بعقلي الفذّ الجنون.. غدا تردّد أصقاع الدّنيا اسمي ويُرَشّ عليّ فتات الخبز أينما حللتُ.. &#8220;</strong><br />
<strong>بدا هناك، في مرتفعه من السّدّة أعقل ممّا يجب وأدهى ممّا يُحتسب. يروز صغائر الأحداث بِعَتَهٍ مقيس وبلاهة ماكرة، ويستزيد هزء الحاضرين ليحشدهم حوله مصيخين..</strong><br />
<strong>حين عجّ محيط السُّدّة بالسّاخرين المتندّرين، رفع واجهة عينيه، أعلى رؤوسهم، الجريدة تبرق تحت الشّمس الغاربة صفحاتُها المضمّخة زيتا. اِرتجل غِمار الجلبة الشّعواء مرثيّة منمنمة الأحزان والمآثر تنعى الفقيد عبد الكريم شهيدا، مُبْتدَعا، عصيّا مَثيله على وعي الأرصفة وذاكرة الشّوارع، كان سافر إلى نهايته على متن الماء الوسِخ إلى ظلمته مكفّنا في ثوب العرس، وشيّعته جنازة موحلة الأقدام باردة الأدعية..</strong><br />
<strong>أخذت الغوغاء في الخَبْوِ جملة ماطرة فأخرى.. أدرك الضّاجّون بعض المعاني المبهمة فأخفضوا الضّوضاء شيئا من الاهتمام يتذاكرون افتراءً مناقب المرحوم ويتكلّفون الإنصات حتى شفير النّعي..</strong><br />
<strong>-رغم رثاثة عقله، يقول هذا الـ&#8221;عثمان&#8221; كلاما غاية في الكذب المزركش يدفئ العُفونة في قبر الميّت المدفون جوف الماسور..</strong><br />
<strong>عندما سكت مختبرا وقع الصّفحة الأولى من خطّة الترشّح المنفرد لرئاسة المنظّمة، اِنشقّ الهدوء المُخاتل نواحا مغنّى على وزن الحزن المتداول في المدينة. مدّدت المتسوّلات النّائحات زمن البكاء المقفّى مستميلات قلوبا مقفلة دون مألوف الغوائل، مستدرّات بريق الدّمع من عيون ناشفة..</strong><br />
<strong>اُستثير عثمان بالإعجاب النّائح وبذيء المديح. اِستضاءت قترة عينيه وميضا. رعش رأسه متوتّرا. العقبة الأولى ذلّت بحفنة من كلمات متبرّجات زيفا، جعلت الغرق في فضلات البشر فضيلة تسترعي قرائح المراثي البديعة وهيّأت للخطيب، من لحم الميّت النّتن، مقعدا شرفيّا وثير المجلس والجانبين..</strong><br />
<strong>تربّص بفخره يستعدّ للمرحلة الأخطر. تنفّس عميقا فارتفعت مقدّمة السّترة الضّيّقة وتعرّى أسفل بطنه الطّاوي. أخذ يتسوّل الصّمتَ الشّحيح ويتوسّل الهدير المائج بعض الإصغاء بحركة متّزنة خافضة رافعة من يديه وجذعه دون أن يظفر بأذن واحدة منتبهة. صرخ.. لعن.. سبّ.. لوّح بقبضته المهزولة. هدّد ببطشه المدّخر. لطم الفضاء، ركله، لكمه.. تحرّك مضطربا على منبر راجف.. اِختلّت موازينه.. علِق طرفٌ من بنطاله بحافّة منبر القصدير المسنّنة فكُبّ وجهه في نُقرة ماء تتنقّع فيها ثياب أهملتها الرّياح هناك.. لذعه برد الماء ورجفة الهُويّ. تداعوا عليه يضحكون ماجنين مستهزئين فضحك الرّئيس المقبل من بلاهة المرؤوسين وحمقهم.. تمرّغ في مسقطه يتضرّج بالنّصر المترب والثّراء الحمئ والرّغد المنقّع في بِرك الحيّ المتسوّل.. لا يسلم الفوز الأخير من سقطة نضاليّة بداية الطّريق تفتتح المجد القادم.. غدا يعلمون..</strong><br />
<strong>نهض باليَ الحال مسفوع الوجه. نضح شحوبه مُشْرَبا بدكنة كئيبة. نشّف وجهه بجانب من سترته البليلة. اِستقام عرض الضّحك المتعالي يبتسم ويؤرجح رأسه بالتّحيّة لأكفّ الهزء العابثة بأفكاره الكبيرة، ويتواضع لمنتخِبيه رئيسا للمنظّمة بتفويض رسميّ من نفسه وتزكية الجلبة.</strong><br />
<strong>عاد يرتقى المنبر من جديد مشوّش الحركات. سكتوا ينصتون له استزادة للعبث. صرّح بجدّيّة خطرة وصوت أبحّه الصّراخ:</strong><br />
<strong>&#8211; أيّها الزّملاء الشّاقون، يا أيّها المتسوّلون الأبرار المهملون، تصفيق لو سمحتم..</strong><br />
<strong>وزمجر في نفسه &#8220;هُمّج جُهّل لا يعرفون أدب الاجتماعات الهامّة ولا قدر الكبار&#8221; ثمّ ابتسم بتعال يستمرئ تصفيقه لنفسه ويستدرك الفاتحة المختلّة مضيفا للمنادى مؤنَّثَه..</strong><br />
<strong>&#8211; أيّتها الزّميلات الشّاقيات المتسوّلات البرائر المهملات، باسمي الذي تعرفونه &#8220;عثمان&#8221; وأسمائكم و&#8221;ـكُنَّ&#8221; الملفّقة حتما، وخاصّة باسم مخبزة &#8220;الرّخاء&#8221; التي تؤمّن لي يوميّا رغيفا كاملا مجانا، ومقهى &#8220;السّعادة&#8221; تُفسح لي في حافّة الرّصيف الملحق بها أترشّف هانئا رائحة القهوة وأعدّ صدقات الزّبائن..</strong><br />
<strong>هيّا صفّقوا لـ &#8220;الرّخاء&#8221; و&#8221;السّعادة&#8221; من فضلكم و&#8221;ـكُنّ&#8221;..</strong><br />
<strong>صفّق المرّة أيضا منفردا بحرارة مستهترة. وحده المتعاقد معهما على مبدإ الصّدقة الجارية.</strong><br />
<strong>&#8211; إنّني أُعلن اللّيلة على شرف الفقيد العزيز عبد الكريم عميد الغرقى والموتى المركونين على المصاطب الباردة والزّوايا المظلمة، شهيد المطر الوبيل والحيّ الممدّد مجرى وادٍ مطمور.. أعلن لكم، عذرا أيّها الحاضرون والحاضرات، صبرا قليلا، قبل التّصريح بالإعلان، أقول ثمّ باسم وريثة ماله الشّرعيّة، أرملته ما قبل الدّخول، مناضلة الشّوارع الأولى، السيّدة رفيقة. تصفيق حارّ للسيّدة رأس المال، عفوا السّيّدة رفيقة. أين أرملة الشّهيد؟ لتتقدّم أمينة مال المنظّمة القادمة. أفسحوا لها المجال أيّها السّيّدات والسّادة.. ولشقيقه أيضا، دعوه يتقدّم بسلام. اِرحموا عماه يرحمكم إرثه من أخيه.. سأعيّنه ناطقا رسميّا باسم الرّئيس..</strong><br />
<strong>رفرفت عيناه تلقاء رفيقة.. خفقت حولها راية المستقبل الماجن يزدرد أحلامه الاستباقيّة يكاد يغصّ في ريقه..</strong><br />
<strong>&#8220;سأتّخذها وكيلا عاطفيّا عن جسدي المدقع، وأولّيها بدل أمانة المال التي ستكون تحت سلطتي المباشرة وزارة الشّؤون العاطفيّة وارِدها وصادِرها وأرباحِها طائلة المتعة..&#8221;</strong><br />
<strong>خفّ يلجّ في استقبالها. تقدّم نحوه الجميع ضاجّا هائجا فهلع واستجمع شجاعته في ترويضهم. تراجعوا عنه باتّفاق حدسيّ خبيث يصفّقون رفقا بعقله المعطوب وتمديدا في زمن المُزحة المثيرة. لم يجد حينئذ إلاّ أن شدّ الجريدة لإبطه وانبرى يترجرج ويضرب كفّيه بعمه وانفعال ومنبر القصدير يطقطق تحت قدميه ويلاعب قطعة الخبز عشاءَ ليلته الوحيد..</strong><br />
