<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>نصر سامي &#8211; مجلة قلم رصاص الثقافية</title>
	<atom:link href="https://www.qalamrsas.com/archives/tag/%D9%86%D8%B5%D8%B1-%D8%B3%D8%A7%D9%85%D9%8A/feed" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://www.qalamrsas.com</link>
	<description>رهان أخير على دور الفكر الحر والمسؤول في إعادة بناء الوعي واستعادة منظومة القيم، &#34;على قلم وساق&#34; من أجل ثقافة هدفها الإنسان.</description>
	<lastBuildDate>Wed, 23 Jul 2025 23:43:59 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=5.4.18</generator>

<image>
	<url>https://www.qalamrsas.com/wp-content/uploads/2022/03/cropped-لوغو-قلم-رصاص-اذار-2022-1-2-32x32.png</url>
	<title>نصر سامي &#8211; مجلة قلم رصاص الثقافية</title>
	<link>https://www.qalamrsas.com</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>رواية &#8220;برلتراس&#8221; لـ نصر سامي حدثٌ جماليٌّ في عالم تراجيدي</title>
		<link>https://www.qalamrsas.com/archives/10931</link>
					<comments>https://www.qalamrsas.com/archives/10931#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[أسامة حمري]]></dc:creator>
		<pubDate>Wed, 23 Jul 2025 23:41:35 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[رصاص خشن]]></category>
		<category><![CDATA[الرئيسية]]></category>
		<category><![CDATA[تونس]]></category>
		<category><![CDATA[نصر سامي]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://www.qalamrsas.com/?p=10931</guid>

					<description><![CDATA[<p>فاصلٌ شخصيّ وذاكرةٌ تحبّ التَبعثر: حَطّت يدي على الصفحة التاسعة من رواية&#8221; برلتراس&#8221;، فعثرتُ على هذه الجمل الشعرية الجميلةِ: &#8221; لا يتقن أمجد إلاّ زرع الشّجر المسافر، يربّيه في سنوات، ويسقيه بعرقه ودمه، ولكنّ الشّجر بلا قلب، بمجرّد أن تنبت له أجنحة، يطير حاملا جذورهُ معهُ.&#8221; تأسّفتُ على حال الأشجار المذعورةِ التي حَوّلت ذُعرها إلى &#8230;</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/10931">رواية &#8220;برلتراس&#8221; لـ نصر سامي حدثٌ جماليٌّ في عالم تراجيدي</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: justify;"><strong>فاصلٌ شخصيّ وذاكرةٌ تحبّ التَبعثر: حَطّت يدي على الصفحة التاسعة من رواية&#8221; برلتراس&#8221;، فعثرتُ على هذه الجمل الشعرية الجميلةِ: &#8221; لا يتقن أمجد إلاّ زرع الشّجر المسافر، يربّيه في سنوات، ويسقيه بعرقه ودمه، ولكنّ الشّجر بلا قلب، بمجرّد أن تنبت له أجنحة، يطير حاملا جذورهُ معهُ.&#8221; تأسّفتُ على حال الأشجار المذعورةِ التي حَوّلت ذُعرها إلى قسوةٍ و&#8221;طيبتها&#8221; إلى جشعٍ. تناسيتُ الأشجار مؤقّتا وشَردتُ في أفكاري المبعثرة. قُلتُ: لايهمّ أن تتبعثر الأفكار، المهمّ أن يظلّ القلب على حالهِ حالماً نقيّا ماسكاً بزمام الإيقاع. صوّبتُ نظرتي إلى الغيوم المسافرة وتساءلتُ: أَكُلّ شيء إذن يُسافرُ ويهاجرُ؟ دَمٌ يُسافرُ في الأوردة، ماءٌ يسافر من السّماء إلى أخاديد الأرض، وماء يسافرُ من المَعينِ إلى القِربةِ، طيور تسافر من شبّاك إلى شبّاك، قَلَمٌ يسافر من بيت لبيتٍ، وذاكرة تسافر. تذكّرتُ شاعرا عبّاسيا يقول في بيتين: (قَوّض خيامكَ عن دارٍ ظُلِمتَ بها/ وجانب الذُلَّ أنّ الذلّ يُجْتَنَبُ/ وارْحلْ إذا كانت الأوطانُ مَضيَعةً/ فالمَندل الرّطبُ في أوطانهِ حَطَبُ) ثُمَّ تذكّرتُ قولةً عن الصداقةِ، &#8220;لا تقاس الصداقات بعدد اللقاءات&#8221;، فإنّ &#8220;لكَيفَ&#8221; أَهَمُّ من الكَمّ، وإنّ &#8220;الطريق هُوَ الطريقةُ&#8221;. التَقيتُ بالشّاعر الروائي نصر سامي أربع مرّات. أوّلُها، في معرض الكتاب حيث أهداني