<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>نصر سامي &#8211; مجلة قلم رصاص الثقافية</title>
	<atom:link href="https://www.qalamrsas.com/archives/author/nsser-sami/feed" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://www.qalamrsas.com</link>
	<description>رهان أخير على دور الفكر الحر والمسؤول في إعادة بناء الوعي واستعادة منظومة القيم، &#34;على قلم وساق&#34; من أجل ثقافة هدفها الإنسان.</description>
	<lastBuildDate>Wed, 28 Jan 2026 12:32:10 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=5.4.18</generator>

<image>
	<url>https://www.qalamrsas.com/wp-content/uploads/2022/03/cropped-لوغو-قلم-رصاص-اذار-2022-1-2-32x32.png</url>
	<title>نصر سامي &#8211; مجلة قلم رصاص الثقافية</title>
	<link>https://www.qalamrsas.com</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>تجربتي في الكتابة لليافعين</title>
		<link>https://www.qalamrsas.com/archives/11248</link>
					<comments>https://www.qalamrsas.com/archives/11248#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[نصر سامي]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 28 Jan 2026 12:32:10 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[رصاص حي]]></category>
		<category><![CDATA[الرئيسية]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://www.qalamrsas.com/?p=11248</guid>

					<description><![CDATA[<p>شاركت عمليا في ثلاث مشاريع مهمّة أود الحديث عنها في بداية تدخلي لها علاقة بالموضوع من الجهة العملية وهي على التوالي: &#8211; ورشة نصر سامي للأقصوصة: وهي مشروع ثقافي يتولّى تكوين الراغبين في الكتابة الأدبية القصصية، وأصدر هذا المشروع لحدّ الآن 27 كتابا ورقيا، وتم تنفيذه في سلطنة عمان، وفي تونس: صلالة (دورات متعاقبة)، منزل &#8230;</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/11248">تجربتي في الكتابة لليافعين</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: justify;"><strong>شاركت عمليا في ثلاث مشاريع مهمّة أود الحديث عنها في بداية تدخلي لها علاقة بالموضوع من الجهة العملية وهي على التوالي:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8211; ورشة نصر سامي للأقصوصة: وهي مشروع ثقافي يتولّى تكوين الراغبين في الكتابة الأدبية القصصية، وأصدر هذا المشروع لحدّ الآن 27 كتابا ورقيا، وتم تنفيذه في سلطنة عمان، وفي تونس: صلالة (دورات متعاقبة)، منزل تميم (3 دورات)، السرس (1 دورة)، جبنيانة (3 دورات)، بنزرت (1 دورة)، قليبية (1 دورة)، مسقط (دورة واحدة).. وصدرت عن هذه الورشات كتب جماعية وفرديّة يفوق عددها 28 كتابا ورقيّا، ولقد لاحظنا حاجة المشهد الكبيرة إلى فهم الأجناس الأدبية وتعلم طرائقها واختيار الكتابة الأدبية طريقة في التعبير.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8211; السّوق الإبداعية: وهي فعالية استمرّت 9 دورات، تدور في الشارع، دون أيّ موافقات مسبقة، وهدفها الالتحام مع الشارع واقتراح منتج أدبي قصصي وشعري وفني مختلف. ولقد قوبلت هذه التظاهرة باهتمام كبير. والتحق بها كلّ المارين في الجوار. من الأماكن التي عقدت فيها: أمام محطة القطار بسوسة، الساحة الكبرى في باب بحر، سوق الحوت، إلخ.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8211; مبادرة 10 أفلام، 10 قصص، 10 ألعاب: وهي تظاهرة موجهة للتلاميذ في المدارس والمعاهد. ولاحظنا حاجة التلاميذ الواضحة إلى أنشطة فنية، ومطالبتهم بوجودها.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>يؤدّي بنا هذا إلى ملاحظة مفارقة كبيرة مفادها أن الساحة الثقافية شجاعة في مقاربتها للموضوع، وواعية بحاجتها المتأكّدة إلى الفنون والآداب، وخصوصا ما كان منها كفيلا بحلّ مشاكلها مع الذات والعالم، وتأخّر المؤسّسة السياسيّة والثقافية والتعليمية عن الاستجابة إلى هذه الحاجة، وخصوصا الجامعات التونسية.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وهذا اليوم الدراسي المنعقد في سوسة بعنوان Enseigner la literature de jeunesse a l&#8217;universite tunisienne.  وفي رأيي أنّ هذا اللقاء لبنة أساسية في طريق طويل يجب أن يبدأ لإقرار تدريس أدب اليافعين في جميع مراحل تعليمنا من الابتدائي إلى الثانوي إلى العالي ضمن جميع مراحله وخصوصا الماجيستار والدكتوراه. </strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong><span style="color: #ff0000;">الورقة العلمية:</span> </strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>فجأة ولد جابر الرّاعي الذي سيصبح بعد ثلاثين عاما بطلا لكتابي الأوّل حكايات جابر الراعي الفائز بجائزة الشارقة للرواية العربية 2015، وبطل روايتي الثانية الطائر البشري الذي فاز هو أيضا بجائزة كتارا للرواية العربية 2017. وجابر الراعي هذا ورد على ذهني في وقت مبكّر من طفولتي في قصّة عنوانها جابر عثرات الكرام، أتذكر القصة بتفاصيلها، فهي لم تكن قصة بديعة، بل هي عمل أخلاقي وعظي يستعمل الحكاية. وملخصها أنّ صاحب المعروف وفاعل الخير لا يقع في المآزق، وإن حصل ووقع فيها فإنه سوف يجد من يساعده ويقف إلى جانبه.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الآن أحاول أن أكمل روايتي الثالثة التي يقوم جابر ببطولتها أيضا وهي بعنوان أقنعة أيسوب. &#8220;عشرة عمر&#8221; أنا وجابر هذا، يلازمني مثل ظلّ، وخلال السنوات الماضية كبرت أنا وإيّاه. وكثيرا ما أخاطبه بالقول: &#8220;متى ستتركني، وتذهب؟&#8221;. يتقن جابر الكلام، وهو من أمهر الناس في قصّ القصص، لكنّه لا يجيبني خارج الكتاب! وأنا وجابر يجمعنا أمر هو حبّ الحكايات. حين التقينا في الكتاب الأوّل حكينا 28 حكاية، كان جابر وقتها في سنّ الثلاثين ولكنّه يبدو طفلا على أبواب الشباب! قال لي في لقائنا الأول حين أنقذته من قطاع الطريق: &#8220;احملني معك ولن أكلفك شيئا. تردّدت، وحاولت التملّص، لكنّه قال لي كلمة لا تزال تتردّد في بالي: &#8220;أحملني معك وسوف أحكي لك كل يوم حكاية، وإذا لم أحك لك، اتركني!&#8221;. كنت في ذلك الوقت المبكر من حياتي تاجرا جوّالا، وكنت محبّا للحكايات، أبيع ثروتي كلها من أجل قصة تخلعني من عوالم المال الباردة. وسرنا معا. ونحن نمشي قال لي إنّ في حياته سرّا، وإنه محتاج لصديق صدوق، وبحاجة لشهرزاد صاحبة التفاحات السبع التي تغني، وأخبرني أن هناك شرطا ثالثا لا يعرفه! الشرط الأول تحقّق، فلقد كنت صديقه الصدوق، ووجدنا شهرزاد الصغيرة التي بحجم إصبع صغير، في نصف تفاحة، واضعناها، ووجدناها من جديد، وبقي الشرط الثالث ليستعيد جابر الراعي عمره المتوقّف. واكتشفنا الشرط ونحن نحيا ونطوف البلدان. فمع كلّ حكاية كان جابر يكبر، وكان شهرزاد أيضا تستعيد حياتنا بالحكي.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>في ذلك الوقت المبكر في حياتي استعدت صلتي بالحكي بوصفه قوّة تحرير خارقة. وما الغريب؟ لقد عاشت شهرزاد ألف ليلة وليلة لأنها حكت! وكبر جابر، وكبرت شهرزاد، وصرنا عائلة. في الأثناء استقام لي أنا أيضا القصّ، فحكيت قصّة جابر الراعي بتمامها، وكما أخبرتكم سابقا فاز بجائزة عربية بوصفه كتابا لليافعين، وما كتبته أنا لهذا الأمر، ولا ورد ببالي. فما أبعدني أنا نصر سامي عن حكي القصص؟ وحكيها لليافعين؟ فأنا في رواياتي الأيات الأخرى والعطار وبرلتراس أروي قصصا معروفة النهايات منذ البداية. فلقد رويت قصة والد المسيح في الكتاب الأول، ورويت قصة العطار الذي تزوج بأكثر من 25 امرأة في رحلة الخلاص، وحكايته بدأت بخاتمتها. وفي برلتراس أدمجت الحكوي في الواقعي ليشهد الافول التدريجي لكلّ ما هو إنساني، ويرى كيف تحيون البشر!</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وعادني جابر بعد سنتين وقد تحوّل طائرا حقيقيّا، وقد كاد حبّ الحكي نتيجة الاسترخاء والراحات الطويلة أن يخفت ويضيع. ولكنّ الطائر خاطبني وقال لي: &#8220;أيها العظيم، أنا بحاجة لشروط ثلاثة لأستعيد بشريتي&#8221;. ولست أنوي أن الخّص لكم روايتي بالطبع، ولكننا روينا أيضا قصصا كثيرة تتجاوز الثلاثين، وخلالها استعاد جابر بشريته! قال لي: &#8220;خلاصنا في الحكايات&#8221;. وصادقت على كلامه. كيف لا أفعل وقد شاهدته طيرا ثم شاهدته بشرا؟ الغريب في الأمر أنه في نهاية 2017 فاز الكتاب بجائزة كتارا للرواية العربية. وبدأت تظهر كلمة يافعين في بعض رواياتي، دون أن أكتب شيئا لليافعين! قالت لي الناشرة الإماراتية وقد رأت رفضي لذلك التصنيف: &#8221; سأكتب في الملصق الإعلامي رواية يقرؤها من عمره 8 إلى 88&#8243;. كان ذلك يعني فعلا أنّ ما أكتبه لا يخاطب شريحة بعينها، بل يخاطب الإنسان! وبعيدا عن ذلك كله تزوج جابر من شهرزاد وأنجبا ثلاثة أولاد، وقدم علينا الزيني الكاتب وقارئ الكتب القديمة، وعارم زوجتي، وأولادي الثلاثة، ثم أصبح لنا وطن صغير اسمه الفجّ، وتكاثر الناس. ثمّ غاب جابر في معتاد حياة الناس، حتى هدّد الجفاف الفجّ وأهل الفجّ، فقام هو وأنا والزيني والطلياني وسليمة بمحاولة إنقاذ الأرض، لكن تحصل أمور كثيرة تنتهي بموت البشر لأنهم سبب خراب العالم، ولكن الحياة تستمر دون بشريين.، أو ببشريين محقونين بمحتوى غير المحتوى البشري. ويأبى هذا الكتاب الثالث أن ينتهي، ويصبح جابر شخصا واقعيا أشدّ واقعية ممّن عشت معهم عمرا.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الآن أنا وجابر صديقان، متقاربان في العمر، وأبوان لعديد الأبناء، وحكاياتنا تعيش فينا. وهكذا سرت في الوجود. كل حكاية هي حكايتي، جميع حكايات ألف ليلة هي حكاياتي، حكايات أيسوب المئة هي أيضا حكايتي، حكايات إبتالو كالفينو حكاياتي أيضا. صرت مدرّبا على تشرّب تلك النصوص الصغيرة التي بلا راو معلوم، وانفتحت لي في ذلك التراث الكوني مساحات تأسيس أعتقد أنها من الدروب التي تصلح أن تتّبع، وهو تسريد المرويّات الشفوية، ووسّعت الدائرة لتشمل المرويات الكبرى مثل شعر المفضليات وهو أقدم كتاب شعري عربي، أو ملحمة جلجامش، أو النصوص المقدسة. وهو موضوع يطول فيه الحديث.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>البارحة أكملت كتابة 35 ألف كلمة من الكتاب الثالث الذي يرافقني فيه جابر الراعي، ستصل به إلى ال 50 كلمة! يقول لي، وأسمعه يضحك. ضحك الشخصيات الورقيّة لم يعد يقلقني! ما يقلقني حقّا هو الخبرات العميقة التي تسري في الجلد ونحن نقرأ أو نكتب، ما يحيرني بحقّ هو تلك الأضواء الخالدة التي يتشرّبها الجسد والروح. بحيث لا تصبح أنت بعد الحكاية أنت. تتوالد فيك نجوم، وتبزع شموس، وتتدلّى أقمار. أمن أجل ذلك أنا إنسان؟ ما القوّة التي للكلمات؟ ما السحر الذي للحروف؟ لا يحضرني جواب. أسئلتي في الغالب فؤوس صدئة مرمية على حافة الليل!