<strong>&#8211; أيّها الإخوة والأخوات شكرا، شكرا. اِسمعوا أدام الله لأكفّكم الانبساط ولألسُنكم سلاسة الدّعاء. إنّي أُعلن الآن رسميّا وبعد أن أرضيت الجميع، تأسيس منظّمة الرّفق بالمتسوّل التي ستعمل جاهدة على قتل الجوع قتلا(صراخ) ونفي العراء شتتا(..وتصفيق)، وتبديد الحفا بددا(..وتصفير)، وتمزيق الخصاصة إربا(..وشتائم قاذعة)، وتلبية ما يتيسّر من المطالب التي ستُطْرح عليكم والحاجيات التي ستُتْلى لكلّ..(..وعبارات استحسان نابية..).. لكلّ سائل محترف أو متربّص أو وقتيّ ينخرط في المنظّمة ويساهم في نشاطاتها سواء أكان من متسوّلي هذا الحيّ أو من إخواننا في الأحياء المحليّة والعالميّة..</strong><br />
<strong>مهلا، مهلا، الخير قادم على يديّ.. تأمّلوا الآن هذه المقترحات والمطالب..</strong><br />
<strong>هه.. من له اعتراض..؟ أو.. إضافة ؟ أو سؤال..؟</strong><br />
<strong>لا أحد..؟</strong><br />
<strong>لا أحد. حسنا. اُصمتوا الآن تماما ومن يوافق منكم على هذا المشروع المعيشيّ الضّخم يرفع صوته..</strong><br />
<strong>كانت الفوضى أكثر الحاضرين فهما. منحت المشروع وهم التّأسيس ورأَّست المترشّح الوحيد بالأغلبيّة المطلقة قبل أن تتدخّل الشّرطة لفرز الأصوات الهادرة ..</strong><br />
<strong>تفلّتت الحناجر من دهشة المعاني وتفجّرت هرجا محموما، وشتائم رذيلة، وصياحا همجيّا مزّق سُدول الضّباب المرتخية..</strong><br />
<strong>تطايرت عمائم ولُحُف وعلب ومطاريق من خشب ومعدن وطرابيش.. اِرتطمت أجسام بالحيطان القائمة على خراب، وبالرّؤوس والأبدان والأقدام.. تقارعت قدور وجفان وهراوٍ وكِِتَفَة.. اِحتدم عراك بين رجال اختلفوا في اقتسام الأحياء المرفّهة وتوزيع الأكياس المأمولة والصّدقات المشروطة حسب ما طالب به الرّئيس.. تسابّت نساء.. تشاددن من شعورهنّ ومزّقت بعضهنّ أسمال بعضهنّ بعد أن لم يتّفقن البتّة على إعادة توزّعهنّ على ربّات البيوت الكريمات والعائلات السّخيّة..</strong><br />
<strong>خرج عثمان من تحت سقف الضّباب الكثيف صباحا رجِفا حثيث القدمين وهُدْل البنطال المشقوق تخفق على الكاحل العاري وتتدلّى على سارية السّاعد مِزق السّترة والجريدة. نجا &#8220;بعقله الفذّ&#8221; من ضرب مبرّح نال من رفاقه البارحة..</strong><br />
<strong>لم تردّ رفيقة تحيّته. تجاوزته بإهمال حقود على غير ما اعتاد. هذا المدّعي جنونا كان يخطّط لسرقة مال انتشلته من عبد الكريم عندما كان يغرق.. ما كان لها أن تضيف لصفاتها الشّوْهاء نعت الأرملة بلا أجر.. ألقت بنفسها غمار الماء المتحدّر قويّا. أدركت سترة زوجها المنسحب إلى جوف المدينة، كان يربط ماله في كيس إلى جنبه ويستمسك شديدا به. اِنتزعت الكيس عنوة من المنيّة الشّرسة ولم تبذلْ لزوجها جهدا ينقذه..</strong><br />
<strong>&#8220;مخبزة الرّخاء&#8221; لم تتصدّقْ عليه هذا الصّباح بخبز يومه ولا سَمحت له &#8220;السّعادة&#8221; بالجلوس على حافّة الرّصيف المعتاد لارتشاف رائحة القهوة.</strong><br />
<strong>ذاع اسمه في الأنحاء كافّة معتوها بعقل مخيف وأفكار عاصفة كادت تجعل من نزق الجنون حركة دفاعيّة غائلة &#8221; تثقّف سلوك الابتزاز العاطفيّ القائم على تقنية الدّعاء وحبكة الإلحاح التّقليديّيْن لدى المتسوّل العامّيّ البسيط، وترفعه إلى مستوى التبجّح بالحقوق وإملاء المطالب على المتصدّقين ذوي القلوب الرّحيمة..&#8221;</strong><br />
<strong>لكنّه لا يعبأ بما يعتقدون. في كلّ منعطف جريدة ملقيّة يرفعها على سارية السّاعد ويمضي وجهة حلمه. يوقن فوق علم هؤلاء أنّه سيغدو يوما ما رئيسا فعليّا لشيء ما يؤمّن طعامه وكساءه وتبغه ومأواه وامرأة خياله.. </strong></p>
<p style="text-align: left;"><span style="color: #800000;"><strong>مجلة قلم رصاص الثقافية</strong></span></p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/9378">السدّة العارية</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://www.qalamrsas.com/archives/9378/feed</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>&#8220;ولي خطوات في فلسطين&#8221; لنجاة البكري: قول فيما خفيَ</title>
		<link>https://www.qalamrsas.com/archives/9347</link>
					<comments>https://www.qalamrsas.com/archives/9347#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[بسمة الشوالي]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 19 May 2021 21:14:55 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[رصاص ناعم]]></category>
		<category><![CDATA[بسمة الشوالي]]></category>
		<category><![CDATA[نجاة البكري]]></category>
		<category><![CDATA[ولي خطوات في فلسطين]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://www.qalamrsas.com/?p=9347</guid>

					<description><![CDATA[<p>في الخطاب الذي ألقاه بمناسبة تسلّمه لجائزة &#8220;القدس الدوّلية&#8221; وصف ميلان كونديرا إسرائيل بأنها &#8220;قلب أوروبا الحقيقيّ، قلب غريب وضع فيما وراء الجسد&#8221;، جسدها الخاصّ، أين؟ في قلب الشّرق الأوسط، فلسطين &#8220;أم البدايات&#8221; لأنّ عينها على الشّرق الأوسط المتصدّع والّضعيف والغارق في المديونيّة والتبعيّة الاقتصادية والاستبداد السياسي الذي ترعاه هذه الدّول بذاتها سرّا وعلانية، ولأن &#8230;</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/9347">&#8220;ولي خطوات في فلسطين&#8221; لنجاة البكري: قول فيما خفيَ</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: justify;"><strong>في الخطاب الذي ألقاه بمناسبة تسلّمه لجائزة &#8220;القدس الدوّلية&#8221; وصف ميلان كونديرا إسرائيل بأنها &#8220;قلب أوروبا الحقيقيّ، قلب غريب وضع فيما وراء الجسد&#8221;، جسدها الخاصّ، أين؟ في قلب الشّرق الأوسط، فلسطين &#8220;أم البدايات&#8221; لأنّ عينها على الشّرق الأوسط المتصدّع والّضعيف والغارق في المديونيّة والتبعيّة الاقتصادية والاستبداد السياسي الذي ترعاه هذه الدّول بذاتها سرّا وعلانية، ولأن ذلك سيكون ذريعتها الدّائمة، مثلما هو ذريعة الولايات المتحدة الأميركية على نحو علنيّ فظّ ووقح في كثير من الأحيان، للتّدخل السّياسي والاقتصاديّ والعسكريّ في المنطقة فضلا عن النّهب المنظّم لثرواته من جهة وعن كونه سوقا استهلاكيّة ضخمة، وبلا حرّاس فعليّين لما تنتجه هذه الدّول أو حتى لما تريد أن تتخلّص منه من أسلحة وأدوية وممنوعات، وإيديولوجيات قاتلة وتنظيمات غير مرغوب فيها أو جماعات متطرّفة عنيفة ترعرعت في أحضانها وتحت أعينها على غرار الصهيونيّة، والقاعدة، وداعش.. ثمّ تهديده بالحصار الاقتصادي والتجويع في حال تجرّأ على اتخاذ موقف مناوئ لسياساتهم في المنطقة كما فعل ترامب مؤخّرا في  ما يتعلّق بقراره الأخير بإعلان القدس عاصمة لدولة الاحتلال الإسرائيليّ. </strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>إسرائيل بهذا وغيره &#8220;دولة غربيّة&#8221; استعماريّة عنصريّة انتهجت برعاية أميركية مباشرة وأوروبيّة مراوغة سياسة التدمير النفسي والمجتمعي والحضاري لفلسطين، وسخّرت كلّ إمكانياتها العسكريّة والسياسيّة والاقتصاديّة لتكريس ضعف الشعب الفلسطينيّ، ورعبه وتخلّفه وتمزّقه الدّاخلي وتآكل أنسجته الحيويّة وتردّي الوضع الاجتماعي والحقوقي لفئاته الهشّة خاصّة فيما يتعلّق بالمرأة الفلسطينيّة لإحكام السيطرة على مقدّراته الحضاريّة والطبيعية والبشريّة وإرهاق المقاومة على الصّعيدين الدّاخليّ والخارجيّ، ذلك أنّ &#8220;منظومة الاحتلال المتعاقبة على الأرض الفلسطينيّة بكلّ ما تضمّنته من وسائل محاصرة جعلت منها خندق حرب دائم وهو ما منع عنها رياح التّغيير&#8221;. (ص7)، </strong><strong>ومن أين قد تدخل رياح التغيير والاحتلال الإسرائيليّ قد حوّل المدن الفلسطينية إلى علب سجنيّة مغلقة شديدة الانغلاق على نفسها وعاداتها وتقاليدها المتزمّتة وموروثها العشائريّ عبر ما أقامته من بوّابات للعبور العسير كثيرا ما تغلق لأوهن الأسباب ودوريّات تفتيش كثيرة مريعة ومداهمات مستمرّة، واعتقالات يوميّة لا تستثني أحدا وكذا عبر المخيّمات الرّهيبة التي قلّعت المواطن البسيط من أرضه وبيته ومعيشه اليوميّ وألقت به في علبة جداريّة ضيّقة ومكتظّة حيث &#8220;لا تُوجد خصوصيّة داخل البيوت ولا خارجها&#8221; وحيث &#8221; لا مفرّ من الالتصاق المرضيّ الذي جعلنا ندمن النّميمة&#8221; بحسب ما روى أحد سكان مخيم بلاطة للكاتبة زميلتِه في العمل هناك. </strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>إنّ كتاب &#8220;ولي خطوات في فلسطين&#8221;، (صدر عن دار مومنت للنشر بلندن في تشرين الثاني/ نوفمبر 2017)، للكاتبة التونسيّة نجاة بكري، ليس مجرّد سيرة ذاتيّة لامرأة تونسيّة غادرت تونس لتعيش رفقة زوجها في الأراضي الفلسطينية المحتلة  أو &#8220;أرض الرباط&#8221; كما تحبّ أن تسمّيها، بل هو رصد دقيق للواقع الفلسطيني، لجراحه العميقة التي انفتحت بأظفار أهله، لما لا نراه على وسائل الإعلام من حقائق ومواجع ومظالم تزيد معاناة هذا الشعب إلى جانب معاناته اليومية المستمرة من الاحتلال الإسرائيلي الجائر المتجاوز لكل الأعراف والقوانين والمواثيق الدولية..  تقول الكاتبة: &#8220;حين أقمتُ في الأراضي الفلسطينيّة، سواء كان ذلك في نابلس أو في غزّة، اكتشفت الكثير من التفاصيل الميدانية التي لا يمكن للأخبار أو الأبحاث أن تنقلها، لأنّ معايشة الأحداث ومشاهدة تفاصيل المكان هما فقط الكفيلان بإعطائك الصّورة الحقيقيّة للحياة وحيثياتها في هذا المكان الضيّق بإطاراته المتعدّدة والشاسع بما يدور فيه من أحداث&#8221; (ص 88)، و قبل ذلك كتبت: &#8220;كُلّما مرّت الأيّام وطالت إقامتي في فلسطين، انفصلت صورة الواقع تدريجيّا عن تلك الصُّورة المثاليّة التي تشكّلت عن بُعد في ذهني وهي ذات الصُّورة التّي تشكّلتْ في ذهن كلّ عربيّ عن فلسطين وعن علاقة كلّ فلسطينيّ بقضيّته، هي صورة تكلّلت بالقدسيّة حتى أني توقّعتُ، كما يتوقّع أغلب المتابعين من العرب، أنّ كلّ فلسطينيّ هو مجنّد وأنّ كلّ واحد منهُم لا يتوانى عن مُواجهة الاحتلال وأن رسالته &#8220;المقدسة&#8221; جعلته ينأى بنفسه عن كلّ ما يشغلُه عنها أو يُدينه.. أو هكذا أردا له أن يكون، فبحثْنا عن رمز يجمّل واقعنا ليجعلنا نرتمي في أحضان من يحتاج لمن يحتضنه ويخلّصه من شباك المحتل!&#8221; (ص 26). </strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ما الذي رأته التونسيّة في الأراضي المحتلّة فيما يتعلّق بالمرأة الفلسطينيّة؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>بأسلوب أدبيّ ونزعة استقصائيّة بحثيّة  &#8211; ساهمت فيها طبيعة عملها &#8220;في مجاليْ الأبحاث والدراسات من ناحية  والإعلام من ناحية أخرى &#8220;- سردت الكاتبة سيرة خطواتها في الأراضي التي &#8220;كبّلها الاحتلال&#8221; بدءا بـ &#8220;تلك البوابات التي فرضت تلقائيّا نظام المحاصرة بوجهيها المادّي والمعنويّ والتي أوجدت ثقافة اجتماعيّة اتسمت بالانغلاق والمحافظة&#8221; ( ص 27) انغلاقا تجسّد في احتكام الفلسطيني في علاقته بابن بلده إلى عقليّة &#8220;الأنا المناطقيّة&#8221;، والنزعة الجهويّة الإقصائيّة، والطبقيّة الفادحة التي وسمت مختلف شرائح المجتمع في شقّي الوطن المبتورين: غزّة والضفّة الغربية وما بينهما وفيهما وحولهما من مخيمات فاقمت من تردّي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية، وعزّزت من الانغلاق وضيق الأفق، وخنقت ممكنات التغيير والتحديث والقطع من سلطة العادات الخانقة كالتمسّك بـ &#8221; فكرة الأخذ بالثأر والاستغناء عن المنظومة القضائيّة المتآكلة&#8221; ممّا جعل &#8220;مسلسل الاقتتال يستمرّ بين العديد من العائلات على مدى الحياة وكثيرا ما ينال من نسيج الأسرة الممتدّة فيتلفه&#8221; ( ص 28).  