روايتهُ برلتراس (أو بعبارة أخرى&#8221; برّ الأطراس&#8221;). ثانيها، التقينا في مقهى بجهة المرسى. ثالثُها، حين استضافني في برنامجه الاذاعي&#8221; أشعار لأعالي الضوء&#8221;. ورابعُها، احتسينا قهوةً رفقةَ صديقنا الشّاعر السّوري هادي دانيال في مقهى بجانب الإذاعة الثقافية. ومَهما اختَلَفت الأزمنة والأمكنة، فَقَد رأيتُ في نصر سامي: إنسانا مبتسماً مُفعماً بالإنسانية، لا يتردّد في مساعدة الآخرين وتشجيعهم، يَقترن القولُ عِندهُ بالفعلِ، ويُذَكّر نفسهُ وغيرهُ بأنّ المرءَ إذا ما أرادَ أن يَسكُن العالم شعريّاً، فَعليهِ أوّلاً أن يَسْكُنهُ بانسانيتهِ. رأيتُ فيهِ شاعرا يَتَعفّفُ عن صغائر الأمور ولا يحبّ الدخول في جدالٍ خاوٍ لا يُضيفُ شيئا للمشهد الشعريّ والروائيّ والثقافيّ عموما، مازال يؤمنُ ب&#8221; روح الثقافة&#8221;. مُحاوِراً مُتمَكّناً من دقائق الأمور، والحوارُ معهُ سَلِسٌ ويُبْنَى على الأخذِ والعطاء، يَتَأنّى في استعمال مفرداتهِ، فهو يعلم أنّ &#8221; للكلمات ضوء&#8221;، وأنّ الكلمات المنطوقة على عَجَلٍ تُصبحُ&#8221; سيفا ذابحاً&#8221;. وأخيرا، رأيت فيه مهارةً هائلةً في الانتقال بين الأجناس الأدبية. فليست الروايةُ عندهُ بِركةً راكدةً، بل هي بحر تَنصبُّ فيهِ أنهار كثيرة: نهر الشعر والفلسفة وعلم النفس وعلم الإجتماع. وتَنْصَبُّ فيه أسئلة تتلاطمُ وترتطمُ بصخرة الحياةِ العابرةِ: أَمازال الشّعرُ مُمْكِناً في &#8221; المدينة المنحورةِ&#8221; بسكّين الأسى والسُّهاد؟ أتستطيعُ برلتراس أن تُولدَ ثانيةً من &#8221; رمادها وسوادها&#8221; وتَسترجعَ أبناءها الطّيبين الذين هاجروا مع الأشياء المُهاجرة، من شجرٍ وصخرٍ وتراب؟ هل من حَكيم يُخبر الفيلسوف أنّ الحياة أكبر من مفهومٍ ومَقالٍ نقدي، وأنّ &#8221; المناهج لم تَعُد تكفي لتفسير الظواهر الإنسانية&#8221; ؟ أما مِن مُعينٍ يُعينُ الفلسفةَ على النّزول من عَليائها كي تتجوّلَ في الشّوارع، تَسيرَ بين النّاس وتَتَأمّلَ أحوالَهُم عن كَثَبٍ وتُشارِكهم مآسيهم؟ في برلتراس، &#8221; أغلب النّاس لم يعودوا بشرا. هناك في قيعان البلدة بشرٌ تحوّلوا فئرانا وبشر تحوّلوا ضفادع، ويقال أنّ قبائل كاملة قد أصبحت نملا في الجهة الغربية. القليلون الذين ظلّوا بشرا، فقدوا أحاسيسهم والكثير من طباعهم البشرية</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الروايةُ روايَتان، وجهٌ وقَفا: أَسْألُ صاحبي: هل تُختزل الروايةُ في أحداثها وشخوصها؟ في الزمان والمكان؟ أمْ أنّها تَذهبُ أبعدَ من هذا، وَلَها أبعادها الرمزية والنفسية والفلسفية؟ يُجيبني بصوت هادئ: لِكلّ قارئٍ حَظُّهُ واجتِهادهُ. إذا كنتَ قارئا مُتعجّلا، فَلَنْ أطيل عليكَ. الرّاوي و&#8221; أمجد&#8221; هما الشخصيّتان المحوريّتان في الروايةِ. يَترك الرّاوي أهلهُ وبيتهُ ويذهبُ للإقامة في بلدة برلتراس. تَختلطُ عليهِ الوقائعُ فَيَنسى(أو يتناسى) سبب مجيئهِ. هناك يكتشفُ هول الكارثة حيث تحوّل أغلب الرّجال إلى أحصنة وأغلب النّساء تحوّلن إلى بجعات. وأصبحت المدينةُ غابةً يُباحُ فيها القتل والحرق والوشايةُ و&#8221; الخسّةُ&#8221;(&#8221; أربعة عشر قتيلا يوم الأثنين، واثنتا عشرة جثّة مرمية في السّراديب يوم الخميس، وسبعة قتلى معلّقون من رقابهم يوم الجمعة، ص59) ولِأنّ القتل أصبح عادةً وعَدوى، يصبح الرّاوي بدوره قاتلاً حين يقتلُ حبيبته&#8221; سُهى&#8221;(في الفصل العاشر من الرواية، ص75) إنّها مدينة غريبة عجائبيةٌ، تعيش فيها كائنات نصفها آدمي ونصفها حيواني، ويَصدأُ فيها الزّمن (&#8220;وقت أعمى مقطوع لا يُحسَبُ بالأيام والليالي&#8221;). في خضم المآسي، يتعرّفُ الراوي على أمجد وهو شخصية لا تَأْلُ جُهداً كي تَجمعَ صحائف برلتراس القديمة (الأطراس). تتوطّدُ بينهما وَشيجةُ الصداقةِ، فلا يفترقان إلّا لِماماً. رغم الخراب الجميمِ في المدينة الضّالة، يكتشفان