</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أدب اليافعين الذي أدرجت فيه بعض كتبي هو أدب روائي من الدرجة الأولى التي تكون فيها الفنون فنونا. تماما مثل مذهّبات العرب وأسماطهم. تكتب لليافع ولغير اليافع. وفي رأيي ما من أدب يافع، بل أن نصوصا كثيرة مثل العطر لباتريك زوكند أو الجميلات النائمات لياسوناري كواباتا أو الخيميائي أو لباولو كويلهو أو الشيخ والبحر لأرنست هيمنغواي هي أعمال لليافع ولغير اليافع. بل أن سيرا كثيرة قديمة وجديدة هي من تلك الآداب التي هي موجهة للقارئ. ولي في مسألة هذا النوع الادبي رأي أميل فيه إلى اعتبار كلّ أدب رفيع حرّ أدبا يصلح لليافع وغير اليافع، وكل أدب ينزع إلى الحدّ من مساحات التحرّر بفعل الدين او الأخلاق التفعية أدبا لا يصلح لليافع ولا لغير اليافع.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وأنا بهذا المعنى أكتب رواية غير حذرة في كلّ مستوياتها، وهي في الغالب لا تقدّم فائدة نفعية كيفما قلّبتها، وتتبرّا من الوعظ والإرشاد، وتنزع إلى الفنتاستيك، فأنا أنطق الجماد والحيوان وأمسخ المخلوقات وأحولها، وأنسب لها قدرات خارقة، وأستدعي مخلوقت عجيبة، وأوظف الحلم والتنجيم، وأفتح الشرد على الشروط المعجزة والتحديات الصعبة، وأستعمل وسائل الحكايات الشعبية ذاتها مثل العصى السحرية وقناع التخفّي وحجر الساحرات وإبرهنّ، والمكانس الطائرة. تأتيني تلك الأمور بيسر باعتبارها أمورا ترقد في قعر علبة الأدوات الخاصة بي، ولا يجب عليّ إهمالها.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وفي غفلة من الزمن كتبت 50 قصة متوسطة الحجم ستصدر في سلسلة قصصية سميتها مكتبي الخضراء الملونة. (صدر منها ثلاث قصص). وددت فيها أن أكتب بكامل أدبيتي، وتحرّري الفكري، وبحضور عميق لشعريتي، مع شبكة تناصات متنوعة. وبذلك أحمي نصّي من النزول إلى قارئه، وأمتنع بسبب شروط الجنس الأدبي عن تطهير نصّي مما يجعله حقيقيّا وصادقا، وأمتنع عن السذاجة. إنّ مشكلة ما يسمّى أدب اليافعين هو أنّ من يحدده هم الكبار ومن يكتبه هم الكبار ومن يسيّجه بأمور ستؤدّي لفنائه هم الكبار أيضا. أمّا أنا وصديقي جابر فإننا كتبنا كتبا للإنسان يافعا وغير يافع.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وفي ختام شهادتي أصل إلى القناعة التالية: إن لأدب اليافعين عديد العوائق لعلّ أهمّها أدب اليافعين الذي يكتبه الكبار، فهم يكتبونه معتقدين أنهم يسدون نقصا، وهذا التصور يرى في اليافعين شبابا قليلي الخبرة وقليلي التركيز وضحايا ضغوط المجتمع وقليلي الثقافة وجهلاء بقواعد الكتابة. ولذلك يتدخل الوصيّ ليكتب للغرّ، في عمل ظاهره خير وباطنه مراجل شر. قد أبدو متشائما، لا بالقطع، فحسب رأيي أدب اليافعين له أفاق كبيرة تقيه من الفناء في غيره والاندثار. منها أن يعود إلى كتّابه الحقيقيين وهم اليافعون ذوو التعبير الفريد، والقادرون على استعمال التكنولوجيا، وعلى تنويع تجاربهم الثقافية والسياسية والاجتماعية وعلى التأثير القوي في مجتمعاتهم. وغني عن القول إن اليافع أسرع من الكهل في تمثل التطور والاستمرار فيه.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><span style="color: #ff0000;"><strong>مقومات فنية وتربوية لأدب اليافعين:</strong></span></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>هناك مغالطة تريد أن ترسّخ فينا فكرة خاطئة وهي أنّ أدب اليافعين أو الشباب هو اختراع جديد، وأنه يحظى بعناية كبيرة في المجتمع الحديث بسبب جدّته، والحقيقة أنّ هذا خطأ بيّن وكبير إذ أن التراث العربي اهتمّ كثيرا بهذه الفئة ويظهر ذلك في اهتمام بعض الخلفاء يتعليم أبنائهم فجلبوا لهم أفضل المعلمين وقد حاول هؤلاء أن يعلّموا أولادهم بواسطة الرواية رواية الأشعار وقص الحكايات وسرد قصص الصالحين وترجمة الحكماء والمفكرين. ومن مآسي ثقافتنا الحاضرة أنّ مفهوم أدب اليافعين لم يبرح هذه الدائرة فنحن تقريبا نتحرك في هذه الدوائر ذاتها. فنحن نعيد ونعيد ونعيد ولا نتوقف عن التعليم والتربية بواسطة أنموذج هو غالبا أنموذج مستمدّ من قالب حكائي قديم وإن حاول إيهامنا بالمغايرة الأسلوبية أو المضمونية.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ومن شواهد ما قلناه كتاب المفضليات وهو أول كتاب شعري عربي جمعة المفضل لتعليم ابن الخليفة في زمانه. ومن المشهور قول عبد الملك بن مروان: &#8220;علّمهم الشعر يسمحوا ويمجدوا وينجدوا وجنبهم شعر عروة بن الورد فإنه يحمل على البخل&#8221;. وقال أيضا: &#8220;أدّبهم برواية الأعشى، فإنّ لها عذوبة يدلهم على محاسن الأخلاق&#8221;. السؤال هنا: هل خرجنا نحن كتّاب اليوم عن إطار هذه الرؤية؟ القدامى يرون أنّ الأدب يربّي ويعلّم القيم ويلقّن الأخلاق، ولكنّه أيضا يرفّه ويسلي ويمضي وقت الفراغ. لكن لأمر ما لم يخصّص العرب الأوائل لهذا الأدب تصانيف وكتبا، وذلك عائد إلى عدم حاجتهم في بيئتهم تلك إلى نوع جديد، وربّما كانت لهم نظرة استهانة تلحق هذه الآداب بالأدب الشعبي. ولهذا دوّنوه وأدرجوه في أدب الكبار. أمّا اليوم فإنّنا نجد أدبنا الموجّه للأطفال والشباب واليافعين مثل أدب أسلافنا محقّقا لوظيفتين أساسيتين هما الإمتاع والمؤانسة على رأي التوحيدي. </strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وكثرت التصانيف وتنوّعت، بل أننا لاحظنا محاولات جدية للخروج من هذه الرؤية لدى قلة قليلة من الكتاب ممن حاولوا التعبير عن قضايا المراهقة التي تطرح بعيدا عن دوائر الوعظ والإرشاد وكتابة نص يطرح مشاكل الطفل والشاب واليافع. وبما أنّ الأنموذج الأصلي لرواية اليافعين غربي أساسا فإنّنا منذ بواكير كتبنا منذ النهضة إلى اليوم نراوح في النصّ الأنموذج المترسّخ في الثقافة الغربية والدائر أساسا حول كتاب المغامرات والحكايات. وهي كتب أصيلة رائعة في سياقها وفي رؤياتها المناسبة للمجتمعات التي وجدت فيها أما عندنا فإنها روايات غير أصيلة مقحمة إقحاما في ثقافتنا. وهذا حديث يطول ربما نجد فرصة غير هذه لنتبادل فيه الرأي.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>في ختام شهادتي في ملتقى دولي انعقد في كلية الآداب بسوسة بالاشتراك مع إحدى الجامعات الفرنسية حول أدب اليافعين وعنوانه Enseigner la littérature de jeunesse à l&#8217;université tunisienne قلت فيه: &#8220;إن لأدب اليافعين عديد العوائق لعلّ أهمّها أدب اليافعين الذي يكتبه الكبار، فهم يكتبونه معتقدين أنهم يسدّون نقصا، وهذا التصوّر يرى في اليافعين شبابا قليلي الخبرة وقليلي التركيز وضحايا ضغوط المجتمع وقليلي الثقافة وجهلاء بقواعد الكتابة. ولذلك يتدخل الوصيّ ليكتب للغرّ، في عمل ظاهره خير وباطنه مراجل شر&#8221;. وبهذا القول أمرّ الآن إلى مقوّمات هذا الأدب وأهدافه لأطرح حولها بعض الأفكار.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>إنّ هذه المقومات هي غريبة الغرائب لدى الكتّاب العرب. إذ أنّهم يجعلون لأدب اليافع مقوّمات أقلّ اتساعا وشمولا من مقوّمات أدب الكبير. فعلى الكاتب لليافعين أن يراعي طبيعة هذه الفئة. ومن أجل نجاح الأمر فلا بأس من التضحية ببعض المقومات. وعليه أن يرضي هذه الفئة ويستجيب لتطلعاتها ويتواءم مع حساسية هذه المرحلة، ولا بأس أن يضحّي ببعض الأمور الأدبية لينجح في مسعاه. والنتيجة أنّ أغلب ما يكتب هو مسخ أدبي غير أصيل وغير أدبي ومحدود جدا من حيث مقوّماته الأدبية. إنّ كتّاب أدب اليافعين العرب حسّاسون جدا في مسألة المقوّمات المحدّدة للنّوع، وحريصون جدا على الانضباط وعدم الخروج، ولا يملّون من التخلّي الأدبي عن الأساسيات في سبيل قارئ متوهّم يرون أنّه يستحقّ النزول إليه.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وبالحق فإنّ أمام الكاتب العربي عقبات كثيرة ناتجة أساسا عن طبيعة تمثله للأدب عموما وللأدب الشبابي تحديدا. ونضرب مثالا على ذلك قول الكاتبة الفائزة بجائزة كتارا سناء شعلان في قولها: &#8220;يحتاج هذا النوع من الكتابة إلى مبدع مدجج بالمعرفة والثقافة العامة التي تؤهله للدخول في عوالم الطفل بأبعادها جميعا، مع القدرة على التعاطي معها بذكاء وحرفية مع وجود خطة تربوية وأخلاقية وجمالية واضحة ومنسّقة&#8221;. وهذا كلام جميل في ظاهره أما في عمقه فهو الدعوة إلى توفر سياسة تنازل عن بعض المقومات الأدبية التي قد تعيق التربية والأخلاق والجمال والاتّساق والوضوح. وبالتتابع فإنّ الكاتب العربي يجب أن يراعي&#8230; وهو مطالب&#8230;. وهو مدعو إلى تجنب&#8230; وهو وصيّ على&#8230;. والنتيجة أنّ الكاتب العربي في الغالب يكتب لليافع رواية مخصوصة تتحرّك ضمن جماليات شديدة الانحسار مقارنة بجماليات رواية الكبار بسبب محاذير كثيرة منها سوء تقديرهم لمستويات اليافع وطبائعه وثقافته ومواكباته لعصره وهذا أمر متغيّر.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>نقطة أخرى من المهمّ قولها ولا أحبّ أن ينزعج منها زملائي كتاب اليافعين، وهي أنّ غالبية من يكتب هذا النوع كتّاب لا موهبة حقيقيّة لهم، وليس لهم نصوص مهمّة في أنواع أخرى مثل الشعر والرواية والتفلسف وخلوّ هذه النصوص من العمق المتوجّب لها بسبب أنّه ليس لكتابها القدرات العلمية والثقافية والتجربة والاختصاص. وهنا لديّ عشرات السلاسل التونسية التي أعتبرها شخصيا جرائم ضد أدب الأطفال واليافعين وضد الإنسانية.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>والكاتب العربي يراعي سنّ الشباب فيتنازل عن أمور ويطرح القضايا التي تهم الشباب لكنه يطرحها بشكل مخصوص، ويهمل في أكثر النماذج التي نظرنا فيها الفلسفة وعلم الاجتماع والفنون والسياسة الدولية وقضايا الجنس والدين والسياسة. لا أريد أن أبدو فضّا أو متشائما، ولكنّ الوضع وضع أدب الأطفال واليافعين قاتم. وما يدفعني إلى ذلك هو خلو المكتبة العربية من نصوص لليافعين تشتغل في هذا المجال بجميع مقوّمات النوع الأدبي. ولهذا نجد كتبا تبالغ في الالتزام بالمحاذير، فتكون رواية قصيرة ويمنع أن تكون طويلة، ويستحسن تبسيط البنية، ويجرّم التعقيد والتركيب والتجريب بالطبع، ويستحب فيها أن تكون مفهومة ويطرد منها كل نصّ غامض غير مفهوم! ولقد لجأ أغلب كتّاب هذا النوع إلى الخيالي. وقد قادهم ذلك إلى مأساة حقيقية وهي انتزاع مخيالات مرتبطة بظروف معينة (ثقافية إثنية خرافية أسطورية رمزية) ومحاولة إدراجها القسريّ في سياق الواقعي والمحلّي. ولقد حاول آخرون تطوير هذه الفعالية في اتجاه الفنتاستيك أو العجائبي. وحاول بعضهم أن يضحك الصبيان أو أن يثقّفهم ويجعلهم يعتزون بثقافتهم وأنتجت هذه الأمور روايات كثيرة هي في رأيي بعيدة عن الأدبية.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أنا أيضا أتحرّك باعتباري كاتبا عربيا ضمن هذه الحدود، ولعلّي أداور في أسلوبية ألف ليلة وليلة دون أن أصل إليها. وذلك بسبب أنّ راوي الليالي ليس واحدا بل كثير، وليس له محاذير بل لعله من أكثر رواة الأدب تحرّرا، ولا يتحرّك في أدبية محدودة بل لعله من أكثر الرواة تنويعا. وهو أخير ليس كتابا أخلاقيا تربويا وعظيا بل هو نص ساحر لا زمني تتحقق فيه الأدبية في إطلاقها. أمّا رواية اليافعين العربية فإنها تعاني وتئنّ تحت نير محاذيرها.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>فهم يلجؤون إلى التضمين enchassement وهو آلية عبقرية لكنها عندنا آلية إدراج آليّ استيعابي انتقائي لنصوص الغير أو للتراث الحكائي والكاتب العربي يمارس مع قرّائه إيهاما بالتغاير، ولا يقوم بالتغاير فعليا مع تلك البنى الحكائية المغلقة. ومن المقوّمات الأخرى الشخصيات وهي في الغالب موظفة بعناية لتربّي الطفل بالشّبيه. ومن المقومات الأخرى الفانتاستيك، فلقد حاول الروائيون العرب انطاق الجمادات والحيوانات وهذا ليس جديدا، وعمدوا إلى استعمال المسخ والتحول وهذا أيضا ليس جديدا، ولجؤوا إلى القوى الخارقة وهذا معاد ومكرر، وعمدوا إلى العجيب والحلم والتنجيم والشروط المعجزة. وهي أمور مهمة لكنها تحضر في النصوص الروائية كحضورها في الحكايات الأصلية، بل تقصر عنها، بحكم أن للحكاية نظاما شديد الاتّساق والنظام ولا زمن له وراويه غالبا الضمير الجمعي لذلك يبدو في الحكايات مصهورا بنار الحكمة وعبق الحضارة، ويبدو في الروايات تلفيقا، وذلك لأنّ نظم الحكاية وبناها من الدقّة بحيث يصعب الخروج منها إلى غيرها.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وأخيرا فإنّ أدبا لا تهتمّ به المدرسة العمومية، ولا يهتمّ به المعهد، ولا تهتمّ به الجامعة، وهو مقصى تماما من مجال التداول العلمي في جميع كليات الآداب وغيرها من الكليات (الفلسفة وعلوم الاجتماع)، لا يمكن أن نتحدّث عنه بوصفه نوعا متحقّقا، بل هو مشروع طموح يجب أن نشرع في مراكمته ودراسته والبحث في واقعه وآفاقه.</strong></p>