أشكال كثيرة يُقتل بها الفلسطينيّ في بلده ففضلا عمّا يمارسه عليه الاحتلال من سياسة &#8220;إبادة&#8221; ممنهجة وطويلة النّفس والمدى قد يُقتل أيضا بيد أخيه الفلسطينيّ فحملة السّلاح ليسوا دائما من المقاومين، واللثام، خاصّة بعد الانتفاضة الأولى، قد يخفي قاتلا محترفا يتصيّد فريسته لأسباب شخصية، يزهق روحها بدم بارد يرفع حرارة الرّوع والدّهشة في قلب زائرة تونسيّة كانت تظنّ كما نظنّ جميعا أن حملة السلاح هناك لا يوجّهون فوّهات أسلحتهم إلاّ إلى صدور العدوّ، هذا العدوّ الذي يطلق الرصاص على طفل رماه بحجر ويغضّ الطرف عن أسلحة تباع في وضح النهار في ساحة عمومية لمدينة محتلة أو في سوق شعبية على مرأى من الجميع. يسرّ العدوّ أن يقتتل الأخوة ويخفّفوا عنه مشقّة تصفيتهم الجسديّة بالقتل أو تغيبهم بالسّجن في ظلّ سلطة محليّة غائبة أو ضعيفة القبضة مقابل سلطة المقاومة التي تتولى بنفسها حماية المواطن الأعزل والضعيف والمسكون بالخوف من استبداد بني وطنه الساكن بين جنبيه، واستبداد الاحتلال الشنيع المحيط به..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>في ظلّ هذه الأوضاع الصعبة والمعقّدة، تعرف المرأة الفلسطينية من الحيف الاجتماعيّ في واقعها اليوميّ المعيش ما ينوء به كاهلها المثقل بالمتاعب والأطفال، هذا الواقع الذي &#8220;يقع على مسافة كبيرة من تلك الصّورة التي يسعى الإعلام المحلّي، وتلك الأدوات المغرّدة خارج السّرب أن يوظّفها&#8221;، والذي يحتكم تشريعيّا إلى &#8221; قصور القوانين البالية الّتي تعود معظم نصوصها إلى عهد الهيمنة العثمانيّة والبريطانيّة وأخرى إلى عهد الوصاية الأردنيّة والمصريّة لشطري الوطن بعد حرب 1967(والتي) لم تُمكّنها من أدنى حقوقها وجعلها تتكبّد عناء الموروث..&#8221; (95)  </strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>والكاتبة تروي قصص بعض الفلسطينيات اللاتي يبلغن درجات عليا في التعليم أو ينلن وظيفة محترمة ثمّ يتنازلن عن كلّ نجاحاتهنّ لأنّ &#8220;الزّوج بدّو هيك&#8221; أو لأنّ أمّه بالأحرى تريد ذلك &#8220;لأنّ الزواج هو أهم شهادة في حياتها&#8221; وإن كان امتياز الشهادة العلميةّ لا يغيب حين يدور الحديث عن مهر هذه الفتاة&#8221;.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong> عديدة هي قصص النساء الفلسطينيات المقموعات الواقعات تحت سلطة ذكوريّة محكمة القبضة يسطّرها الذّكور، وتعمل النّساء جاهدات على ترسيخها جيلا من بعد جيل عبر تربية أبنائها وبناتها وفق قوانينها العرفيّة الجائرة، وتجريع من تقع تحت طائل سلطتها من زوجة أو زوجات أبنائهنّ وحتى بناتهنّ من نفس الكأس المريرة التي شربت منها وأكثر. قصص سردتها الكاتبة من وجهة نظر مقارنة تتلمّس الفروق الكبيرة بين المرأة التونسية المثقفة والعاملة والمستقلّة اجتماعيا وماليّا ممثّلة بالكاتبة نفسها نجاة البكري وبين المرأة الفلسطينية التي عاينّا معها بعضا من ظروفها المعيشيّة القاسية إلا فيما ندر. غير أنّ ذلك لم ينزع عن هذه المرأة صفة المقاومة والتحدّي والبطولة متمسّكة بالأمل في غد أفضل وبلد مستقلّ وحياة أرحم، مما يجعلها على حدّ الاختلاف مع أيّ امرأة أخرى تعيش أوضاعها نفسها وربما أقسى لكن في دول مستقلة وذات سيادة مما يجعل المشكل النّسوي على الصعيد العربيّ مفتوحا على الدوام.</strong></p>
<p style="text-align: left;"><a href="https://www.qalamrsas.com/"><span style="color: #800000;"><strong>مجلة قلم رصاص الثقافية</strong></span></a></p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/9347">&#8220;ولي خطوات في فلسطين&#8221; لنجاة البكري: قول فيما خفيَ</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://www.qalamrsas.com/archives/9347/feed</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>البتراء</title>
		<link>https://www.qalamrsas.com/archives/9231</link>
					<comments>https://www.qalamrsas.com/archives/9231#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[بسمة الشوالي]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 07 Dec 2020 19:14:31 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[رصاص ناعم]]></category>
		<category><![CDATA[بسمة الشوالي]]></category>
		<category><![CDATA[تونس]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://www.qalamrsas.com/?p=9231</guid>

					<description><![CDATA[<p>&#8211; إنّه ابني. هل يُنَحّي المرء أنفه عن وجهه؟ قال، وخاط العجز فمه حتى حلّ الشّتاء. عندما رعّش البرد ركبه لم يجد عكّازة من حنان تسند وقوفه المرتجّ ويدا تهدهد نومه المضطرب. كلّ الرّفاه الذي يؤثّث منزله لم يدفئ أركانه المهجورة من أنفاسكِ تحرّك الجمر تحت رماد العمر، وتعطّر رائحة الكلام الخارج من فمه الأبخر. &#8230;</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/9231">البتراء</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: justify;"><strong>&#8211; إنّه ابني. هل يُنَحّي المرء أنفه عن وجهه؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>قال، وخاط العجز فمه حتى حلّ الشّتاء.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>عندما رعّش البرد ركبه لم يجد عكّازة من حنان تسند وقوفه المرتجّ ويدا تهدهد نومه المضطرب. كلّ الرّفاه الذي يؤثّث منزله لم يدفئ أركانه المهجورة من أنفاسكِ تحرّك الجمر تحت رماد العمر، وتعطّر رائحة الكلام الخارج من فمه الأبخر. لم يرَ خطاك القصيرة السريعة تذهب في كلّ ناحية من حياته وبيته وتجيء فترفو فتوق الوحدة من حوله وتسدّ عنه كلّ مسارب القرّ ونزق الخريف.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>عندها، جلس تحت شجرة الدردار حيث كنتما دوما تجلسان تتبادلان الصّمت الرّصين وخفّة المعنى في إبريق الشّاي، مدّ على التربة الجافّة رجليه وانخرط في النّواح المجروح..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أشفقتُ عليه. ثمّ كففت عنه رقّة القلب. ما كنت لأغفر لزوجي لو عرّضني لمثل ما تعرّضت إليه..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>هذا ما روت لها الجارة التي رأت ما حدث يومها وكلّ الأيام التي تلت طردها، من سطح منزلها المطلّ على حديقة منزله.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8211; لا تقسي عليه. يقع في سوء القرار رجل يقف بين امرأتين متعاديتين تتجاذبانه فيما بينهما لغاية تتجاوزه، وقد تقصيه تماما، فلا يكون، في شخصه، أحد عناصر النزاع الأساسية.