أنّ لبرلتراس&#8221; ماضيا نوريّاً&#8221;، وتاريخا تليدا يَستَحقّ التنقيب والحِفظ والذّكْر، وشعراءَ كتبوا أسماءهم بدمائهم(المرقّشان، الممزّق العبدي، تأبّط شرّا، الحرث بن ظالم، متمّم بن نويرة، والشنفرى الأزدي.). بعد ذلك، تتوالى الأحداث والفصول، وتَظهرُ شخوص وتختفي. مِنها شخوص يُشارُ إليها بأرقامها (5030، 7090، 9011) (وداعاً للزّمن الانساني، ومرحبا بالزمن الرّقمي و&#8221;القصديري&#8221;، &#8220;زمن تيبّس فجأةً وصارت ساعاتهُ حجرا&#8221;) وَمِنها شُخوص تُذْكرُ بأسمائها، أسماء بلا مُسمّى &#8220;ماس&#8221; (كيف يمكنُ لِماس أن تكون ماسا في مدينة متفحّمة)، &#8220;كوثر&#8221; (كيف يمكن لكوثر أن تكون كوثر في مدينة لا نَهرَ فيها ولا سخاء، فإنّ الأنهار هاجرت أيضا مع العشب المهاجر)، &#8220;روح&#8221; (كيف يمكن لروح أن تكون روحاً في مدينة بلا شرايين ولا روح)،  و&#8221;سهى&#8221;(كيف تَكونُ سُهى سُهى، والمدينةُ لا نجوم ولا كواكبَ فيها، و&#8221; الضوء مُكَفّن&#8221;).</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ماذا بعدَ الروايةِ وماذا عن الرّمز؟: لِكُلّ قارئٍ نَصيبهُ من الرموز، فَلْيَجْتَهِدْ ولْيَحفُر عميقا، فإذا كان الروائيُّ يكتبُ روايتهُ، فإنّ القارئَ يُعيدُ كتابتها بطريقة أو بأخرى. تُشْرِعُ الروايةُ أجنحتها، تطيرُ ثُمَّ تحطُّ على أغصان قُرّائها. برلتراس هيَ جزءٌ من رواية هذا العالم المتشظّي حيث يَسْكُنُ الانسانُ مَسْكوناً بِخوفهِ من نفسهِ وغيرهِ وحتّى من الأشياء(&#8220;الخوف يُعرّشُ مثل شجرة العنب&#8221; &#8220;والخوف رياحٌ تُخبْئُ سكاكينها المسمومة وأنيابها الحادّة&#8221;). يَخافُ الانسان لأنّهُ يعلمُ قُدرتَهُ الخارقة على فعل المتناقضات: قُدرة المرء على القتلِ قُدْرَتُهُ على الإنجابِ. قدرة المرء على الحبّ، قدرتهُ على الكره والضغينة. قدرة البشر على النّذالةِ، قُدْرَتُهم على الرّفعةِ. قدرة البشر على التسرّع في الزّمن الرّقميّ السّريع وقُدرتُهم على الأَناةِ والتّفكير. (قدرة الأشجار على التَجَذُّرِ، قُدْرَتُها على الطيران زمن العاصفة) برلتراس &#8220;وَرشَةٌ تجريبيّةٌ&#8221;، تَتداخلُ فيها الأصواتُ وتتشابكُ الأحاديثُ فيها كأغصان شجرة شَعواء. هيَ روايةٌ تَأنَفُ من الكسلِ والتبلُّد وتَبحثُ عن قارئٍ يُفكّرُ في ذاتهِ وفي العالم. هيَ حديثٌ عن الحضارة التي تمشي القَهقَرى، حيثُ تَتفكّكُ عُرَى الانسانية بين النّاس، يُصبحُ الانسانُ وَسيلةً لا غايةً، تَكْثُرُ &#8221; الانفعالات الحزينةُ&#8221; على حدّ تعبير سبينوزا، تنتشرُ الذئاب الآدمية، يَفيضُ القبحُ و &#8221; يَغيض&#8221; الجَمالُ، يَتَداولُ النّاسُ بَيْنَهم عُملة اللامبالاةِ والبرود العاطفي، ويتساءل المُفكّرُ: إذا كان الجميعُ سعيداً على مِنصّات الفضاء الافتراضي، فَمِنْ أينَ أتَتْ كُلّ هذه الدموع التي تَكادُ تُغرقُ المدينة المعاصرة؟ هيَ حَديثٌ عن الإنسان المُمزّق بين فَجيعتينِ: فَجيعةٌ ذاتيّةٌ، فَلِكلّ امرؤ هُمومهُ وعُقَدُهُ وخيباتهُ وحُروبهُ التي لا يَعلمُ الآخرونَ عنها شيئا. وفجيعةٌ جماعيّةٌ، فإنّ الكارثة تَطالُ الجميعَ ولا تستثني. وإنّ الأوبئة لا تُميّزُ بين شيخ في السّبعينَ من عمرهِ أو فتىً في العاشرة(سَئمتُ تكاليف الحياةِ ومن يعش/ ثمانينَ حولاً لا أبا لكَ يسأمِ/ رأيت المنايا خبط عشواءَ من تُصِبْ/ تُمِتهُ ومن تُخطئ يُعمّر فيهرمِ، زهير بن أبي سُلمى) وإنّ الحربَ تَجْمَعُنا جميعا وتَطرَحُنا ولا تُميّزُ بين فتاةٍ وفتى، بين رسّامٍ وشاعر، بين عصفور حَطّ على القرميد وروائي يَفتحُ نافذة الغرفةِ. يتساءل الفيلسوف: هل من فجيعة ثالثة؟ بَلى، فجيعةٌ وجوديّةٌ، يُولدُ المرءُ ولا يعرفُ لماذا يولدُ، ويَموتُ ولا يعرفُ لماذا الحِمامُ، وبين الولادةِ والموتِ، تَعْبثُ الحياةُ بِنا ويُراكمُ العبثُ تَفاصيلهُ. ويَبقى السُّؤالُ: هل ينفع العقار فيما أفْسَدَهُ الحُبُّ وهل تنفعُ اللغة فيما أفسدتهُ الحضارةُ؟ برلتراس قصيدةٌ سرديّة وروايةٌ شعريّةٌ. هيَ&#8221; ديستوبيا&#8221; وهي حديثٌ عن اللّغة الحائرة. لا غَرو أنّ اللغة وُجِدَتْ قبل الكاتبِ بِقُرون، وَوُجِدت أثناء كتابتهِ لعمله الأدبيّ، وتُوجدُ بَعْدَهُ عِندما يطوي بساط الإقامةِ، إلاّ أنّ ما يُميّزُ روائيّا عن روائيّ، شيئانِ على الأقلّ: قُدرتهُ على خلق كائنات سردية لا تجترّ الواقع كما هُوَ(وبهذا تختلفُ الرواية عن الخطاب السياسي الغارق في الواقعية)، وقُدرَتُهُ على خلق عالمهِ اللغويّ الخاصّ بهِ، وعلى خلق كائنات لغوية تتأرجحُ بين الأمل واليأس وبين صوتينِ: يقول الصوت الأوّلُ&#8221; مادمت تتكلّمُ فأنت حيٌّ، من نحن دون كلمات؟ &#8220;، فيُجيبُ الصّوتُ الثاني &#8221; أليست الكلمات ترفاً حقيقيّا وسط هذا البؤس في مدينة لا تُسعِدُ نَفسها ولا أبناءها. الروائيّ نصر سامي يَنفُضُ الغُبار عن الكلمات النائمة في المعاجم ويُذكّرنا بِثراء اللغة العربية. ابْحَثْ في الرواية، تَجِدْ مثلاً(الإيراق، تضاعيف، الوجيب، رِبْلَةٌ، حثحث، انداح، ران، خطرف، ذرذر.) الروائيّ يُعيد صياغة القديم بتراكيب لغوية جديدة، يَكتبُ بِنفسهِ و يكتبُ &#8221; بأصابع الآخرين الذين ذهبوا قبلهُ إلى منطقة الألم&#8221;(على حدّ قول أم الزين بن شيخة المسكيني) وبرلتراس حدثٌ جماليٌّ رغم ما في العالم من تراجيديا.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>السّؤالُ أرضٌ خصبةٌ:  مِثلما قال محمود درويش في &#8220;مديح الظلّ العالي&#8221;: &#8221; اليوم إنجيل السّواد اليوم تابت مريم عن توبة التوبات وارتفع الحِدادُ إلى جبين اللّه واختَفت الملائكة الصغيرةُ في أكاليل الرّماد&#8221; اليومَ تتقاعد الشّمسُ عن العملِ ولا يبقى في برلتراس سوى أسئلةٍ تُضيءُ على نفسها وعلى سُكّان المدينةِ. يَتساءلُ الفيلسوفُ: هل الفلسفة صِناعةُ مفاهيم أم أنّها تَمرينٌ على الحياةِ في الحياة؟ هل الخَلاصُ فرديّ أمْ جماعيٌّ؟ ثُمَّ يُشْعِلُ شمعةً. يتساءل &#8221; المُتفلسفُ&#8221;: أينَ راتبي الشهريّ؟ وأينَ سَتُقامُ المُحاضرة القادمة عن التأويليّة كي أُدلي بِدلوي عن الفرق بين الفِكر في روما والفكرِ في أثينا. ثُمَّ يُغلقُ نوافذَ بيتهِ وينام. يقول الشّاعرُ: أينَ &#8221; ريمة&#8221;؟ عيناها قمرانِ رغم الظلام الذي &#8221; يَريمُ&#8221; على المدائنِ. ثُمَّ يُشعلُ ديوانَهُ يقول المؤرخُ: عُودي أيّتُها الشجرة، تَكَلّمي واكْتُبي تاريخكِ ولا تتركي قبائلَكِ مُبعثرةً(شجرة البطم القديمة، شجرة الخوخ العتيقة، شجرة العنب الحزينة، شجيرات البلوط). ثُمَّ يُشعلُ عود ثقاب. ويقول الروائيُّ: ألا يَصمتُ هذا الموتُ ساعةً كي أتِمَّ الفصل الرابع والثلاثين من قلبي. ثُمَّ يُشعلُ أصابِعَهُ. أُغلقُ الروايةَ. مُجدّدا، أتَأمّلُ الغيمَ المُسافرَ بلا جواز سفر. أتَذكّرُ خبراً قَرأتهُ في جريدة: &#8221; دولتانِ تتصارعان على ملكيّة الغيوم&#8221;. أضْحَكُ مِلء يأسي. أقول لنفسي: إذا كان العالمُ أسودَ، فَيَلْزَمُهُ &#8220;تَهكّمٌ أسود&#8221;. وإذا كانت الثّمارُ سوداءَ، فَيَلْزَمُنا فلاّحٌ جديدٌ، وقاطفٌ جديد، ونجّارٌ وشاعرٌ جديدين. أتَذكّرُ صاحبي، حين أخبرني أنّهُ عاد إلى سلطنة عمان. يومها أحسستُ بالحزن والفرح في آن. حزنتُ لأنّني لن ألتقيهِ كثيرا. وفرحتُ، لأنّهُ سيُبدعُ أينما كانَ وسيُضيءُ على الآخرين. الآن أعلمُ أنّ صاحبي ليس غائبا. كُلّما مررتُ بشجرة البرقوق، تذكّرتُ قصيدتهُ: &#8221; يا أختُ يا شجيرة البرقوق أتكبرين ولستُ في الجوارِ كلّ يوم أتطرحينَ في جوار الدّار ذات الغيم&#8221;.</strong></p>
<p style="text-align: left;"><span style="color: #800000;"><strong>مجلة قلم رصاص الثقافية</strong></span></p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/10931">رواية &#8220;برلتراس&#8221; لـ نصر سامي حدثٌ جماليٌّ في عالم تراجيدي</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://www.qalamrsas.com/archives/10931/feed</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>لدينا حلم</title>