<p style="text-align: left;"><span style="color: #800000;"><strong>مجلة قلم رصاص الثقافية</strong></span></p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/11248">تجربتي في الكتابة لليافعين</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://www.qalamrsas.com/archives/11248/feed</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>لدينا حلم</title>
		<link>https://www.qalamrsas.com/archives/10087</link>
					<comments>https://www.qalamrsas.com/archives/10087#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[نصر سامي]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 07 Dec 2023 22:24:59 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[نصـوص]]></category>
		<category><![CDATA[تونس]]></category>
		<category><![CDATA[لدينا حلم]]></category>
		<category><![CDATA[مجلة قلم رصاص الثقافية]]></category>
		<category><![CDATA[نصر سامي]]></category>
		<category><![CDATA[نصوص]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://www.qalamrsas.com/?p=10087</guid>

					<description><![CDATA[<p>أمري كان لي فيما مضى، والآن، لا أدري، أبي قلق من الطّغيان؟ أم هل أنّ بي ما يعجز الدّنيا وذاكرة الزّمان بحاله؟ أدري بأنّي لا أرى. لكنّ ماء الرّفض ينبع من خلال أصابعي، ودم السّؤال ينزّ من قلبي. وهذا اللّيل ملتمّ كقبر من سحابات ولا عنقاء في الأعطاف. أمري كان لي. والآن لا أدري، أهذا &#8230;</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/10087">لدينا حلم</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: justify;"><strong>أمري كان لي فيما مضى، والآن، لا أدري، أبي قلق من الطّغيان؟ أم هل أنّ بي ما يعجز الدّنيا وذاكرة الزّمان بحاله؟ أدري بأنّي لا أرى. لكنّ ماء الرّفض ينبع من خلال أصابعي، ودم السّؤال ينزّ من قلبي. وهذا اللّيل ملتمّ كقبر من سحابات ولا عنقاء في الأعطاف. أمري كان لي. والآن لا أدري، أهذا الموت خاتمة المطاف؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أهذي الحرب روح خطافة عمياء طافت حول قلب الأرض كي تعطي سلام الخطف في تطوافه؟ أدري بأنّي لا أرى أملا هنا في هذه العتمات غير الرّيح في ترحاله. الموت في الأضواء في السّاحات في الدّرجات في حوض الشّتول وفي المدى، الموت في الآهات في الكلمات في نفس الرّضيع وفي بكاء الأمّهات وفي غروب الشّمس أو إشراقها، أدري بأنّي لا أرى أملا وهذا الصّمت حمّى في الضّلوع. وآه يا بلدي. </strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أمري كان لي فيما مضى.. وها رمته الرّيح ها قد ضاع للأبد. فيما مضى كانت لشمعتنا يدان وأذرع حبلى بأثمار المنى والنّخل كان له رؤى وكان ديوان الصّبا في كل رفّة طائر، فيما مضى الأرض كانت للجميع لنا، لهم ولغيرنا من كائنات الأرض. أسطورتي تأتي لتلعب في حقول الآخرين مع المدى وفجرهم يأتي بصندله الصّغير وينحني قرب البحيرة عاريا والأغنيات تسير في نهري ونهر الآخرين ولا ترى. فيما مضى النّاي كان نشيدنا المكتوب بالطّين الشّريف وبالحديث وبالبروق وبالنّدى. والآن لا أدري أبي شوق إلى النّسيان يحميني من الذكرى؟ وهل في هذه الصّحراء غير الحرب والطّغيان. لا أفهم الصّحراء في هذا الخلاء السّرمدي. وأفهم الصّخر الحنون إذا تكسّر تحت أزمنة البلى، وتهزّ روحي روعة التكوين إذ تنداح في صمت على شفتي فيوض الطلّ والذّكرى، وأبكي كي أرى عمري فراشة صدفة تأتي لتلحس ظلّها في ضوء أغنيتي التّي أحيا بها. وأحبّ أن أعطي لحيّات </strong><strong>الرّمال أصابعي وجوارحي ليدور سمّ الأرض في جسدي. زمن القداسات القديم يمرّ في الصّحراء يعرفه الأهالي من برود في الضّلوع إذا أتاهم هاهنا أو من حنين للصّبى. جنحاه ما هدآ. ولكنّ الأهالي لم يكونوا قادرين على متابعة الرّحيل. يكفي ليرتحلوا وهم تحت اللّحاف تلفازهم. </strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>زمن القداسات القديم يمرّ كالأضغاث بي لكنّني في ظلمة الأكوان مقطوع اليد. هذي معلّقتي. أموت هنا وقافيتي معي. هذي معلّقتي. أموت هنا وذاكرتي معي. هذي معلّقتي. أموت هنا وفي دمي لغتي. هذه معلّقتي. وكلّ أسئلتي معي. هذي معلّقتي. وما يمتدّ في النّسيان من لغتي معي. هذي معلّقتي. نعم، وأمري ليس لي. ذكراي تحضر في المكان وفي الزّمان وفي الدّجى. وأنا الخلاء يلمّ في كفيّ</strong><br />
<strong>أسراب النّجوم وقد نمت في ضفّتيه رؤى الجحيم وقد تداركه الصّبى. أنا فكرة في الأرض، أرواحي سراب لا وجود له. وأحزاني سحابات.</strong><br />
<strong>وحنجرتي خلاء لا وجود له. يد التّاريخ هذى وامتهان الوقت لي. غمغمت في سرّي. وأدركني الظلام. فنمت في طيف الجدود هنا..لوحدي. لا شيء قبلي في المكان وفي الزّمان وكلّ الأرض تلفظني،</strong><br />
<strong>أيكون برق الأرض لي وطنا؟ أيكون لي وطن كأعدائي هنا لأموت فيه وأنحني وأقبّل الحجر القديم وأحلب البقرات في غاباتها؟ أأكون أفراسا لأعرج دون عود؟ كان لي ظلّ على الزّيتون، إيقاع وراء الماء، إنشاد إذا عاد الرّعاة من الجبال، وسقسقة إذا طار الفراش وراء قدّاس الغيوم.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>كان لي فيما مضى فضل على أيّامنا. والآن لا زيتون في الأرض القديمة. لا مياه على سواقي الانتظار ولا رياح لفتح باب المنتهى. والأيّل الجبليّ ما عادت خطاه تدبّ خلف منازل الجيران، والعشّاق ما </strong><strong>عادوا مرايات لتكسرهم فصول العام، والأغراب لم يرثوا سوى زبد الدّموع، ولا فراش يمرّ عبر الرّيح في هذا المدى. في الحلم متّسع، ويكفينا تراب الذكريات لكي نصلّي. كلّ ما نحتاجه أفق صغير للغزالة </strong><strong>كي تمرّ إلى الحشيش الأخضر الجبليّ، ونهر للصّغار لكي يروا أحلامهم في وجه نرسيس الصّغير، ووردة للمرج تعلن أنّ فصلا سوف يمضي هكذا، وأنّ آخر سوف يأتي بالزّهور وبالمنى. في الحلم متّسع، ويكفينا الهواء لكي نصلّي، كلّ ما نحتاج أرض للحياة هنا مع أطيارنا وصغارنا وترابنا وهوائنا، أرض بحجم قصيدة، حتّى بحجم قصيدة، أرض بحجم يد.</strong></p>
<p style="text-align: left;"><span style="color: #800000;"><strong>مجلة قلم رصاص الثقافية</strong></span></p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/10087">لدينا حلم</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://www.qalamrsas.com/archives/10087/feed</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>قراءة في رواية طاهر الزهراني ميكانيكا الرغبة</title>
		<link>https://www.qalamrsas.com/archives/9938</link>
					<comments>https://www.qalamrsas.com/archives/9938#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[نصر سامي]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 11 Sep 2023 10:29:30 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[رصاص خشن]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://www.qalamrsas.com/?p=9938</guid>

					<description><![CDATA[<p>تأمّلات أولى: تحتاج الحياة إلى ميكانيكي، احتاجت من قبل إلى أنبياء، وعرّافين، وكثيراً ما احتاجت في أكثر نصوصها قراءة إلى مجرمين وقتّالي أرواح. ولعلّ أعلقهم بذاكرتي الآن بطل رواية باتريك زوسكند العطر، مذكّرات قاتل. وتحتاج بجانب الصّخب العاتي والعنف الذّي نقرؤه في أغلب نصوصنا العربيّة إلى الهدوء ومتابعة الحياة مثل شريط سينمائي. كيف لا والرّاوي &#8230;</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/9938">قراءة في رواية طاهر الزهراني ميكانيكا الرغبة</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: justify;"><strong>تأمّلات أولى:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>تحتاج الحياة إلى ميكانيكي، احتاجت من قبل إلى أنبياء، وعرّافين، وكثيراً ما احتاجت في أكثر نصوصها قراءة إلى مجرمين وقتّالي أرواح. ولعلّ أعلقهم بذاكرتي الآن بطل رواية باتريك زوسكند العطر، مذكّرات قاتل. وتحتاج بجانب الصّخب العاتي والعنف الذّي نقرؤه في أغلب نصوصنا العربيّة إلى الهدوء ومتابعة الحياة مثل شريط سينمائي. كيف لا والرّاوي مغرم بالرّوايات والأفلام؟ لا يغرنّكم إنكاره ذلك في بداية الرّواية، وتعلّمه الأمر من بطلة روايته، فمنذ الصّفحات الأولى ينفتح الكتاب عن نفس تأمّلي هادئ يختصر الحياة في مشاهد متقطّعة كمشاهد الأفلام التسجيلية، تبدأ من الغفلة بمراحلها جميعا، وصولا إلى التشوّه والشّقاء والشرّ والاختلاط بالحب والنّاس والتوحّد والعزلة والتوحّش.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الغفلة مفردة سردية تبدأ بها الرّواية وتنتهي، والحقّ أنّها تحمل كلّ شيء، الرّاوي البطل يعي جيّدا وضعه وهو وضع الغافل الذّي طالت غفلته، فأحبّها، وعاشها. وهو راو متكلّم، قوّال، يحسن صياغة مقاصده، لمّاح، متمكّن من أدواته، متمرّس بالنّصوص، حياته في الورشة حيث &#8220;الضّجيج والآلات والرّوائح المنفّرة والكربون الأسود والزيوت والشّحوم، والأكوام الهائلة من الخردة والقطع المستعملة والرّكام البشع من النّفايات&#8221;، وحيث تنغرس شجرة محبّة عميقة تصل النّاس ببعضهم، فهم &#8220;يحملون قلوبا تنبض بالحياة&#8221;. لكنّ ذلك كلّه يدفع الرّاوي بحركة مفاجئة ومتعجّلة إلى إخبارنا أنّ تلك الغفلة صارت أثرا بعد عين، وأنّ العالم لم يعد ورشة ميكانيكا الآلات، بل صار عالم ميكانيكا الرّغبة والحب.