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>كلّ ما في الحكاية أنّي لم أكن أنْفَه، قدرا يتقبّله بخيره وشرّه، عضوا أصليّا من كيانه الجسديّ يصير ناقصا مشوّها من دونه، مجدوعا الوجه والكرامة في العيون.. ولا أنا أمّ أنفه.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>كنت له زوجةً أنَفَةً تزّين رجولته المعتدّة بنفسها، وتثبّت كبرياءه النّاضج في لمعة الحذاء ووميض المشيب. وكنت لابنه اليتيم زوجة أب ربّيته طفلا حتى زوّجته. بيدي أدخلت العروس إلى جنّتها الصّغيرة كابنة لم أنجبها. لكنّ البنت التي لم أنجب لم تر فيّ سوى حماة غير أصليّة تمتلك نصف مساحة الجنّة المشتركة وكلّ الحبّ الفائح في الدّاخل، المزهر في الحديقة، ولم أكن في حياتها الرّاهنة غير وريثة غير شرعيّة تقاسم زوجها إرثه من أبيه ذات غد تأمل ألاّ يتأخّر كثيرا.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أهمّ ما في الحكاية أنّي زائدة دوديّة تسبّب وجعا دفينا لجسم العائلة، وتهدّد سلامته بالتسمّم.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8220;لا بدّ من فصلها عن هذا الجسم&#8221;، قالت الكِنّة.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وكان قرارها مفعولا مؤكّدا بنكسة أجفان الرّجلين الأب وابنه، وانتفاضات مرتعبة للكلمات المغلولة خلف قضبان من الأسنان المنطبقة. اِنحاز الزّوج الشابّ إلى الـ &#8220;وسّادة&#8221; في حضور أمّ لم تلده. وضيّع الزّوج الأبُ الطّريق التي تؤدّي به إلى نفسه المنشطرة بين ساكنة القلب وفلذة الكبد.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>في غرفة الجراحة العاطفيّة غير المعقّمة، جدعت الزّوجة الشّابّة الزّائدة الدوديّة العجوز دون تخدير، وتركت أثر المشرط جرحا مفتوحا دون تقطيب..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>نزف الجسم الناقص أسفا. ناح العضو النّزيع ظلما. رقصت الجَرّاحة انتصارا.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8211; أقدّر ألمك وحكمتك في الردّ. لو كنت مكانك لقلبت عليهم الدّار رأسا على عقب.. بعد رحيلك، لمته بشدّة حتى بكى. كان حزنه كسيحا لم يستطع أن يحمله ليهرع خلفك وقد أُخرِجت صبيحة عيد الإضحى من عشّك الوثير في طقس خريفيّ يعصف بالعمر والأشجار والأعياد القادمة، ولا انتظمت سيرورة الأيّام من بعدك. كلّما مشى تعثّر في أشيائك، وتحسّس حركة طيفك الخفيفة تهفّ حولك وعليه.. كلّما غفا سمع صوتك يوقظه لطعام أو دواء..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>يرتفع ضغط دمه إذّاك، يضطرم العالم في بطنه، يختنق.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>صار صدره ضيّقا حرجا. قبضة غير مرئيّة تطبق على عنقه وتحطم طريق الهواء إلى فضائه الدّاخليّ الكئيب.. يدع النوافذ مفتوحة، يتعرّض لمجرى التيّار الهوائيّ، يقضي أكثر الوقت خارجا يهيم على وجه الحنين، يشهق في نشيج، يزفر طويلا، يتنهّد عميقا، يُخلّص حلقه من غصّة تكوّرت في مجراه فتخلُفها غُصص ويعسر عليه التنفّس أكثر.. لا ينفكّ يشعر بنقص فادح في الأكسجين ولا ينقطع منزله الواسع عن التّضيُّق يوما غِبّ يوم. الحديقة نفسها تضايقت، ومثله تشكو قلّة الهواء النّظيف. ولمّا كان يتفقّد مواجع غامضة تداعت عليه، ويفتّش في نفسه وفيما حوله عنك، وعن أثر منك يخفّف علله المتكاثرة، تفطّن إلى أنّ جراحة الفصل القاسية قد استأصلت من صدر عالمه إحدى رئتيه..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لقد أصبح اليوم وحيدا في عالم موحش قليل الهواء. بعد إبرام عقد تمليك الضّيعة لابنه، أصرّت الزوجة أن تنتقل إلى العاصمة. فقد حفيده وابنه في آن واحد.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8211; لا تخشيْ عليه غائلة الهجر. الأنف أيضا لا يستغني عن وجهه. من دونه هو قطعة حبل قاءها السيّل.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8211; لكن لو علمت أنّي رسوله إليك اعتذارا ومصالحة، فبمَ أرجع إليه؟</strong></p>
<p style="text-align: left;"><span style="color: #800000;"><strong>مجلة قلم رصاص الثقافية</strong></span></p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/9231">البتراء</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://www.qalamrsas.com/archives/9231/feed</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الهويّة المهيمنة في علاقة الذّات بالعضو المزروع في جسدها</title>
		<link>https://www.qalamrsas.com/archives/9173</link>
					<comments>https://www.qalamrsas.com/archives/9173#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[بسمة الشوالي]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 12 Oct 2020 18:27:31 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[رصاص ناعم]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://www.qalamrsas.com/?p=9173</guid>

					<description><![CDATA[<p>معالجة سينمائيّة &#8220;ثمّة راهب وجزّار يتشاجران داخل كلّ رغبة.&#8221; سيوران. أثار المقتل الوحشيّ للشابّة التونسيّة رحمة مؤخّرا، بعد العثور عليها ملقاة بوادٍ مشوّهة الجسم، موجة استنكار وإدانة شديدتين على كافّة الأصعدة الاجتماعيّ الموسّع والحقوقيّ والسياسيّ، وعلت بالمناسبة الأليمة الأصوات ملحّة على تنفيذ حكم الإعدام، بالأحرى على إعادة التنفيذ الفعليّ لحكم الإعدام بتونس بعد أن وقع &#8230;</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/9173">الهويّة المهيمنة في علاقة الذّات بالعضو المزروع في جسدها</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: justify;"><span style="color: #000080;"><strong>معالجة سينمائيّة</strong></span></p>