		<link>https://www.qalamrsas.com/archives/10087</link>
					<comments>https://www.qalamrsas.com/archives/10087#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[نصر سامي]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 07 Dec 2023 22:24:59 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[نصـوص]]></category>
		<category><![CDATA[تونس]]></category>
		<category><![CDATA[لدينا حلم]]></category>
		<category><![CDATA[مجلة قلم رصاص الثقافية]]></category>
		<category><![CDATA[نصر سامي]]></category>
		<category><![CDATA[نصوص]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://www.qalamrsas.com/?p=10087</guid>

					<description><![CDATA[<p>أمري كان لي فيما مضى، والآن، لا أدري، أبي قلق من الطّغيان؟ أم هل أنّ بي ما يعجز الدّنيا وذاكرة الزّمان بحاله؟ أدري بأنّي لا أرى. لكنّ ماء الرّفض ينبع من خلال أصابعي، ودم السّؤال ينزّ من قلبي. وهذا اللّيل ملتمّ كقبر من سحابات ولا عنقاء في الأعطاف. أمري كان لي. والآن لا أدري، أهذا &#8230;</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/10087">لدينا حلم</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: justify;"><strong>أمري كان لي فيما مضى، والآن، لا أدري، أبي قلق من الطّغيان؟ أم هل أنّ بي ما يعجز الدّنيا وذاكرة الزّمان بحاله؟ أدري بأنّي لا أرى. لكنّ ماء الرّفض ينبع من خلال أصابعي، ودم السّؤال ينزّ من قلبي. وهذا اللّيل ملتمّ كقبر من سحابات ولا عنقاء في الأعطاف. أمري كان لي. والآن لا أدري، أهذا الموت خاتمة المطاف؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أهذي الحرب روح خطافة عمياء طافت حول قلب الأرض كي تعطي سلام الخطف في تطوافه؟ أدري بأنّي لا أرى أملا هنا في هذه العتمات غير الرّيح في ترحاله. الموت في الأضواء في السّاحات في الدّرجات في حوض الشّتول وفي المدى، الموت في الآهات في الكلمات في نفس الرّضيع وفي بكاء الأمّهات وفي غروب الشّمس أو إشراقها، أدري بأنّي لا أرى أملا وهذا الصّمت حمّى في الضّلوع. وآه يا بلدي. </strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أمري كان لي فيما مضى.. وها رمته الرّيح ها قد ضاع للأبد. فيما مضى كانت لشمعتنا يدان وأذرع حبلى بأثمار المنى والنّخل كان له رؤى وكان ديوان الصّبا في كل رفّة طائر، فيما مضى الأرض كانت للجميع لنا، لهم ولغيرنا من كائنات الأرض. أسطورتي تأتي لتلعب في حقول الآخرين مع المدى وفجرهم يأتي بصندله الصّغير وينحني قرب البحيرة عاريا والأغنيات تسير في نهري ونهر الآخرين ولا ترى. فيما مضى النّاي كان نشيدنا المكتوب بالطّين الشّريف وبالحديث وبالبروق وبالنّدى. والآن لا أدري أبي شوق إلى النّسيان يحميني من الذكرى؟ وهل في هذه الصّحراء غير الحرب والطّغيان. لا أفهم الصّحراء في هذا الخلاء السّرمدي. وأفهم الصّخر الحنون إذا تكسّر تحت أزمنة البلى، وتهزّ روحي روعة التكوين إذ تنداح في صمت على شفتي فيوض الطلّ والذّكرى، وأبكي كي أرى عمري فراشة صدفة تأتي لتلحس ظلّها في ضوء أغنيتي التّي أحيا بها. وأحبّ أن أعطي لحيّات </strong><strong>الرّمال أصابعي وجوارحي ليدور سمّ الأرض في جسدي. زمن القداسات القديم يمرّ في الصّحراء يعرفه الأهالي من برود في الضّلوع إذا أتاهم هاهنا أو من حنين للصّبى. جنحاه ما هدآ. ولكنّ الأهالي لم يكونوا قادرين على متابعة الرّحيل. يكفي ليرتحلوا وهم تحت اللّحاف تلفازهم. </strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>زمن القداسات القديم يمرّ كالأضغاث بي لكنّني في ظلمة الأكوان مقطوع اليد. هذي معلّقتي. أموت هنا وقافيتي معي. هذي معلّقتي. أموت هنا وذاكرتي معي. هذي معلّقتي. أموت هنا وفي دمي لغتي. هذه معلّقتي. وكلّ أسئلتي معي. هذي معلّقتي. وما يمتدّ في النّسيان من لغتي معي. هذي معلّقتي. نعم، وأمري ليس لي. ذكراي تحضر في المكان وفي الزّمان وفي الدّجى. وأنا الخلاء يلمّ في كفيّ</strong><br />