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الرّاوي البطل يخبرنا بالقصّة مرّة واحدة، فنفهم نحن أن ليس القصّ هو ما يريده الرّاوي. الرّاوي في رواية زوربا أيضا يخبرنا بقصّته دفعة واحدة والرّاوي في الجميلات النّائمات يخبرنا بالقصة كلّها منذ الصّفحات الأولى. رواة كثيرون لا ينشغلون بقصّ جلد الثّور لإقناع النّاس بتأسيس مدينة، بل يمضون إلى ما هو أبعد من مجرّد القصّ الذّي يلهب الحواس، يتأمّلون ما يحدث فعلا، محاولين صياغة تصوّر للوجود مخالف لما يحدث فعلا. وتنطق الرّواية في كلّ مراحلها بتأملات تعلو وتخفت، تقسّم العالم إلى قسمين:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><span style="color: #993300;"><strong>الأوّل: </strong></span></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>نجد فيه الميكانيكي وصبيّه الطفل حيث &#8220;مئات المفاتيح والكمّاشات والمفكّات وبعض قطع الغيار المستعملة&#8221;، وهو عالم محدود، يرفضه الرّاوي، وينفر منه رغم تصريحه بمحبّته له، فالعمل &#8220;آليّ مرهق&#8221;، والمكان معبّأ &#8220;بالرّكام البشع&#8221;، و&#8221;النّشاط يكاد يخرج من عينيه&#8221;، والمال فيه &#8220;يبتلّ بعرقنا&#8221;. عمر متطاول مرّ في غفلة ورتابة، تحوّله العادة أحيانا إلى ألفة وكسب حلال، لكنّه في العمق ليس غير حياة غير لائقة بالبطل الذّي يبالغ في الاغتسال بعد العمل ويمعن في فرك الجلد وأخذ الحمّامات الطّويلة، وهو مجبر على العلاقات المحدودة والمباهج القليلة. بطلنا العائش في الأفلام، لم يعد يجد أنّ حياة الورش تليق بحياته، لكنّه يواصل العيش فيها رغم ذلك.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الثاني: </strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>عالم تغيب منه الورشة تماما، ويغيب فيه صبيّ الميكانيكيّ، وآلات التّصليح، عالم لا يحتاج تصليحا، عالم يستقيم نقيضا للورشة، نظيفا دون غسل ودون دعك للجلد، ملهم دون حاجة للتعب والملل، مغو وفاتن، هو عالم شبيه بما يصفه الرّاوي في قصّته والمخرج في فيلمه، شيء لا يوقفه زمن ولا يحدّه مكان، لا يطول كثيرا، ولا ينتهي أبدا، شيء كالحب والولادة، لا يعاد مرّتين.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثنائيّة طهارة ودنس تظلّ تلاحقنا منذ آدم، لا نعلم لها حلاّ. ينتصر الرّاوي فيها للطّهارة، ربّما بدافع حبكة قبليّة، وربّما بدافع أعمق هو تسلّط ثقافتنا الاجتماعيّة والأخلاقية التّي تعلي من شأن الجميل، وربّما بدافع منطق السرد نفسه. والرّواية تحتفي بالعالم الثّاني، وتمعن في عرضه وتفصيله وتقطيعه في مشاهد متنوّعة، وتعرض العالم الأولّ بمقادير مدروسة تفيد في توضيح الثّاني بطريقة سرديّة معقّدة، فيها &#8220;تزمين&#8221; وتوقيت ماكر، حيث يوظّف الرّاوي ما حدث في زمن الغفلة من أحداث في زمن الإفاقة والوعي. فنرى ما يكون في ضوء ما كان، فننتصر للحاضر. عالمان لا معنى لأحدهما دون الآخر، ولقد انشددت كثيرا لحياة الميكانيكي بتفاصيلها كلّها، وخصوصا علاقته بالأمّ وطقوسه قبل العمل وبعده، وتمنّيت أحيانا أن يتمهّل الرّاوي في عرضها عرضا مفصّلا، لكنّ الرّاوي مدفوعا مثل آدم بالمرأة يأخذنا إلى عرض آخر نطلق عليه مجازا عالم ميكانيكا المتعة والحب. والبطل في العالمين ميكانيكي يغرف من ماء الغفلة، يعبّ منه عبّا في الأوّل باحثا عن الوعي، لكنّه في الثّاني يعب من الوعي ناشدا الخروج عنه إلى غفلته الأولى. إنّنا نحيا في كون من الغفلات، تلك حقيقتنا، وكل نصيبنا من الوعي إذا حصل تتولّد عنه غفلات جديدة.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><span style="color: #993300;"><strong>فرضية خطابية وسلسلة خيارات:</strong></span></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>يبتكر طاهر روايته ابتكارا، ويقيم في نصّه فرضية قولية أو خطابية على حدّ تعبير داريدا، مفادها أنّ العالم الظّاهر البسيط التافه المغلق المحدود مثل عالم الميكانيكي يخفي عالما آخر. عودة هي واعية أو لا واعية لمقولات الرّومانسيين الكون الأصغر الذّي ينطوي على الكون الأكبر. لا يبدو الرّاوي مشغولا ببناء رواية معقّدة، ولا نكاد نفطن إلى تنويعات مربكة في الأسلوب على عادة روائيي اليوم، بل يتابع سرده خطّيا في الغالب باسترسال، ويقطعه أحيانا بفقرات وصفية وظيفيّة وببعض الحوارات الضّروريّة، وأحيانا يقطعه بنظرات استعادية مختصرة. والتغيير الأسلوبي الوحيد كان حين استعمل تقنية &#8220;الرّسائل&#8221;، ولذلك لضرورة سرديّة مبرّرة ومحدودة على مستوى الحجم.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>هذه الفرضية الخطابيّة احتاجت إلى بناء سرديّ يقوم على حبكة واضحة مبسّطة، تدور حول بطل رئيسي واحد يتحرّك في فضاء &#8220;مسيّج بالحرام والممنوع&#8221;، فبدت أفعاله متباينة متقابلة، واحتاجت لغة &#8220;صافية&#8221; تخلو تماما من كلّ ما يخدش الحياء، وتحاول أن تخيّل الواقعي وتقول الجميل وتزرع فيه زهر الفكر النّاعم وخيالاته الموحية. واحتاجت أبطالا ثانويين قليلين، أمّا وحبيبة وطفلا، لا نفطن من بينهم إلاّ للحبيبة التّي يمعن في تصويرها حتّى تستقيم حيّة للمبصر، حيّة نعم، تخرجه من عالمه الأوّل وتغويه وترسل في جسده سمّ المعرفة العاصية.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>في بنية بسيطة وحكاية تستعاد من قديم الزّمان بصور لا حصر لها يتحرّك طاهر، وينسج في نصّه سلسلة إحالات كما يقول داريدا، إحالات معرفية عن كتب وأفلام وبيئات ورؤى وثقافات وأفكار تتعلّق بالمكان وعلاقة المرأة بالرّجل واستيهامات فكرية تصنع نسقا بموجبه يستقيم النصّ شجرة تطرح زهرها الخاص وثمرها الخاص. فالرّاوي لا يبدو مقبوضا أو مجبرا أو مصنوعا أو مقودا من شعره من طرف الكاتب، بل نجده عارفا متحرّرا يتصرّف على هواه، لا يروي &#8220;والأكباد تحترق&#8221; كما تقول العرب، بل يروي ليخبر بما علمه ويشهد بما حدث، ويروي ليدفعنا للتّصديق. ويهتمّ كثيرا بنا ويريد إمتاعنا، ويدفع على بطليه كلّ &#8220;عار&#8221; قد يلحق بهما، لكنّه ينحاز دون مواربة لبطله، حتّى كـأنّه هو، يتماهيان. وهنا تحضر الأنا محبوبة مفضّلة منزّهة قادرة واعية بتلفها الماضي وراغبة في التحرّر. روائيّون كثر يسردون باستعمال الأنا، لكن أناهم تفيض بالقسوة والعنف والكره والشدّة، وتمعن في الخطأ ولا تنزّه أبطالها ولا تفخر بالوعي والعقل، &#8220;فكلاهما عاهر كبير&#8221; كما يقول سارتر. إنّ الرّاوي في رواية الميكانيكي مقود بنوع من الرّهاب الأخلاقي الذّي يرى الشرّ شرّا والخير خيرا، ويمتدح، دون قصد، الطّهارة، ويدعو ضمنيّا إلى الرّفق بالمساكين (الطفل العامل مثالا)، وحبّ الأقارب (الأمّ مثالا).. وهي رؤية مناسبة لموضوع الرّواية ولمستوى البطل، لكنّها لا تبدو مناسبة للبطلة التي تبدو بتأثير مرضها ربما هازئة بالمواثيق والسلوكيات المتواضع عليها. ولقد جعل طاهر روايته تسير إلى نهايتها السّعيدة أو الحزينة، لا فرق، دون مفاجآت، فالأجساد تظلّ في رواية طاهر كشجيرات الموز تعلّق موزها في فضاءات الرّغبة، ووحده الحبّ هو ما يشغل الرّاوي بوصفه ميكانيكا الحياة الحق.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>إنّ تجربة الحبّ بغضّ النّظر عن ظروفها ومع من هي التّجربة الأحق بالحياة، نتيجة متوقّعة من كتاب مماثل وضرورية في بيئة مماثلة، بفشلها لا تتوقّف الحياة، بل تتغيّر، يعود الرّاوي لأمّه وصبيّه ولجميع أدوات إصلاح السيّارات. هذا العالم يحتاج إلى إصلاح تماما مثل السيّارات المعطّبة. ينزع طاهر قشرة الجمال الرّخوة بقسوة، ويخاطبك في وجهك: أنت مجرّد خردة، أصلح نفسك المعطوبة.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>بإمكاني الآن تلخيص الرّواية في كلمتين، قصّة حب حزينة في بلاد لا تحفل كثيرا بالحب، وعلاقة تبدو ناتئة كطفح جلدي أو بروز لحمي في الظهر، لهذا يجنح الرّاوي ومن ورائه الكاتب إلى أسلوب التداعي الحرّ لاستنطاق البطل وسماع هواجسه وقلقه، وحين لا يكفيه التداعي يستعمل السرد الشعري، فالوقائع قليلة، وهي في الغالب منتظرة، وبعضها كان بلا داع إلاّ ضرورات السرد من تبرير وغيره وخصوصا مرض الأم والحبيبة. ولكنّ الرّاوي منقادا باستراتيجية المتابعة، متابعة البطل، يهمل برامج سردية كثيرة ممكنة ويهتمّ بالصدفة كثيرا، والصّدف على أهميتها في الحياة، فإنّها في السّرد الروائي لا يعوّل عليها في صنع الحبكة وتوفير الانسجام النصي. وبعيدا عن ذلك كلّه تبقى رواية الميكانيكي قصيدة رومانسية تندسّ في ليلنا العاصف بالثّورات والحروب لتمنحنا لحظة استرخاء وفضاء للبوح وامكانية لخفقة فراشة في الظلام.  </strong></p>
<p style="text-align: justify;"><span style="color: #993300;"><strong>سيارة الجسد المعطوبة بين يدي الميكانيكي والمثقّف:</strong></span></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>تطرح الرّواية عديد القضايا إن قصدا أو عرضا، وأحدها وأكثرها حضورا مسألة الجسد، فطاهر الزهراني على عكس روائيين كثيرين لا ينظر للجسد باعتباره معطى غريزي، وليس باعتباره منبع لذائذ حسّية كما هو الجسد في أغلب نصوصنا، بل يجعل منه وسيلة تغيير وآلة أخرى من أدوات تصليح ماكينة الإنسان الخربة. الجسد المذكّر أي عادل يشعر أن جسده ليس غير قيد فيتجاهله تماما، إلاّ في بعده الوظيفي العملي الآدائي، أمّا الجسد المؤنّث فإنّه ليس غير مصدر للإبداع والإيحاء الفنّي واللّغوي. رؤية للجسد لا تخرج عن ثنائية الجسد قيد/ الجسد حرية، تصدر في الغالب عن رؤية أخلاقية منضبطة للذّوق العام ومع ذلك فإنّنا نلحظ أنّ جسد عادل ليس جسدا ناميا، فلقد حافظ على عذارته وإن سعى إلى &#8220;تدنيسها&#8221; بالسفر والقراءة ومشاهدة الأفلام ولقاءات الحب، لكنّه تدنيس بالعين فقط، تدنيس ثقافي لا يهدف إلى التّهوين من شأن المقدّسات، بل يصنع لها إطارا لتتمكّن.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لقد أمكنني بواسطة متابعة الحضور الجسدي للبطلين ولبقية الأجساد أن اكتشف حضور بنية حضارية وإيديولوجية وثقافية واجتماعية وثقافية قاهرة، وهي بنية مجتمع مخصوص لا يزال رغم مدنيته المتسارعة منشدّا إلى المحافظة والانخراط تحت سلطة القيم القديمة. وطاهر هنا يحاول وصفها، ويضفي عليها دون قصد مسحة من المعقولية فهي في الأخير لا تخرج عن تلك الغفلات التّي شكّلت حياتنا الأولى. وطاهر يغيّب الخطاب الجنسي الحاد المخلّ &#8220;بالأخلاق الحميدة&#8221;، ويختار لغة صافية، وبطله محتف بالحواس معتن بجسده غسلا وفركا وتعطيرا وتنظيفا وتغذية، ونكاد نراه وهو يعيش بجميع حواسه في حياته العادية، لكنّه في الحبّ بسبب طبيعته الخاصة ربّما، ينزع إلى نوع من الخطابات الرومانسية التّي تقدّس الأنثى وتغضي تماما عن &#8220;حيوانيتها&#8221;.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ما يبدو غريبا في الرّواية أنّ الميكانيكي لم يتصرّف انطلاقا من ثقافة الميكانيكي في جسده، ولم يعتبره سيّارة معطوبة، ولم يتقبّل النّظر إلى جسد المرأة باعتباره مجال تدخّل وعمل حسّي. لهذا قدّمت لنا الرّواية رؤية ثقافية للجسد وللعلاقة، هي رؤية المرأة وليست رؤية الميكانيكي، فبدا الحبّ بعيدا عن الممارسة، وبقي الجسد &#8220;طاهرا نظيفا&#8221; مجرّدا عن الرغائب وبعيدا عن يد الميكانيكي المجرّب المدرّب وآلاته وحسّيته. ووقعت تبعا لذلك عملية استبدال كبرى، فغيّب الجسد الواقعي وتمّ الاحتفاء بجسد ثقافي ووقع تحويله عبر خطاب شعري إلى لا جسدي، وحمّل بقوى ليست فيه، ومنها القدرة على طرد الغفلة، فحضرت المرأة حضورا شبيها بحضور صوفيا لورين أو مارلين مونرو أو ساندرا بولوك، حضورا أيقونيا. هل يرى طاهر، بطريقة ما، أنّ الخلاص في اتّباع النّموذج الجسدي الثّقافي الغربي بعد حذف جسديته المتمثلة في البعد الحسّي؟ ينزه طاهر المرأ ة تنزيها مطلقا، فهي لم ترفض عادلا لأنّه ميكانيكي، بل لأنّها مصابة بمرض خطير. لماذا يريد الرّاوي أن يطهّر النموذج من الشّوائب؟ والرّواية تحفل مع ذلك بوصف ثقافي لجسد يكفّ تدريجيّا عن &#8220;الممارسة&#8221; بما هي فعل وجود إلى القراءة والمشاهدة ووسائل الاتّصال الحديثة، وتمتلكه اللّغة، فلا نجد في رواية الحبّ قبلة واحدة أو ضمّة أو شمّة أو عناق ولا تمخيض ولا إيلاجات طبعا&#8230; ولا شيء، إلا عالم من المتع الصّافية. والحق أن طاهر يمتعنا ويحملنا عاليا وبعيدا في متابعة إغوائيّة لعلاقة استطاعت أن تمنحنا، نحن الآلات المعطوبة الخردة المرمية مع الاسطوانات القديمة والألعاب المكسورة والمصابيح الممنطفئة، أملا في الخلاص آتيا من الفضاء نقيا أبيض.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>تنغلق الرّواية مثلما بدأت بكلمة الغفلة لتدلّ على دائرة مغلقة يحياها الجسد محاطا بالغفلات، منتظرا يد الميكانيكيّ الماهرة التّي تصلح ما خرّبه الزّمان من أموره، لكنّ هذه اليد تبدو للأسف منشغلة بخلاص آخر يأتيها من بعيد فيمدّ أمامها سرير العالم وألوانه المحلّقة بأجنحة الرّغبة، أمّا السرّ فإنّه الحبّ حاضن الحواس ومفجّر الوعي.</strong></p>