<p style="text-align: right;"><span style="color: #003300;"><strong>&#8220;ثمّة راهب وجزّار يتشاجران داخل كلّ رغبة.&#8221; سيوران.</strong></span></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أثار المقتل الوحشيّ للشابّة التونسيّة رحمة مؤخّرا، بعد العثور عليها ملقاة بوادٍ مشوّهة الجسم، موجة استنكار وإدانة شديدتين على كافّة الأصعدة الاجتماعيّ الموسّع والحقوقيّ والسياسيّ، وعلت بالمناسبة الأليمة الأصوات ملحّة على تنفيذ حكم الإعدام، بالأحرى على إعادة التنفيذ الفعليّ لحكم الإعدام بتونس بعد أن وقع تعطيله منذ ما يناهز ثلاثة عقود، في علاقة بمجرمي الحقّ العامّ خاصّة، أمّا الإعدامات السياسية فهي تحدث تحت جنح الظّلام وفي الأقبية السريّة للسّجون التونسيّة، وذلك مقابل أصوات سياسيّة وإعلاميّة وحقوقيّة تمسّكت برفضها هذا الإجراء الجزائيّ في حقّ القاتل العمد والاقتصار على السّجن المؤبّد للجاني.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>من جملة التدوينات الفيسبوكيّة الكثيرة التي كُتبت حول الحادثة وتداعياتها المختلفة، تشارك الكثير من روّاد الفيسبوك تدوينة ساخرة تقول، بتصرّف: &#8220;أنا ضدّ الإعدام، هناك من هو بحاجة إلى قلب أو كلية أو كبد، فلنفكّكه إلى قطع غيار لينتفع منه النّاس.&#8221;، أحد المعلّقين قال إنّه، القاتل، شخص فاسد مجرم روحا وجسدا، والموت أهون من إسكان عضو فاسد في جسد جديد.&#8221;</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>هل يحافظ العضو المزروع على ذاكرته الجسديّة الأولى ليستمرّ بـ&#8221; الحياة&#8221; ثانية بها مؤثّرا بذلك في المسار الحياتيّ للمتلقّي؟ هل يخبّئ كلّ منّا، في كهف سريّ من نفسه، روحا فاوستيّة في انتظار علامة للظّهور؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong> كثيرة هي الأفلام العالميّة التي تناولت مسألة زرع الأعضاء وعلاقتها بالجسم المضيِّف بدءا من رفض تقبّل العضو الجديد إلى الوقوع تحت تأثير ذاكرته الجسديّة الأولى، كأن تتغيّر مشاعر الذي زُرع له قلب ثان وفق المسار الذي عاشه الشّخص الذي وهبه مضخّة الدم هذه. أحد هذه الأفلام ناقش مسألة التأثير والتأثّر هذه في علاقة بالجريمة في بعديها الوراثيّ والمكتسب، &#8220;مخترعا&#8221; النسخة المؤنّثة لفرانكشتاين، جسّدتها الممثلة (Lindsay Duncan ) في دور الجرّاحة أغاثا ويب  قبل ظهور الطبيب هيكتور في فيلم  فرانكشتاين سنة 1994 المقتبس عن رواية بالعنوان نفسه لماري شلّي كانت قد صدرت لأوّل مرةّ سنة 1818.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong> (BODYPARTS) فيلم يندرج ضمن أفلام الجريمة والرعب أخرجه سنة 1991 المخرج الأمريكيّ (Eric Red) وكان من بطولة (Jeffry Fahey) في دور &#8220;بيل كروشناك&#8221;. وقصّته هي عن شخصّية بيل كروشناك الذي تعرّض إلى حادث مرور خطير نتج عنه قطع لذراعه اليمنى. يُنقل &#8220;بيل&#8221; إلى المستشفى وهناك تقنع الطبيبة &#8220;أغاثا ويب&#8221; زوجته بالتوقيع على عقد قبول زرع ذراع جديدة لزوجها. تُنجز العمليّة بنجاح ويعود &#8220;بيل&#8221; إلى منزله بذراع موشومة بندوب الجراحة الكثيرة المنفّرة لتأخذ منذ البدء حيّزها الخاصّ والمختلف من الجسم المضيِّف. رحّب &#8220;بيل&#8221; بالعضو الجديد وتقبّله كما هو كبديل ناجز عن ذراعه المفقودة، وكواقع أمر يجب تأهيله والتعايش معه. التأهيل كان شاقّا، أمّا التعايش فكان كارثة قلبت حياة الرّجل رأسا على عقب. الذّراع تسيّح دم صاحبها عند الحلاقة، وتمتدّ ليلا وهو نائم لتلتفّ حول عنق الزّوجة إلى جانبه لخنقها، وتنفلت كلّما لاعب طفله فتعنّفه بشدّ، ومع مرور الأيام صار &#8220;بيل&#8221; يخوض معارك جدّ عنيفة في المقهى أو البار ويسبب أضرار جسديّة جسيمة للمعتدى عليه بتلك الذراع وحدها. اليسرى، الذراع الأصليّة لا تخوض تجارب العنف هذه. سوف نلاحظ أنّها مغيّبة في كلّ أعمال العنف المنجزة، مغلوبة على أمرها، ومحيّدة بشكلّ ملفت ودالّ.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><span style="color: #ff0000;"><strong>من هي هذه الذّراع؟</strong></span></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لهذا العضو هوية مغايرة هي التي لصاحبها الأصليّ وأولى مقوّماتها هي البصمة، وعن طريقها عرف &#8220;بيل&#8221; أن ذراعه الجديدة كانت لأحد عتاة المجرمين والقتلة السيكوباتيّين، نُفّذ فيه حكم الإعدام ووقع تفكيك جسمه إلى قطع غيار كما يحدث ذلك مع غيره ممّن نُفّذ فيهم الحكم نفسه، قصد زرعها في أجسام مختلفة. ألهذا الحدّ كانت الذّراع الجديدة هويّة قاتلة استطاعت أن تهيمن، رغم أنّها طرف واحد من جملة أربعة، على بقيّة الجسم بكلّ أجهزته الحيوية وتغيّر مسار حياة الشّخص على نحو جذريّ؟ وماذا قد يفعل الذي زُرع له الرّأس/ العقل المدبّر للجريمة؟ هل يولد البعض مجرما متخفّيا في انتظار مناسبة تنصيب القاتل الذي هو عليه حقيقة في المجتمع بدل النسخة الأولى المزيّفة عنه؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>يعتبر عالم الجريمة الطبيب الإيطاليّ تشيزري لمبروزو أنّ &#8220;المجرم إنسان بدائي يتميّز بملامح خاصة توفّرت فيه عن طريق الوراثة فتكون قامته ذات قصر أو طول غير اعتياديّين، يتّخذ له وشوما كثيرة ومثيرة من حيث الدلالة النّفسيّة والأخلاقيّة، وقد يشكو &#8220;خَلَلاً عضويًّا يجعل الإنسانَ يشعر بداخله بمركّب النقص؛ فيرتكب الجريمةَ؛ كأن يكونَ ضيِّق الجبهة، أولديه شذوذٌ في تركيب أسنانِه، أو اعوجاجٌ في أنفه، أو قِصر غير عادي في أذنيه.