<strong>أسراب النّجوم وقد نمت في ضفّتيه رؤى الجحيم وقد تداركه الصّبى. أنا فكرة في الأرض، أرواحي سراب لا وجود له. وأحزاني سحابات.</strong><br />
<strong>وحنجرتي خلاء لا وجود له. يد التّاريخ هذى وامتهان الوقت لي. غمغمت في سرّي. وأدركني الظلام. فنمت في طيف الجدود هنا..لوحدي. لا شيء قبلي في المكان وفي الزّمان وكلّ الأرض تلفظني،</strong><br />
<strong>أيكون برق الأرض لي وطنا؟ أيكون لي وطن كأعدائي هنا لأموت فيه وأنحني وأقبّل الحجر القديم وأحلب البقرات في غاباتها؟ أأكون أفراسا لأعرج دون عود؟ كان لي ظلّ على الزّيتون، إيقاع وراء الماء، إنشاد إذا عاد الرّعاة من الجبال، وسقسقة إذا طار الفراش وراء قدّاس الغيوم.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>كان لي فيما مضى فضل على أيّامنا. والآن لا زيتون في الأرض القديمة. لا مياه على سواقي الانتظار ولا رياح لفتح باب المنتهى. والأيّل الجبليّ ما عادت خطاه تدبّ خلف منازل الجيران، والعشّاق ما </strong><strong>عادوا مرايات لتكسرهم فصول العام، والأغراب لم يرثوا سوى زبد الدّموع، ولا فراش يمرّ عبر الرّيح في هذا المدى. في الحلم متّسع، ويكفينا تراب الذكريات لكي نصلّي. كلّ ما نحتاجه أفق صغير للغزالة </strong><strong>كي تمرّ إلى الحشيش الأخضر الجبليّ، ونهر للصّغار لكي يروا أحلامهم في وجه نرسيس الصّغير، ووردة للمرج تعلن أنّ فصلا سوف يمضي هكذا، وأنّ آخر سوف يأتي بالزّهور وبالمنى. في الحلم متّسع، ويكفينا الهواء لكي نصلّي، كلّ ما نحتاج أرض للحياة هنا مع أطيارنا وصغارنا وترابنا وهوائنا، أرض بحجم قصيدة، حتّى بحجم قصيدة، أرض بحجم يد.</strong></p>
<p style="text-align: left;"><span style="color: #800000;"><strong>مجلة قلم رصاص الثقافية</strong></span></p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/10087">لدينا حلم</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://www.qalamrsas.com/archives/10087/feed</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>شهوات اللغة وشعرية الجسد في رواية &#8220;العطار&#8221; لنصر سامي</title>
		<link>https://www.qalamrsas.com/archives/9097</link>
					<comments>https://www.qalamrsas.com/archives/9097#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[قلم رصاص]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 18 Sep 2020 00:23:13 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[رصاص خشن]]></category>
		<category><![CDATA[رواية العطار]]></category>
		<category><![CDATA[نصر سامي]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://www.qalamrsas.com/?p=9097</guid>

					<description><![CDATA[<p>روعة سنبل  &#124; &#8220;يا سادة يا مادة، يدلنا ويدلكم على طريق الشهادة، سأحكي لكم فيما يلي حكاية جمال الدين العطار..&#8221; في حين تحيلنا هذه البداية إلى ما يشبه حكايات الجدات، ببناءاتها التقليدية، فإن الأمور سرعان ما ستبدو مع التقدم في القراءة مختلفة تماماً، إذ تتطلب رواية العطار( الآن/ ناشرون وموزعون 2019)، قارئاً يقظاً ومتمهلاً معاً، &#8230;</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/9097">شهوات اللغة وشعرية الجسد في رواية &#8220;العطار&#8221; لنصر سامي</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: justify;"><span style="color: #000080;"><strong>روعة سنبل  |</strong></span></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>&#8220;يا سادة يا مادة، يدلنا ويدلكم على طريق الشهادة، سأحكي لكم فيما يلي حكاية جمال الدين العطار..