<p style="text-align: left;"><span style="color: #800000;"><strong>مجلة قلم رصاص الثقافية</strong></span></p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/9938">قراءة في رواية طاهر الزهراني ميكانيكا الرغبة</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://www.qalamrsas.com/archives/9938/feed</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>ثلاث قصائد</title>
		<link>https://www.qalamrsas.com/archives/7590</link>
					<comments>https://www.qalamrsas.com/archives/7590#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[نصر سامي]]></dc:creator>
		<pubDate>Tue, 05 Mar 2019 11:19:05 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[إبــداع]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://www.qalamrsas.com/?p=7590</guid>

					<description><![CDATA[<p>اعتراف&#8230; يا أخت يا شجيرة البرقوق   أتكبرين، ولست في الجوار، كل يوم؟ أتطرحين في جوار الدّار ذات الغيم؟ أتسمعين الصّبح صوت الأب  يغالب السنين؟  أتسمعين الأم؟   وابنتي.. أتبصرينها هناك؟ ألا تزال مثلما عهدتها صغيرة تطير كالملاك؟ ألا تزال في انتقالها من شرفة لشرفة تسيّر الأفلاك؟ أريد يا شجيرة البرقوق أن أطل على خيال والدي في &#8230;</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/7590">ثلاث قصائد</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: justify;"><span style="color: #ff0000;"><strong>اعتراف&#8230;</strong></span></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>يا أخت يا شجيرة البرقوق   </strong><br />
<strong>أتكبرين، ولست في الجوار، كل يوم؟</strong><br />
<strong>أتطرحين في جوار الدّار ذات الغيم؟</strong><br />
<strong>أتسمعين الصّبح صوت الأب </strong><br />
<strong>يغالب السنين؟ </strong><br />
<strong>أتسمعين الأم؟   </strong><br />
<strong>وابنتي.. أتبصرينها هناك؟</strong><br />
<strong>ألا تزال مثلما عهدتها صغيرة</strong><br />
<strong>تطير كالملاك؟</strong><br />
<strong>ألا تزال في انتقالها من شرفة لشرفة</strong><br />
<strong>تسيّر الأفلاك؟</strong><br />
<strong>أريد يا شجيرة البرقوق أن أطل</strong><br />
<strong>على خيال والدي في الصبح وهو يذرع الطريق</strong><br />
<strong>نحو الجامع البعيد</strong><br />
<strong>أريد أن أراه وهو يطفئ الحريق في دواخلي</strong><br />
<strong>ويطلق البروق</strong><br />
<strong>أريد أن أمتد في سجادة الصلاة </strong><br />
<strong>تحت جسمه </strong><br />
<strong>أريد أن أستصرخ السماء في هدوئه </strong><br />
<strong>أريد يا شجيرة البرقوق أن أطير</strong><br />
<strong>في جواره</strong><br />
<strong>أريد أن أسير</strong><br />
<strong>في ظلاله</strong></p>
<p style="text-align: justify;">********</p>
<p style="text-align: justify;"><strong><span style="color: #ff0000;">ملاك وشيطان&#8230;</span></strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وأنت تكبرين يا شجيرة البرقوق،</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وأنت تحلمين،</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وأنت تفتحين الباب للطّيور كي تنام،</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وأنت تورقين،</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وأنت تصنعين الورد والأحلام،</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ألا تفكّرين بي؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ألا يجيؤك في اللّيل من أصابعي السّلام؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ألا تطلّ من خلال الغيم لي يداك مثل الأمس؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وتعصران خمرة الضّياء لي،</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وترسلان الشّمس؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>يلفّ عمري اليأس</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>يا شجيرة البرقوق</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>تدقّ في العروق ألف فأس،</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ويولد الشّروق</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لا شيء يستحقّ أن يعاش</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>خارج الأوطان</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>قد فاتني أن أصبح الملاك هاهنا،</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>قد فاتني أن أصبح الشّيطان</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وأنت يا شجيرة البرقوق تذكرين</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أتذكرينني بالحقّ يا شجيرة البرقوق؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أم حلّ بي لديك</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ما قد حلّ بالأوطان؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;">**********</p>
<p><span style="color: #ff0000;"><strong>النهر&#8230;</strong></span></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>النّهر يجري دائما، والانتظار يلقي على شجر الحقيقة زهره، هل دار كأس السمّ دورته ليزهر في الحروف، ويطرح الذّكرى هنا والآن؟ ما كان كان، أخذوا القصيدة فدية حتّى لباب الغار. وصار الغار قبرا، كيف للحرف الصّغير العيش وسط النّار؟ ما صار صار، أخذوك نحو الجبّ، لم تفهم لماذا؟ للغار أو للجبّ، الموت يورق هاهنا، ولا قداسة في الجوار.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>.. تأتين دون غيومك البيضاء، دون الطّمي، دون الغار. ولا أراك. الغيمة البيضاء مدّت روحها في أضلعي من قبل، ليس الآن. والطّمي أنبت الشّجر الغريب وملّأ القيعان. والدّكنة العمياء كانت سرّنا المخبوء، أمّا الغار&#8230; فنراه نحن ولا تراه قبائل التتّار.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لا أحياك،</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لا أنمو أمامك مثل أعناب الحقول</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ولا أجري أمامك</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>مثل أرواح الخيول</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ولا تنمو على كتفي هنا في اللّيل غيمات صغيرات</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ولا تأتي إلى جسدي الفصول</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أهذا كلّ ما تعطيه لي عيناك؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>كان لي بالأمس، غابتان فيهما</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وشرفتان</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>بالأمس آه، ليس الآن، ليس الآن</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الآن ها أنا أنوس مطفئا</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أموت ألف مرّة في اليوم</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أغور في القرار، في القرار</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>غاباتك السّوداء لا تثيرني، وطميك القديم، لا يمدّ في بذوري الحياة. الآن لا حياة في الحياة هاهنا، الآن لا ضياء في الضّياء. الآن أنت لست أنت، لست من أواجه الزّمان وصوتها يمدّ في أصابعي الضّياء.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>هل حلّ بي ما حلّ بالأشجار مقطوعة تبكي على تاريخها؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>في الكوب، في المقهى الصّغير، بجانب الميناء، تبرد القهوة.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8230;&#8230;..</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>والحرف&#8230;</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ميت لا يجيب.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8230;&#8230;.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الآن أنهيها القصيدة</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الآن أنتظر الغروب.</strong></p>
<p style="text-align: left;"><span style="color: #800000;"><strong><a style="color: #800000;" href="https://www.qalamrsas.com/">مجلة قلم رصاص الثقافية</a></strong></span></p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/7590">ثلاث قصائد</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://www.qalamrsas.com/archives/7590/feed</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>الوشم..</title>
		<link>https://www.qalamrsas.com/archives/2422</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[نصر سامي]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 09 Oct 2016 21:24:17 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[إبــداع]]></category>
		<guid isPermaLink="false">http://www.qalamrsas.com/?p=2422</guid>