&#8221; في نقاش هذه النظريّة نعرض مثالين: واقعيّ وفنّيّ. قاتل الشّابّة التونسيّة رحمة معتدل القامة دون نحول مجحف، لا يبدو من الصّور أنّه قبيح أو ذو ملامح بدائيّة كما في صفات &#8220;الرجل المجرم&#8221; للمبروزو، هو لصّ محترف خرّيج سجون عنيف اتّهم سابقا بالقتل دون أن تثبت عليه التهمة، وينحدر من أحد الأحياء الشعبيّة الفقيرة بالعاصمة التونسيّة ورحمة هي آخر ضحاياه من النّساء. ومن جهة أخرى يتمتّع القاتل صاحب الذراع في الفيلم بجسم ضخم قويّ البنية تغطّي جسمه وشوم كثيرة نابية وعنيفة، وهو قاتل متسلسل ضحاياه غالبا من النّساء وصُنّف ضمن فئة المجرمين &#8220;البسيكوباط&#8221; وحُكم عليه بالإعدام. لكن ماذا عن &#8220;بيل كروشناك وهو رجل مستقيم وسيم وجذّاب ينتمي إلى طبقة اجتماعيّة مرفّهة، ويحظى بحياة عائليّة ومهنيّة مستقرّة وسعيدة. كلّ ما في الأمر أنّه مُرغم بمعنى ما على ارتكاب ما ارتكب تحت سيطرة قاهرة للسّيرة الذاتيّة التي للذراع الشريرة، لكنّ ذلك يضع استقامته واتزانه السلوكيّ والنّفسيّ والاجتماعيّ محلّ تشكيك. هناك جهاز عصبيّ واحد يصل العضو المزروع إلى كوِنه الجسديّ الجديد، ومضخّة واحدة تزوّده بالدم نفسه، ومنظومة فيزيزلوجية وبسيكولوجية وذهنيّة واحدة تنظّم سير عمل الجسد في علاقته ببعضه البعض وبالآخر عامّة. قد تكون &#8220;الهويّات القاتلة&#8221; ظاهرها (ذراع المجرم كأداة تنفيذ) وباطنها (الشرّ الكامن في نفس &#8220;بيل&#8221;) تفاعلت فيما بينها ورفعت الغطاء عن الروّح الفاوستيّة المستورة تحت أناقة المظهر ولطافة الطّبع: &#8220;فمن منّا وهو يبحث عن نفسه في المرآة، في شدّة العتمة، لم يُشاهد، معكوسةً، الجرائمَ التي تنتظره&#8221; يتساءل سيوران في &#8221; المياه كلّها بلون الغرق&#8221;.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>درَس علم الإجرام الخارطة الجينيّة للمجرم باحثا عن استعدادات قبليّة وراثيّة تهيّئ الفرد لأن يكون منحرفا أو قاتلا محترفا وهو ما عرّفه لورنزو بـ &#8220;الدّافع الخلقيّ&#8221; للجريمة. هناك عامل داخليّ لم يدركه بيل كروشناك يزوّد الذراع بإرادة الفعل ويمنحها الطّاقة اللازمة للتنفيذ في علاقة بالطّبيعة المزدوجة للذات البشريّة. وبالمقابل يقف الوعي سدّا منيعا أمام انجراف الذّات إلى الهلاك، ويحميها من وجهها الشّرير المختبئ في عمقها المظلم عبر السؤال والبحث عن الحقيقة الكامنة وراء كل ما يحدث معه. أحد الأسئلة الحائرة سيقوده إلى المنتفع الثاني بالذّراع اليسرى للمجرم نفسه. في فضاء منزليّ تعمره الوحشة والظلال الدّاكنة، إحالة على عالم الجريمة السوداء، في ركن ما منه وتحت إضاءة ضئيلة تشحن الجوّ العامّ بالحزن والبشاعة وقف رجل أمام لوحة جداريّة ضخمة يمسك باليمنى طبق الألوان ويرسم باليسرى. الذراع اليسرى هي العضو المزروع واللوحات المرسومة كانت استعادة بصريّة فنيّة لكلّ جرائم القتل والاغتصاب التي قام بها صاحبها الأوّل. اللّطخات المروّعة من الألوان الحارّة القاتمة ودرجات الأسود الموحش ودفقات الأحمر القاتم ينزف من أجسام الضحايا وصرخات وجوههم المستغيثة هي إعادة سرد ذاتيّ للتاريخ الدّمويّ لذلك المجرم والذي انتقل برمّة وحشيّته عبر ذراعيْه باعتبارهما جهازين تنفيذيّين، سرد ذاتيّ لأنّ اليد التي بطشت ونكّلت بالضّحايا هي نفسها التي تلقي علينا اعترافاتها عن طريق الفرشاة والألوان. وبينما واصلت ذراعٌ مهامّها القديمة في البطش بالناس مهيمنة على جسدها الجديد، خضعت الثانية لسلطة الفنّ الذي كيّف طاقة العنف السلبيّة فيها وحوّل وجهتها نحو الاعتراف عبر تفريغ تلك الطّاقة بضربات الفرشاة العنيفة على محامل جداريّة أو خشبيّة وإذابة شرورها السّوداء في الألوان فكفّ بذلك شرّها عن النّاس، وكشف لهم الحقائق المخفيّة وراء كلّ عمليّات الزّرع المشبوهة التي نفذّتها مافيا الأعضاء البشريّة بالتعاون مع فريق من الأطبّاء ورجال من الأمن. وليس غريبا أن نكتشف مع تقدّم الأحداث أنّ المستفيد الثالث حامل الرّأس المزروع هو من يحمي هذه المجموعة، ويحرس مخزن قطع الغيار الجسدية المُخزّنة، وهو نفسه الذي سيسعى لاسترداد تلك الذّراع من &#8220;بيل&#8221; بطريقة وحشيّة واحترافيّة مجرم مختل نفسيّا، عندما يصير عنصرا مهدّدا لهم.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لا يبرّئ الفيلم الذّات من الشرّ ملقيا باللّائمة كلّها على هويّة العضو المزروع ونمط حياته الأولى، لكنّه يسلّط الضّوء على العوامل الخارجيّة التي تشكّل قوّة شرّ مهيمنة تجذب البعض إلى متاهات الجريمة والانحراف، وتحرّض في البعض الآخر نزعة الشرّ الخاملة فيه.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>إنّ زراعة عضو فاسد في جسم سليم، لا تختلف من حيث نتائجها التدميريّة على الأفراد والمجتمعات عن زراعة الأفكار المتطّرفة في العقول ومشاعر الكراهية والإقصاء في القلوب، والمخدّرات في الأحياء الفقيرة والمناطق المهمّشة. وحتى في عمليات &#8220;الزّرع هذه، هناك دائما تجّار أشخاص وأعضاء بشريّة، وعصابات السلاح والمخدّرات يتحرّكون تحت حماية قانونيّة أو سياسيّة يؤمنّها لهم ساسة ورجال نافذون في أجهزة الدوّلة وأمنيون، ولعلّ المجرم من بين هؤلاء ليس غير الحلقة الأضعف في سلسلة الشّر المتينة، والمشهد الذي وقعت عليه عين الكاميرا من سيناريو الجريمة المنظّمة. من بين الثلاثة الذين تلقّوا أعضاء المجرم في ( Body Parts) لم ينجح في كبت العنف والخروج عن سيطرته غير الفنان التشّكيليّ. كان الوحيد الذي استسلم &#8220;لفيض ثغراته الخاصّة&#8221; وأعاد تشكيل وجوده وفق ما استجدّ على جسده ومن ثَمّ كينونته كلّها من معطيات. ليس الإبداع غير تلك السلطة المضادّة التي بإمكانها دوما وبكل ما يُتاح لها من وسائل وتعبيرات أن تقارع سلطة العنف الخارجيّ منه والمتدفّق من ثنيّات الأنا المظلمة لتكفّ آذاها عن النّاس وتحدّ من سرعة انتشارها.</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong><span style="color: #800000;">مجلة قلم رصاص الثقافية</span></strong></p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/9173">الهويّة المهيمنة في علاقة الذّات بالعضو المزروع في جسدها</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://www.qalamrsas.com/archives/9173/feed</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>سرّ وردة</title>
		<link>https://www.qalamrsas.com/archives/8742</link>
					<comments>https://www.qalamrsas.com/archives/8742#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[بسمة الشوالي]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 19 Jul 2020 12:55:22 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[رصاص ناعم]]></category>
		<category><![CDATA[بسمة الشوالي]]></category>
		<category><![CDATA[تونس]]></category>