&#8221; في حين تحيلنا هذه البداية إلى ما يشبه حكايات الجدات، ببناءاتها التقليدية، فإن الأمور سرعان ما ستبدو مع التقدم في القراءة مختلفة تماماً، إذ تتطلب رواية العطار( الآن/ ناشرون وموزعون 2019)، قارئاً يقظاً ومتمهلاً معاً، قارئاً لديه من سعة الصدر ما يكفي ليتقبل بين الحين والآخر أن تفلت منه خيوط الحكاية تماماً، أو أن تتباين الأصوات الساردة وتتداخل، أو تضطرب الأزمنة وتلتحم، قارئاً عليه أن يتحلى بذاكرة قوية، أو أن يمسك قلماً ليكتب وهو يقرأ.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>خمسة فصول متباينة، من حيث الحجم، والتكنيكات المستخدمة، والتقسيمات المتبعة، وطبيعة السرد وسرعته، تشترك كلها في لغة مغرقة بالشعرية والمجاز، وتشترك أيضاً أنها ترسم معاً حكاية العطار، يسردها راوٍ يعلم كل شيء في حين لا نعلم عنه شيئاً، سوى أنه شخص قريب من العطار، يثق به هذا الأخير فيحكي له، يصمت الراوي طويلاً أحياناً ليتيح للعطار نفسه الكلام، فيتداول الاثنان السرد بما يشبه لعبة متعبة للقارئ، ولا تنتهي الرواية إلا وقد ظهر الكاتب أيضاً في الفصل الأخير &#8220;خواتم&#8221;، ليعلن بوضوح عن حضوره في الحكاية، حضورصريح باسمه، فنقرأ نصر سامي يقول: &#8221; أما هذا النص فقد قرأته مرات بلا عدد في سنواتي الأخيرة، بعد سفر العطار، وعملت عليه لسنوات، ولم أنكره، ولهذا أنشره ذكرى للعطار وأهله&#8221;.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>تبدأ الرواية من حيث انتهت حكاية صاحبها جمال الدين العطار، يقول الراوي في بدايتها: &#8220;حياته هادئة، ولا يقلقه إلا ما يعوده من حكايات ماضيه، بصاحباته وشخصيات كتبه الكثيرة، وزوجاته اللواتي نسي عددهن، وأولاده الكثيرين ورحلاته&#8221;، هذه الهواجس المقلقة من الماضي، هي بالتحديد مفاصل الرواية: حبيبات العطار في فصل &#8220;نساء في حياة العطار قبل الرحيل&#8221;، ثم شخصيات كتبه في فصل &#8220;طين الروايات وأبطالها&#8221;، ثم يأتي فصل &#8220;الرحلة&#8221; ليتناول زوجات العطار وترحاله، هذا الترحال الذي سيقذفنا أخيراً في بداية هذه المتاهة السردية من جديد، في الفصل الأول الذي يحمل عنوان &#8220;مقدمات أونهايات، لا فرق أبداً&#8221;.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>نساء كثيرات يظهرن في الرواية، على طول فصلين مختلفين يمثلان مرحلتين متباينتين من حياة العطار، ما قبل الرحيل، وما بعده، وتختلف طبيعة هذا الظهور بما تفرضه ضرورات كل مرحلة، فقبل االرحيل، يبقى المكان شبه ثابت، بينما تعبر إحدى عشرة امرأة، يتوقف السرد مطولاً عند كل واحدة منهن في مقطع يحمل اسمها، ليؤرخ هذا الفصل لحياة العطار منذ لحظة انخلاعه من طفولته مع المرأة الأولى، ثم عبر مراحل انقذافه في ممالك الجسد، النسوة هنا مرسومات بدقة، ليس فقط على المستوى الجسدي بل على المستوى النفسي أيضاً، ويبدو العطار من خلال علاقاته المتعددة منشغلاً بالإجابة عن أسئلة كثيرة، تتعلق بلذائذ المرء الأولى، وبلحظات اكتشافه لعالم الجسد، وبالأجساد على اعتبارها أدوات للشعر وللمتعة. بينما في الفصل المعنون بالرحلة، يختلف تكنيك السرد تماماً، يبدأ الفصل بمقطع غريب يحمل عنوان &#8220;الحياة هي في مكان آخر&#8221;، وهو مقطع يُجمل الأشياء كلها بسرعة فائقة، تتعاقب فيه السنوات واالمدن والنساء بصورة متلاحقة، حتى الوصول إلى المحطة الأخيرة، ليعود الكاتب في مقاطع لاحقة ويتوقف محطات سريعة: مدينة مدينة، وامرأة امرأة، بسرد سريع لاهث، وبتكنيك يذكّر بأساليب تدوين الرحلات في المرويات الشفوية، تدخل الشخصيات وتخرج بسرعة فائقة، وتتبدل الأمكنة باستمرار عبر مدن كثيرة منسية في أفريقيا، فيبدو الفصل حافلاً وعنيفاً: فساد وجرائم قتل وتجارات ممنوعة وسجون، لا يهتم هذا الفصل  برسم شخصيات واضحة للنساء، بل يكتفي بملامح جسدية خاطفة، وإن كان الحب والنساء في الفصل السابق مفاهيم حاضرة بصفتها أدوات للمتعة، فالأمر مختلف هنا، يقول العطار &#8220;الحب يعني عندي تجيبي لي أولاد، حين تملئين لي البيت أولاداً أعرف أنك تحبينني&#8221;، وإن كان العطار قبل الرحيل مشغولاً باكتشاف الجسد، فالعطار المرتحل هنا يبدو معنياً بترك أثر خلفه، زوجات كثيرات وأبناء لا يعلم لهم عدداً.