					<description><![CDATA[<p>تصدير: أترون هذا كلّه؟ الحقّ أقول لكم: &#8220;لن يُترك هنا حجر على حجر. بل يهدم كلّه. ومن يثبت إلى النّهاية يخلص&#8221;. الإنجيل قال لي. (صديقي الآن بعيد جدّا. لا أدري أين؟ والإخوة صاروا أكثر بعدا. صار الخوف بلادا). وارتدّ كي يتذكّر الأحباب. &#8220;ماتوا دون أن يرثوا الحقيقة أو يناموا في ظلال الأقحوان. ماتوا دون أن &#8230;</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/2422">الوشم..</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: justify;"><strong>تصدير:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أترون هذا كلّه؟ الحقّ أقول لكم: &#8220;لن يُترك هنا حجر على حجر. بل يهدم كلّه. ومن يثبت إلى النّهاية يخلص&#8221;.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الإنجيل</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>قال لي. (صديقي الآن بعيد جدّا. لا أدري أين؟ والإخوة صاروا أكثر بعدا. صار الخوف بلادا). وارتدّ كي يتذكّر الأحباب. &#8220;ماتوا دون أن يرثوا الحقيقة أو يناموا في ظلال الأقحوان. ماتوا دون أن يمتدّ في أنساغهم ذهب الرّياح وفضّة الطّوفان. ماتوا على عجل، وها أحلامهم تذرى هنا في ليل هذا العالم المفتون بالنّسيان&#8221;.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لم أفهم المعنى تماما. الموت كان شجيرة خضراء تطلع من عروق في جدار اللّيل. والحبّ طلقة رحمة عمياء. أمّا إخوتي، فهمُ همُ، تتغيّر الأثواب، أمّا النّاب فشمس محبّة سوداء.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>السّاعد المعروق كان</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>غيم قطن. واليدان</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>شجيرتين ابيضّتا شيبا.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ما كان غيبا</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ما أرى. آخيل أو هابيل أو قابيل. لا فرق في الأسماءِ، لا فرق في الأسماء. أطعموا الحيّات عشبهُمُ، بقصد، وضخّوا في السّماء السمّ. وها تنمو السّماء، جرارها ملأى بدود الخلد. وها تلقى العصا، فتصير إنسانا، فترمى ساعة الميلاد.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>قال لي: &#8220;لولا ساعة الإنشاد لسقطت من طولي هنا. الكلّ ماتوا. لأيّة حكمة مازلت حيّا يا ترى؟&#8221;.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8220;الموت تفّاح الفقير&#8221;. تقول أمّي وهي تنفض مطرف الصّوف القديم على جدار البيت. &#8220;سرير قطن يا بنيّ&#8221;. وتمدّ مطرفها أمامي فوق منضدة العشاء. &#8220;انظر تر الدّنيا هنا&#8221;. ونظرت. لم أبصر سوى ليل. ونظرت أكثر. لم أر غير الدّوائر والخطوط المبهمة. &#8220;الوشم&#8221;. قالت. &#8220;فيه ضوء يابنيّ، اقرأ الأضواء، اقرأها لتبصر نجمة أو نجمتين. أمّا أنا فلقد رأيت، رأيت نجما ثمّ نجما ثمّ نجما يا بنيّ. لم أفهم المعنى تماما غير أنّ القلب صفّق مثل طير. الوشم ضوء. وأنا وأنت شجيرتان صغيرتان&#8221;. ودقّت على اللّوح المغطّى هكذا بنعومة من دون أن تبكي. لأوّل مرّة تحدّثني عن الموتى ولا تبكي.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لم تنس أمّي صوتها فوق الشّجيرة، أو غيمة الضّوء الممدّد في ثياب البرق. ولم تهمل يديها في السّحاب ولا رؤاها في السّماء. بل التمّت بمطرفها على عجل. ومدّت فوق منضدة العشاء عشاءنا. &#8220;وعشاء موتانا؟&#8221;. يقول أبي. فتجيبه: &#8220;اللّحم كاف، يا عليّ، اللّه يرحمهم جميعا&#8221;.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ألف جبّ غير هذا الجبّ ضمّتني. وآلاف الذّئاب رميت كذبا بقتلي. وقمصاني نجت من ألف حرب قبل هذي الحرب. التّربة العمياء تشهد. إخوتي لم يقتلوني. لم يبيعوا نصف أرضي للغريب ونصف عمري للغريب. بل أجّروها دونما ثمن. وزادوا عرضهم. لم يقتلوني. علّقوا إسمي على الحيطان ليكون إسم ما ملاكا ربّما أو ليقال كان فلان غصنا في شجيرة أصلنا. قمصان سامي كلّها حمراء. لا، لم يقتلوني. قالوا قتلت. وما قتلت. وما تهادتني الذّئاب. التّربة العمياء تشهد. إخوتي لم يقتلوني.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8220;هذا العام كشجيرة البرقوق موت كلّه. يداه ناعمتان جدّا. موت بريء مثل غيم. واليدان أرجوحتان&#8221;. قال لي ونحن نسلك درب بيت الأهل. وأضاف مكتئبا: &#8220;ليس الدّم المسفوح إلاّ فكرة في أرض يوسف، فكرة عمياء. الموت يحتضن الأراضي هاهنا، والدّود يحتضن الهواء. في كلّ درب جثّة، بل جثّتان، لا عدّ في الظّلماء. لا عدّ في الظّلماء. أضيفي نجمة أخرى هنا، يا أمّ، فالموت يحتضن السّماء&#8221;.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>.. وفاجأنا مرور الوقت. صرنا الآن أقرب. لم يعد في اللّيل ما يكفي لنقول للنّجمات مدّي حبل ضوئك في الدّجى. الموت رمل في صحاري الخوف. والحبّ سيف نازف. أمّا هُمُ فما جاؤوا لإكمال بل لإبطال. &#8220;إبطال ماذا يا ترى؟&#8221;. صرخ الأهالي عند منحدر الطّريق. &#8220;إبطال ماذا؟&#8221;. فأجابهم ويداه تنسلاّن من صوف الحياة، صوف خرافها العمياء وتحملان الفأس: &#8220;يبست تماما. لم تعد تعطي ثمارا هذه الأشجار. هذه العمياء والعرجاء والبكماء والبرصاء لا أضواء فيها. سوف أقطعها. وأرميها لنار ستجيء&#8221;.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>صرنا الآن أقرب. لم يعد في اللّيل ما يكفي لنبذر نجمة أو نجمتين على طريق الأهل. والوقت طير خرافة سوداء. أمّا ما يخلّفه اللّقاء فأحرف خرساء لا تكفي لتملأ ثدي شجيرة بالضّوء.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8220;سأسير وحدي&#8221;. قال لي. &#8220;أمّا أنت فأمّ في انتظارك يا صديقي وأب وإخوة تشتاق فيهم صوتك المزروع غصبا في الهواء&#8221;.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وانسللت كنجمة وحدي. لم أسلّم. لم أقل لا أو نعم. لم أحاول فهم ما يجري. لمست قصيدة محروقة في باطني بأصابعي. فنما الرّماد. ولم أر العنقاء فيه. صرخت في رعب: &#8220;لماذا؟ لماذا لم أمت في الجبّ وحدي يا ترى؟ لماذا لم تصب لحمي الذّئاب؟ لماذا إخوتي لم يقتلوني كي يناموا في تراثي؟ لماذا الموت لا يرمي بجحيمه الموعود قلبي كي أرى؟&#8221;.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8220;الموت ملء اللّيل&#8221;. خاطبني أبي. أمّا أمّي فها تفرّق في السّحاب ضياءها.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أجمل ما تفعله أمّي في العادة إطلاق خيول البرق بليل العالم حين تطلّ. مشيتها ليست غير سحاب مرّ ولم يترك إلاّ الصّوت المفتوح على الجنّات، الصّوت الآتي من الأصقاع الأعمق في تاريخ الأبديّات، الصّوت المنذور لقرآن الحبّ وهرطقة الصّبوات، الصّوت النّائي مثل سماء مرهقة بالسمّ ورائحة الأموات.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وأمّي لا تهتمّ سوى بطيور السّاحة وهي تنقّط حبّات القمح. أمّا اليوم فتبدو أجمل من ذي قبل وأحلى آلاف المرّات. تبدو مثل بحيرات الضّوء. أصابعها بدء أبديّ لحياة ما. وقامتها تتسربل بالهاءات وبالفاءات وبالميمات. أتلمّس عشتار بمطرفها الصوفي الأبيض. وأواصل تحليل الأبيات.</strong></p>
<ul style="text-align: justify;">
<li><strong>&#8211; اقرأ أنت؟</strong></li>
<li><strong>&#8211; تجوب الدّهر نحوك والفيافي<a href="#_ftn1" name="_ftnref1">[1]</a>.</strong></li>
<li><strong>&#8211; ماذا يقصد؟</strong></li>
<li><strong>&#8211; يلخّص تغريبات النّاس ويستنهضهم.</strong></li>
<li><strong>&#8211; يبكي وطنا ضاع.</strong></li>
<li><strong>&#8211; يصبّ مضامين جديدة في ماعون صدئ.</strong></li>
<li><strong>&#8211; ينادي الرّسم لو ملك الجواب<a href="#_ftn2" name="_ftnref2">[2]</a>.</strong></li>
</ul>
<p style="text-align: justify;"><strong>ولا تتكلّم أمّي. بل تتسقّط أخبار عصافير السّاحة وهي تنقّط حبّات القمح.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>قلت لأمّي: &#8220;مثلك أنهض من تحت الأنقاض. وأرمي بعروق الضّوء وراء اللّيل. أتعلّم منك سياسة جعل النصّ فضاء للأيّام وعشّا لعصافير الشّرق النّاهض والهارب من غيلان اللّيل. أتعلّم منك الإيقاعات الحبلى بالشّوق وبالتّحنان. أتعلم منك الجملة، تلك العذراء المرضع، تلك العنقاء العبدة، تلك المسقوفة بقرون الملك المرفوع بأسياف القتلة&#8221;.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أقول. ولا تتكلّم أمّي. تعرف أنّ كلام اللّيل مليء بغبار الوقت، وأنّ الصّوت خريف مسقوف بالوهم.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>.. أجمل ما تفعله أمّي في العادة أن تذهب دون كلام، أن تتظاهر بالضّوء وتخفي عاصفة اللّيل وصحراء الأوهام، أن تتذكّر عصفورا في السّاحة لم يشرب مثلا أو سرب حمام دون سماء أو قطّا أعرج كانت بنت الجيران سلاف تعابثه قبل إصابته أو نجما مرميّا دون شموع أو حطب أو أيّ ضرام.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لم تتغيّر أبدا. تعرف أنّ نهارا دون يديها قبر مسموم. فتسلّي النّفس بإطلاق نجوم الألفة في ليل الخوف. وتعرف أنّ سماء دون أصابعها سماء عمياء تماما وتاريخ ملغوم. فتغنّي باكية من أجل سماء أخرى أقرب من تلك وأبقى.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ننسى أحيانا أنّ لأمّي صوتا</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ونسمعه في الأضواء.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ننسى أنّ لأمّي جسدا</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ونلمسه في الأفعال وفي الأسماء.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ننسى أنّ لأمّي بيتا</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ونبصره ملء العين وملء الفمّ</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ونشتمّ روائحه في لحظات الهمّ وفي ليل الإعياء.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>صديقي الآن بعيد جدّا. لا أدري أين؟ والإخوة صاروا أكثر بعدا. صار الخوف بلادا. الحبّ وجود أعمى وكسيح. والضّوء ضريح. والأحرف صلبان عرجاء تتدلّى في عمق اللّيل وتسحق في مطحنة الرّيح.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong> أمّا أمّي فبداية&#8230;</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>هوامش:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong><a href="#_ftnref1" name="_ftn1"></a> [1]  سطر شعري لأحمد شوقي</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong><a href="#_ftnref2" name="_ftn2">[2]</a>   نفسه.</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong><span style="color: #800000;">مجلة قلم رصاص الثقافية</span></strong></p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/2422">الوشم..</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>البراق..</title>
		<link>https://www.qalamrsas.com/archives/1463</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[نصر سامي]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 25 Jul 2016 11:40:22 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[إبــداع]]></category>
		<guid isPermaLink="false">http://www.qalamrsas.com/?p=1463</guid>