		<category><![CDATA[سر وردة]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://www.qalamrsas.com/?p=8742</guid>

					<description><![CDATA[<p>تُقدّم خطوة واجفة، تؤخّر أخرى وعلى العتبة تثبّت قدميها بضع لحظات لتهدّئ هواجسها المضطربة كأسرار قديمة تضطرم في جرّة مشقّقة. ما الذي يفسد بالدّاخل ولا تراه؟ حالما يصِرّ المفتاح في القفل تتفتّح وردة العفونة فيتضوّع ريحها حامضا زنِخا في كلّ ركن مرتّب من الشّقّة، ورجًا نظيف عطِر، وعلى كلّ سطح متألّق للأثاث. ريح يهفهف على &#8230;</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/8742">سرّ وردة</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: justify;"><strong>تُقدّم خطوة واجفة، تؤخّر أخرى وعلى العتبة تثبّت قدميها بضع لحظات لتهدّئ هواجسها المضطربة كأسرار قديمة تضطرم في جرّة مشقّقة.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ما الذي يفسد بالدّاخل ولا تراه؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>حالما يصِرّ المفتاح في القفل تتفتّح وردة العفونة فيتضوّع ريحها حامضا زنِخا في كلّ ركن مرتّب من الشّقّة، ورجًا نظيف عطِر، وعلى كلّ سطح متألّق للأثاث. ريح يهفهف على شعيرات الأنف المستثارة وحروف الأفكار المنفوشة، ويسيح كالماء المُهلك تحت الأقدام المطمئنّة..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الوردة أينعت في أُصيْص ما بغرفة النّوم لم تقتف له منبتا ولا تربة. تُعيد ترتيب أحداث الأيّام القليلة الماضية تفصيلا جنب تفصيل، تشوّش انتظام الأزمنة تقديما وتأخيرا وتجزئة، تنبش أدراج الذّاكرة هل يا ترى..؟ أم يا ترى..؟.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>تعيد تأويل غمزة جارة لجارة، والمغزى الخفيّ لحمحمة ليست إلاّ خبيثة ندّت عن زميلة لحظة عبرت الرّواق أمام مكتبها. تستنفر قرون استشعار الحواسّ الستّ وأسوأ ما تتكتّم عليه النّوايا الحسنة فلعلّها تعرف بؤرة الفساد في جنّتها الصّغيرة، أو ربّما أهملت شيئا ما ينتن في زاوية غير مرئيّة لم تبلغها المكنسة أو الممسحة.. تمرّر على سطوح الأمكنة وتعرّجاتها عينين فاحصتين كماسح ليزر عسى ترى خيطا يصلها بنبع العفونة المتنامية أو سرب نمل يقفو أثر جثّة.. تقلّب يوميّا الغرف رأسا على عقب، حشيّة على وسائد، ملابس على وثائق.. تنكش كدجاجة مهووسة في العلب الشّخصيّة، تحت طبقات الملابس، طيّ الأدراج المقفلة لأفراد أسرتها.. عثرت على أوراق ماليّة يكنزها زوجها بمنأى عن منشارها اليدويّ يطلع مُنْفقا ينزل منفقا ولا تني تتبرّم بضيق ذات يده وشُحّ جيبه.. علبة سجائر وهدايا غراميّة لأكثر من عاشق ماجن في غرفة ابنتها المتحفّظة، حبّات &#8220;اكستازي&#8221;، وكتيْبات عن &#8220;ثواب القتل في الله&#8221; تحت طبقات الكتب المدرسيّة لابنها المطيع، وفواجع صغيرة أخرى.. إلاّ أصيص وردة العفن لا أثر له.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>زوجها وقد فقد كلّ ماله السرّيّ الذي كان يهرّبه عنها لنزواته الصّغيرة غير المرغوب فيها تذرّع بالوردة وهجر غرفة النّوم. وطفلاها بعد أن غيّبا أثر اللُّقى يُضربان عن الطّعام المنزليّ ردّا على التّهم الباطلة لأمّ دخلت طور الهلوسة الشمّيّة حتى احترفت عادة التلصّص. الانقلاب الصّيفيّ لطقس الأسرة الأكثر استقرارا في الحيّ ينذر بعاصفة رمليّة، والعفونة تشتدّ اشتداد الحرارة المستمرّ. قدّرت أنّ سحرا أسود يقطّر سمّه الزّعاف في مكان ما من شقّتها الأنيقة، أوعينا حسودا أصابت أسرتها الجميلة.. صرفت المبلغ الذي صادرته من زوجها على عرّافة كانت تنعتها بالعجوز المخبولة. أبخرة تضوع، محرقات تصطفق على جمر الفحم، تمائم تُعلّق، تعاويذ تُتلى لم تُعِد الزّوج المكلوم على ثروته الفقيدة إلى غرفة النّوم ولا أنهت إضراب الجوع فأنّى تحلّ أمّ المعضلات؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>رئيسها في العمل وزوجته المهذار عرضا عليها زيارتها اليوم على العشاء لغرض لم يُفصحا عنه. نسيت أنّها دعتهما وتشبّثت بالسّؤال المُسوَّس: لماذا اليوم بالذّات؟ في الأمر سرّ فظيع وحده الله يعلمه.. أيعلمان بسرّ الوردة المتعفّنة في بيتي؟ ربّما خلطة مركّزة من موادّ التنظيف وسحابة مثقلة من بخّاخ العطور المنزليّة الصاخبة قد تُطمس فوح الحموضة الحادّ.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>في الثّلاجة قراطيس لحوم مختلفة وموادّ محفوظة من غير تنضيد.. بعثرت وردةُ المخزون بحثا عمّا لا تعلم تحديدا. صندوق مريب مُجمّد مدسوس بحرص في بقعة غير مرئيّة. لم يبق إلاّ هذا.. !</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>تفحّصت الصّندوق فشمّت رائحة امرأة أخرى تنام كبياض الثّلج في ثلاجتها.. لكنّ زوجها لم يكن، فيما تعلم من حديثها عنه، مؤهّلا ليكون صاحب تلك القبلة الأميريّة المنتظرة.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>سحبت السّرّ تحت قرْع طبلة القلب وقضقضة جراد الوساوس لأعشاب الظّنون. مسّحت طبقة الشّيب عن السطح اللّدِن.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ما هذا يا وردة؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>طاقم حليّ تخلب أحجاره الكريمة لبّها، وتروي قصّة الثّروة التي دفعت خفية عن زوجها من أجلها.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>هرعت إذّاك إلى غرفة النّوم تتعثّر في خطاها المفجوعة، تتلفّت جنبيها ألاّ يتنبّه لها أحد. سحبت الدّرج البعيد عن كلّ عين نمّامة ويد فضوليّة. نبشت جوفه عن كلّ النّفائس المخبّأة. في القاع، علبة الطماطم المفتوحة تحوّلت إلى كبّة أزهار بنفسجيّة داكنة تُفجّر كلّ طاقاتها العفنة دفعة واحدة..</strong></p>
<p style="text-align: left;"><span style="color: #800000;"><strong>مجلة قلم رصاص الثقافية</strong></span></p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/8742">سرّ وردة</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://www.qalamrsas.com/archives/8742/feed</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>