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>يحتفي العطار باللغة تماماً كما يحتفي بالجسد، فتصبح اللغة بأصواتها، وانحناءات حروفها، كياناً مغوياً وشهياً، متورّطاً في فعل المتعة، &#8220;أي حروف اللغة تشبهين&#8221; يسأل العطار واحدة من حبيباته، يطلب من إحداهن أن تقرأ له بلكنتها الغريبة، يتلو نصوصاً على غيرها، يتدارس مع أخرى شروحات للشعر القديم، ويدوّن نصوصاً كاملة على جسد هدى زوجته.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>يتغير العطار كثيراً في ترحاله، فنراه معلّماً، ومهرّباً، إمام جامع مرة، وحارس مبغى مرة، إسلامياً متشدداً أحياناً، وقاتلاً إن اقتضى الأمر، يتغير العطار كثيراً، لكنه يبقى دوماً العطار الكاتب، الشاعر والسارد، والذي تفرد الرواية عنه كاتباً فصلاً  بديعاً وعميقاً، يتناول بنظرة فلسفية فعل الكتابة، وعلاقتها مع الرسم والنحت، وجدلية التشابه بين الفن وفعل الخلق، ويبحث في دراما المبتكِر مع شخصياته الطينية أو السردية التي تشب عن الطوق أحياناً، ومما يلفت في هذا الفصل تضمينه ما يشبه عناصر سيرية من حياة الكاتب نصر سامي نفسه، واستخدام عناوين مؤلفاته الحقيقية، لتنطبق في لحظة ما الكيانات الثلاثة معاً: الكاتب والراوي والعطار، بما يشبه خدعة سحرية، تترك القارئ محتاراً ومفتوناً معاً.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>حكاية العطار سمتها الترحال، يقترفه بحثاً عن الخلاص،  لتثير الرواية سؤالاً جوهرياً: هل بإمكاننا أن ننجو من ماضينا؟ يقول العطار: &#8220;كيف أغمد سكيني في قلب الشر، وأستلّ السواد العقيم، وأرتاح؟ أنا مسافر لمّا أصل إلى بلدي، وسفري سيطول، إنني أطلب الخلاص، الخلاص يا أورميلا، الخلاص!  لكن كيف؟&#8221;.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>رواية كهذه لا تحفل كثيراً بإغواء القارئ ليلاحق خيوط حكاية، ولا بانتزاع دهشته، بل تحفل فقط بنحت هذه الشخصية المحيرة، العطار الذي تورط بالشر وبالخير معاً، وأدى الدورين كليهما بصدق وإتقان، العطار الذي سيصعب على القارئ ألا يحبه، كما سيصعب عليه أن ينسى صرخاته: &#8220;أنا جمال الدين العطار، الوحيد، البعيد كسماء.. أنا المحروم من نبع يتدفق ليجرفني نحو حدث حقيقي واحد، أنا العائش في السرد، المفتون بكل غائب وبكل لا مرئي وبكل فاسد.. أعرف أنني لا أتقن إلا فن الحكي، أما الفعل فليس فيه ما يغريني.. أقف عاجزاً ومذهولاً وربما مغيباً عن كل شيء، لكنني قادر على الصراخ، أشعر أن الصراخ مهنتي، ولا أفعل أي شيء، بل أكتفي بحكاياتي الرائعة وشهواتها المتخيلة&#8221;.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>نصر سامي: شاعر وروائي ورسام تشكيلي وباحث من تونس، له العديد من الكتب في الشعر، والرواية، والمسرح، وأدب اليافعين.</strong></p>
<p style="text-align: left;"><a href="https://www.qalamrsas.com/"><span style="color: #800000;"><strong>مجلة قلم رصاص الثقافية</strong></span></a></p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/9097">شهوات اللغة وشعرية الجسد في رواية &#8220;العطار&#8221; لنصر سامي</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://www.qalamrsas.com/archives/9097/feed</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>