					<description><![CDATA[<p>على سبيل التقديم: يقف محمّد البوعزيزي أمام مبنى الولاية. يتخيّل للحظة وهو يقف تحت الشّمس أمام عربته أنّ له حصانا. يفرك عينيه. يتأكّد أنّ الحصان أمامه حقّا. فيخاطبه قائلا: القصيدة: اللّعبة اكتملت. أعدني يا حصاني للشّعوب لكي أرتّب أولويّاتي مع الغيمات والسّمرات وأحجار الطّريق وردّني لطفولتي. أتأمّل الغدران وألقط الزّيتون خلف الطّير. يضيع نجم كلّ &#8230;</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/1463">البراق..</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: justify;"><strong>على سبيل التقديم:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>يقف محمّد البوعزيزي أمام مبنى الولاية. يتخيّل للحظة وهو يقف تحت الشّمس أمام عربته أنّ له حصانا. يفرك عينيه. يتأكّد أنّ الحصان أمامه حقّا. فيخاطبه قائلا:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><span style="color: #000080;"><strong>القصيدة:</strong></span></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>اللّعبة اكتملت. أعدني يا حصاني للشّعوب لكي أرتّب أولويّاتي مع الغيمات والسّمرات وأحجار الطّريق وردّني لطفولتي. أتأمّل الغدران وألقط الزّيتون خلف الطّير. يضيع نجم كلّ ثانية هنا ويموت برق. كيف لي أن أفهم الطّاغوت أنّ الوقت فات؟ وكيف لي أن أقنع الظّلمات أنّ الخوف مات ولن يعود.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>خذني بعيدا حيث كنت إلى حروفي دون ضوضاء. أبادل نجمتي برسالة أو قبلة وأمدّ ضوئي في الظّلام بجملة وأقول كن للياسمينة وهي تنبت وحدها وتهزّ غيمتها الطّريّة نحو شرفتها لتدفع في دمي أسرارها وأقول كن لقماشة الأضواء فيّ فتهرع الكلمات من عتماتها لتعدّ لي سكنا هنا. خذني بعيدا كي أرى شجري الذّي كسروه ينبت مرّة أخرى هنا. يسقيه من دمه الشّهيد.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ما من بعيد هاهنا. ما من بعيد. الضّوء يشرب مثل كوب الماء والحلم مثل الضّوء يولد ثمّ يخبو ثمّ يجري مثل طفل في الضّواحي نفسها والعدل مثل زهيرة البرقوق يولد فكرة ويسير بين النّاس. كالرّؤيا نصير بلحظة ملاّك هذا الضّوء. نصير أحرارا. نقول لغيرنا من كائنات الأرض كونوا مثلنا. كونوا.. فيكون في العدم الوجود.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>خذني بعيدا كي أرى جسدي قبيل فراقنا الأبديّ. تعلم قبل ليل الحرق مأساتي. أبادلك الشّقاء ونحن نرسم بسمة عمياء في ظلمائنا. تتذكّر الأبيات حقّا يا حصاني كلّها. لو كنت تدري ما المحاورة اشتكيت إليك همّا ليس أثقله دموع أخيّتي وأخيّتي الأخرى وأمّ لم أكن برّا بها من قبل إلاّ بالوعود.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>هيّا لنمض نحو نفس السّوق نقترض الخضار بلا نقود مرّة أخرى معا. وغدا إذا بعنا نسدّد أجر ما جلنا به الحارات. ندفعه على عرباتنا غصبا بلا ترخيص من بلديّة جارت. غدا نعطي لأعوان التّراتيب المخطّط كي يمدّوا في الضّلوع فسادهم وليقتلوني إن أرادوا. إنّ في قتلي بدايات الوجود.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>تفتكّ لي الميزان. تفتكّ ميزاني نعم؟ وتقول لي للمرّة العشرين إنّي مخطئ في حقّ جمهوريّة لم تعطني حقّا سوى الجولان دون نتيجة خلف الرّدى. أمضي وبي خجل وقد نزعته منّي قسوة الأعوان. &#8220;زن بردفيها خضارك يا محمّد&#8221;. أقول في سرّي وأمضي. ليس يسمعني سوى فجر إنسانيتي وهو يرزح تحت نير العجز والأعطاب. &#8220;زن خضارك هكذا بيديك وفكّر بميزان جديد&#8221;.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أنا أيضا أريد مثل غيري أن أرى أمّي بخير وأزوّج الأخوات. تلك رغبتي البسيطة. لا أفتّش عن سماء كي أفرّق بين ساقيها زؤان وجيعتي. لا أرتّب موعدا للطّير كي يندسّ وسط فجيعتي ويوزّع الأشلاء. لا أفكّر في مسوخ أفسدت وجه السّماء وعطّلت سفن الغيوم. تلك مشكلة ربّما فكّرت فيها حين تشرق في جحيم حقيقتي أنشودة لم أستطع كتمانها. أنا أيضا أريد مثل غيري أن أمدّد فكرتي في الضّوء لكنّي وحيد.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>سوف تصعد من رمادي الشّمس. أومن بالقصيدة. ليس بالجلاّد. وأعمل. لا أطالب بالحياد ولا أسابق مثل غيري طواحين الرّياح ولا الرّياح مثل آلاف الجياد. حاولت. تلك حقيقتي. صعّرت خدّي بل ضربت وما هزمت. هزمتهم بحقيقتي. أضأت ليلهم بلحمي. لم تكن نار إبراهيم بردا. لم تزل عنّي سوى جسدي. وها أحدّق من رمادي في البعيد.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أحدّق يا حصاني في البعيد وأحتمي بغيومه. تلك معجزتي الأخيرة. أتفهم يا حصاني؟ لست موسى لأسير فوق الماء ولا عيسى لأمدّ روحا في العصا. أنا في غد طير. روائح جنّتي تمتدّ في الأرجاء وفكرتي كفني ولي في هذه الأرض الصّغيرة موطئ. قبر نعم سيصير بعد الموت نهر محبّة ولي أمّ تمدّدني متى شاءت على قطن المياه ولي رفاق لم يموتوا بعد يرونني ضوءا وأحسدهم على أضوائهم. أنا في غد طير نعم وأجنحتي القصيد.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لو أنّ لي حبّا تراني كنت أدفع للحريق حقيقتي؟ قد متّ مرّات ولم أحرق. قميصي عاد من خمسين حربا سالما. لا عشب خلد كي أفرّق في الحقول مشاعري للطّير. لا بردي لأكتب تحت ظلّ قصيدتي قدري. أنا حرف صغير في جداريات هذا الوقت. حرف صغير لا يكاد يرى لكنّه يؤوي حضارات الدّنى. أنا في غد طير. أطير ولا يراني الطّير. أضيء ولا يراني الضّوء. أطلّ على الذّرى وغيوم أسطوريّتي تهمي عليّ بمائها وضيائها. أنسى نعم بعض الذّي أوتيت لكنّني أتذكّر الإنسان يخرج من يديّ إلى الوجود.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>اللّعبة اكتملت وصار الضّوء لي. صرت برقا يا حصاني وصار نهر تأمّلي يجري ويجري دون منع. صرت أسرع يا حصاني منك في لجم الزّمان وصار لي أن أوقظ الأيّام من إغفائها الأبديّ. أعيد للكلمات سحرا كان فيها ولأمّي بسمة كانت لها ولعمري قوّة الإعصار كي يختار حاضره. هل عشت حقّا قبل موتي؟ هل كان لي صوت تطلّ أسطره من الظّلمات؟ هل قلت حقّا ما يضيء الكون قبل قيامتي؟ أنا ضلع هذا الكون، ضلعه المعوجّ. لا حوّاء. مدّتني يد عمياء من أعماقها لتعدّني بشرا. يد عمياء مدّتني على طين الغوايات. مدّتني بعيدا. شممت حقّا كلّ شيء. لم يضمّخ باطني بالشّهوات. ظللت محروما. تمضي أمامي ممكنات الكون. فاتنة تمرّ ولا تمدّ لي اليد. اليوم لا لكن غدا. يمرّ حولي كلّ شيء وأنا أشدّ يد الصّدى عبثا وأفترش الرّدى.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>رؤياي أكبر من حقيقتي البسيطة. لم أعد بشرا. دعوني هاهنا أرنو إلى جسدي العظيم. أستعيد اللّحم والأعصاب والجلد المشقّق والغيوم وأستعيد اللّيل نفس اللّيل بسواده ووعيد سجّانيه. أحنّ حقّا هاهنا للسّوق لفادية التّي افتكّت الميزان منّي ذات يوم، لسائقي العربات، لبنت ربّما فكّرت فيها كي تشاركني سماء دون أرض. متّ حقّا كي أرى صوتي يمهّد الثّورات للأحياء وها أطلّ لكي أرى.. ستعود فادية لنفس السّوق أقوى. هي التّي صفعت مرارا لا أنا. هي التّي حرقت مرارا لا أنا. هي التّي افتكّت بضاعتها مرارا لا أنا. هي زبدة النّظم التّي تهتمّ بالإنسان. أمّا أنا فجحيم هذا الكون. بوجهي صفعت كفّيها. نعم، أزعجتها بصداقتي للطّير. آلمتها بحفنة الغيم التّي خبّأتها للغد في جيب سروالي. مسمار النّظام المعدنيّ بلحمنا باق والآلة العمياء تفتح في ضمائرنا دوائر رحمة بيضاء واللّيل نفس اللّيل يدفن مرّة أخرى هنا ويعود.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>صرت ضوءا. لم أقل شيئا لأرمى مثل آدم بالخطيئة بل رنوت نحو ضوء الشّمس حرّا. لم ألم أحدا. حرمتهم من رؤيتي وفتحت أعينهم على حجم الحقيقة. أنا لم أمت. فالسّواد هو الحقيقة كلّها حيث لا عنقاء تخترق العوائد لا رؤى تهتزّ لا شجر تراكس فوق أضلعه الطّيور. لا شيء لي. لكن معي جسدي. معي بدايات الوجود.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>اللّعبة اكتملت. وداعا يا حصان الخوف. وداعا يا حصاني. أسريت بي لقصيدة أخرى وعمق آخر. رأيت صوتي في عيون النّاس. رأيته بيتا لثوّار وأنغاما لأطيار. لست أفهم يا حصاني كيف صار الحرف أروع في عيون النّاس؟ أسرينا معا أنا وأنت إلى السّماء. علوت بي فعلوت حتّى لم تعد لتشدّني للأرض أمراس. لمست ظهري فوجدت أجنحتي تطول. أسريت بي وعلوت فوق علوت بي فرأيت خلفي الضّوء يصعد ثمّ يصعد نحونا. أنّى نظرت وجدت ضوءا تونسيّا يا حصاني خلفنا. أنّى نظرت تراه في بردى وفي السّودان وفي الجزائر والكويت وفي عمّان وفي ليبيا وفي دول الخليج.. أنّى نظرت وجدت ضوءا تونسيّا في المدى ولمست ينبوع الخلود.</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong><span style="color: #800000;">مجلة قلم رصاص الثقافية</span></strong></p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/1463">البراق..</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>قديس الألفاظ</title>
		<link>https://www.qalamrsas.com/archives/1147</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[نصر سامي]]></dc:creator>
		<pubDate>Mon, 27 Jun 2016 15:54:32 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[إبــداع]]></category>
		<guid isPermaLink="false">http://www.qalamrsas.com/?p=1147</guid>

					<description><![CDATA[<p>&#8220;أين تذهب؟&#8221; قلت له، فأجابني. &#8220;نحو ليل لا يراه الآخرون. نحو أفق ليس تعرفه العيون. إنّني أمضي إلى لغة ليس يعرفها جميع النّاس. نحو أرض ماؤها ماء ولكن ليس يشربه العطاش. بيتي هناك الريح. والغيم عمري! أنّى ذهبت تغيّرت هذي الدّنى. وأضيء دهري. غير أنّي تعب. كلماتي من حديد. والمعاني ذهب. وفؤادي من رماد. والأغاني &#8230;</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/1147">قديس الألفاظ</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p><strong>&#8220;أين تذهب؟&#8221;</strong></p>
<p><strong>قلت له، فأجابني.</strong></p>
<p><strong>&#8220;نحو ليل لا يراه الآخرون.</strong></p>
<p><strong>نحو أفق ليس تعرفه العيون.</strong></p>
<p><strong>إنّني أمضي إلى لغة ليس يعرفها جميع النّاس.</strong></p>
<p><strong>نحو أرض ماؤها ماء ولكن ليس يشربه العطاش.</strong></p>
<p><strong>بيتي هناك الريح.</strong></p>
<p><strong>والغيم عمري!</strong></p>
<p><strong>أنّى ذهبت تغيّرت هذي الدّنى.</strong></p>
<p><strong>وأضيء دهري.</strong></p>
<p><strong>غير أنّي تعب.</strong></p>
<p><strong>كلماتي من حديد.</strong></p>
<p><strong>والمعاني ذهب.</strong></p>
<p><strong>وفؤادي من رماد.</strong></p>
<p><strong>والأغاني لهب!&#8221;</strong></p>
<p><strong>وتوارى في ظلام الليل.</strong></p>
<p><strong>كنت أرجو أن أعدّ له الخيول لكي يطير.</strong></p>
<p><strong>لكنّه في سيره أعطى جناحا لي.</strong></p>
<p><strong>وعلّمني المسير.</strong></p>
<p><strong>وأعطى جناحا للطيور وللفراشات الصغيرة والكراكي كي تطير.</strong></p>
<p><strong>هو واقع لكنّ ريحي لا تحرّك ثوبه المملوء بالغابات.</strong></p>
<p><strong>هو واقع لكنّ قلبا واحدا لن يستطيع الآن شدّ المطلقات.</strong></p>
<p><strong>هو واقع لكنّ شيئا فيه للأزل، شيئا فيه للغابات والمثل، شيئا فيه لا ندريه، لكنّنا نعطيه نار الروح والأجل.</strong></p>
<p><strong>هو في دواخلنا.</strong></p>
<p><strong>قدّيس ألفاظ.</strong></p>
<p><strong>وجميعنا يحيا بلا لغة!</strong></p>
<p><strong>هو هكذا.</strong></p>
<p><strong>فردوسه النّار.</strong></p>
<p><strong>مزاراته الانطفاء العظيم، وآثاره الاندثار.</strong></p>
<p><strong>ويعرج نحو السماء.</strong></p>
<p><strong>يفتح فيها شبابيك من حجر،</strong></p>
<p><strong>وموانئ من صندل أو هواء.</strong></p>
<p><strong>ويرسل فيها النجوم قوارب في مملكات السحب.</strong></p>
<p><strong>وهناك يشدّ الدّنى بالخيوط.</strong></p>
<p><strong>ويرعى قطيع الكواكب قرب سهول الشّهب.</strong></p>
<p><strong>ولكنّه في المساء، بعد عود القطيع إلى بيته،</strong></p>
<p><strong>يحتفي وحده بالظّلام.</strong></p>
<p><strong>ويرسل أسراره..</strong></p>
<p><strong>في بدايته كان شمسا.</strong></p>
<p><strong>كانت أشعّته تبلّل جلد البهاء،</strong></p>
<p><strong>وأجساد</strong></p>
<p><strong>تلك</strong></p>
<p><strong>النفوس الصّغيرة، تلك التّي كالنبوءة، ألقت على جسد الأرض أسرارها والفوانيس. الهداهد أعطته ضوءا قصيرا وسلّت عروق السماء متّسعا في السّماء، ومدّت سمانى وزوج كراكي وبعض غرانيق أطرافها لتستقطر الضّوء في جسده. والخطى ذاتها تمنّته جسما لها والعتيبات ألقت إلى قدميه الزّهور ليصعد نحو الصّفاء النّهائي.</strong></p>
<p><strong>كان مفتونا بتأويل المجرّد.</strong></p>
<p><strong>رمى تفّاحة</strong></p>
<p><strong>فتساقط اللؤلؤ على أطرافه،</strong></p>
<p><strong>ونما على الجسد الممدّد في تراب الأرض.</strong></p>
<p><strong>&#8220;إنّي رسول الليل للغابات&#8221;. قال لي.</strong></p>
<p><strong>&#8220;لكنّ زهري غامض، وجميع أمري غامض&#8221;.</strong></p>
<p><strong>&#8220;حتّى عليك؟&#8221; سألته. فأجابني. &#8220;حتّى عليّ!&#8221;. ثمّ أردف. &#8220;كنت شمسا، بيدي مفتاح هذي الأرض، بيدي مفتاحها، لكنّ ضوئي كان أصلب من ضياء الشمس وأقوى من سناها&#8221;. &#8220;ضوآن في جسدي&#8221; صرخت.</strong></p>
<p><strong>&#8220;قلت، يا الله، خذني. </strong></p>
<p><strong>أطفئ الأضواء، يا الله، أطفئني لأحيا.</strong></p>
<p><strong>غير أنّ الله لم يفعل!</strong></p>
<p><strong>وغيّبني عن الدّنيا، </strong></p>
<p><strong>وغيّب الضّوئين في جسدي، </strong></p>
<p><strong>وأعطاني مفاتيح السّماء.</strong></p>
<p><strong>وها أنا،</strong></p>
<p><strong>عاجز عن فتح نفسي،</strong></p>
<p><strong>وفي ثيابي مفاتيح الأراضي ومفاتيح السّماء&#8221;.</strong></p>
<p><strong>ضوآن في جسد!</strong></p>
<p><strong>ويحيا مظلما.</strong></p>
<p><strong>لكنّه يبني بيوتا للأبد.</strong></p>
<p><strong>يبني بيوتا للمدى الممتدّ حتّى آخر الكلمات.</strong></p>
<p><strong>ضوآن في جسد.</strong></p>
<p><strong>ويمشي مطفئا مستأنسا بالذكريات. قال لي.</strong></p>
<p><strong>&#8220;عذرا لأنّي غامض!&#8221;.</strong></p>
<p><strong>قالها في لحظة ثمّ انصرف.</strong></p>
<p><strong>نحو ليل لم أره!</strong></p>
<p><strong>ضوء خرافيّ أتاني، وأنا أٍرنو إلى غيماته.</strong></p>
<p><strong> وإيقاعي انخطف</strong></p>
<p><strong>ورأيت نفسي في المتاه.</strong></p>
<p><strong>أبادل الليل الكلام.</strong></p>
<p><strong>أدعوه نحو حدائقي،</strong></p>
<p><strong>حيث التألّق والغرام.</strong></p>
<p><strong>وحيث تحيا مفردات في الحروب ومفردات في السّلام!</strong></p>
<p><strong>ومنذ عام لم أره.</strong></p>
<p><strong>صاغ لي وهمي بلادا عشت فيها وكتبت.</strong></p>
<p><strong>قلت للدّنيا اطمئنّي سوف أحياك بصمت.</strong></p>
<p><strong>سوف أنساه.</strong></p>
<p><strong>وأنسى كلّ صوت.</strong></p>
<p><strong>غير أنّي أنسقت في الليل إليه!</strong></p>
<p><strong>ساقني شوقي وساقتني عذاباتي إليه.</strong></p>
<p><strong>صار أعمى.</strong></p>
<p><strong>فاض عنه الضّوء.</strong></p>
<p><strong>فاض النّور.</strong></p>
<p><strong>فاضت عنه كلّ المطلقات.</strong></p>
<p><strong>لم يعد يحتاج عينين ولا لغة.</strong></p>
<p><strong>صار يكفيه الوقوف قرب ليل الكائنات.</strong></p>
<p><strong>صار أعمى مثل كلّ الكلمات.</strong></p>
<p><strong>صار</strong></p>
<p><strong> أعمى</strong></p>
<p><strong> مثل</strong></p>
<p><strong>كلّ</strong></p>
<p><strong> الكلمات.</strong></p>
<p style="text-align: left;"><span style="color: #800000;"><strong>مجلة قلم رصاص الثقافية</strong></span></p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/1147">قديس الألفاظ</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
		<item>
		<title>قبضة عشب من أجل ياسمين</title>
		<link>https://www.qalamrsas.com/archives/950</link>
		
		<dc:creator><![CDATA[نصر سامي]]></dc:creator>
		<pubDate>Sat, 04 Jun 2016 12:47:52 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[إبــداع]]></category>
		<guid isPermaLink="false">http://www.qalamrsas.com/?p=950</guid>

					<description><![CDATA[<p>أريد أن تدلّني على محطّة القطار. محطّة القطار؟ نعم محطّة القطار. أسير باتّجاهها إن كنت ترغبين. وسرت دون أن أنتظر الجواب. كمنجتي تهدهد الغيوم وحدها، وتغزل السّحاب. وأحرفي تمدّ كلّ ريشها لتستطيع فجأة القفز من حوائط السّراب. وياسمين ترتق الشّوارع بكعبها الدّقيق. تلمّ حولها النّجوم والطّيور والبريق. وتحضن الأيّام. والنّاس يسرعون يسرعون يسرعون. ما الاسم؟ &#8230;</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/950">قبضة عشب من أجل ياسمين</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<ul>
<li><strong>أريد أن تدلّني على محطّة القطار.</strong></li>
<li><strong>محطّة القطار؟</strong></li>
<li><strong>نعم محطّة القطار.</strong></li>
<li><strong>أسير باتّجاهها إن كنت ترغبين.</strong></li>
</ul>
<p><strong>وسرت دون أن أنتظر الجواب. كمنجتي تهدهد الغيوم وحدها، وتغزل السّحاب. وأحرفي تمدّ كلّ ريشها لتستطيع فجأة القفز من حوائط السّراب. وياسمين ترتق الشّوارع بكعبها الدّقيق. تلمّ حولها النّجوم والطّيور والبريق. وتحضن الأيّام. والنّاس يسرعون يسرعون يسرعون.</strong></p>
<ul>
<li><strong>ما الاسم؟</strong></li>
<li><strong>ياسمين.</strong></li>
</ul>
<p><strong>ولم أفق من صوتها في صمت هذا الشّارع المبتلّ. أصابعي تحوّلت إلى طيور بومزيون، وحلّقت أمامها. لم أكترث في الشّارع المبتلّ مثل مسلخ بالنّاس. يد السّواد في دمي، وغيمة الفسفور والنّحاس. والنّاس يسرعون يسرعون يسرعون. أقدامهم من حجر، والسمّ في العيون. واللّيل يستطيل مثل رحلة عمياء في سحائب المنون. وشارع الحبيب، سماؤه مسقوفة بالجمر، وأرضه بالخمر، وما بينهما مدائح السّقوط والجنون.</strong></p>
<p><strong>لم أكترث بالنّاس. سقطت فجأة هنا، كنقطة في النّون. والنّاس في بلادنا ينسون ما يكون، ما كان أو يكون، يسرعون دون غاية. كشمعة عمياء ينتهون.</strong></p>
<p><strong>لم أستطع ونحن سائران أن أملأ المكان بغير ما أراه من حطام. لم أستطع أن أرتق الأيّام بكلّ هذا الخوف والجنون والظّلام. لم أستطع أن أوقف الزّمان لساعة أو لحظة.</strong></p>
<p><strong>لو كان بالإمكان</strong></p>
<p><strong>أوقفت يا صديقتي الزّمان.</strong></p>
<p><strong>لو كان بالإمكان</strong></p>
<p><strong>جعلت هذا الشّارع المسكون بالنّسيان</strong></p>
<p><strong>قصيدة تحرّر الإنسان.</strong></p>
<p><strong>لو كان بالإمكان</strong></p>
<p><strong>جعلتك حمامة،</strong></p>
<p><strong>وصرت غيمة الزؤان.</strong></p>
<p><strong>وياسمين لا تقول أيّ شيء. تمدّ صدرها للضّوء، منذ البدء. تريد أن تسقّف السّماء بالحقول. تريد أن تغربل الضّياء. حدّثتها ونحن في الطّريق. بالأمس كنت مثلك. والآن صرت كالزّيتونة العجوز. لا زيت، لا أوراق، لا حبّات، لا رموز. لا حبّ، لا صديق، لا شيء غير اللّيل في محرابه العميق، تمتدّ ألف نجمة سوداء وألف مركب غريق. بالأمس كنت أنهض العنقاء من رقادها. والآن لا عنقاء في الرّماد، لا بريق. بالأمس كنت في قوارب الورق أحمّل الزّمان والمكان وأفتح الطّرق. والآن كم يتعبني الرنوّ للشّفق.</strong></p>
<p><strong>وياسمين لا تقول أيّ شيء. تريد أن تطير، أن تطير، أن تطير. تريد أن تسقّف السّماء بشعرها المنثور في قصيدة موزونة. تريد أن تستبدل الغبار والفسفور والإسفلت والغمامة السّوداء بماء روحها. وبالعينين تريد أن تستبدل المصير.</strong></p>
<p><strong>حين مررنا قرب الصّنم الواقف كالفزّاعة أبصرنا حجرا في أفئدة النّاس وسمّا يتقاطر، حجرا أسود يتململ مسموما ويلتمّ على أسدية من قار وصديد، وحجرا آخر أثقل يتمثّل شكل الصّنم الواقف.</strong></p>
<p><strong>-&#8220;أفكّر في أمر&#8221;. قلت لها: &#8220;يجعلنا أكثر إحساسا بالوقت. يجعل هذا الشّجر الواقف كالفزّاعة غيما تتطاير فيه عصافير الموت. أفكّر في برق يفتّت هذا الحجر المرصوف على أفئدة النّاس ويشعل ضوء البيت. لكنّي أعمى مثل جميع النّاس. كأسي ممتلئ بالسمّ، وقلبي ممتلئ باليأس&#8221;.</strong></p>
<p><strong>-&#8220;أرغب أن تحملني&#8221;. قالت: &#8220;نحو مكان ينبض بالحبّ. قلبي صدئ جدّا. من لي بصباح كالإسفنج يمسّح منّي القلب؟ من لي برماد أتململ فيه وأخرج أجمل من ذي قبل وأحلى؟ من لي بسماء تملأ روحي أملا؟ من لي ليصبّ الغيب بأوردتي أنهارا أعلى؟&#8221;.</strong></p>
<p><strong>.. وسرنا نحو المقهى، مقهى باريس المعروف، طلبنا شايا وقارورة ماء غازيّ. وجلسنا قبالة بعض. كنّا نعرف أنّ السّاعة سوف تمرّ سريعا. فلم نهتمّ بنبض الأرض الواقف تحت القدمين، ولا بعروق الأرض المرميّة تحت سياط الشّمس.</strong></p>
<p><strong>&#8220;سأسافر بعد قليل&#8221;. قالت: &#8220;لكن، جسدي يتجمّد تدريجيّا. يصبح حجرا. وشعري يتمدّد كالأشواك ويثقب عنقي. ووجهي يتمهّد كي ينمو فيه الخوف. اخرجني من هذا القبر. مرّر لي قبضة عشب كي أخلد أو لوحا كي أطفو فوق مياه الغمر&#8221;.</strong></p>
<p><strong>-&#8220;أجمل ما تفعله امرأة في هذا الشّارع أن تتوقّف كي يسرق منها النّاس النّار. هيّا نذهب يا سيّدتي. فقطارك سوف يمرّ الآن&#8221;. قلت لها: &#8220;لن نتبادل أرقام الهاتف&#8221;. &#8220;قد نتقابل بالصّدفة يوما ما. ما أبهى ما تأتيه الصّدفة في بعض الأحيان&#8221;.</strong></p>
<p><strong> الآن لا رفيق لي في شارع الحبيب. الطّير صار قطعة من الجليد، لا يهزّها الضّجيج. والعشّ صار بيت ميّتين. والنّاس كلّ النّاس يسرعون يسرعون يسرعون&#8230;</strong></p>
<p style="text-align: left;"><strong><span style="color: #800000;">مجلة قلم رصاص الثقافية</span></strong></p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/950">قبضة عشب من أجل ياسمين</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>
