<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><rss version="2.0"
	xmlns:content="http://purl.org/rss/1.0/modules/content/"
	xmlns:wfw="http://wellformedweb.org/CommentAPI/"
	xmlns:dc="http://purl.org/dc/elements/1.1/"
	xmlns:atom="http://www.w3.org/2005/Atom"
	xmlns:sy="http://purl.org/rss/1.0/modules/syndication/"
	xmlns:slash="http://purl.org/rss/1.0/modules/slash/"
	>

<channel>
	<title>محمد النجار &#8211; مجلة قلم رصاص الثقافية</title>
	<atom:link href="https://www.qalamrsas.com/archives/author/mohamad-alnajjar/feed" rel="self" type="application/rss+xml" />
	<link>https://www.qalamrsas.com</link>
	<description>رهان أخير على دور الفكر الحر والمسؤول في إعادة بناء الوعي واستعادة منظومة القيم، &#34;على قلم وساق&#34; من أجل ثقافة هدفها الإنسان.</description>
	<lastBuildDate>Fri, 24 Nov 2023 19:27:51 +0000</lastBuildDate>
	<language>ar</language>
	<sy:updatePeriod>
	hourly	</sy:updatePeriod>
	<sy:updateFrequency>
	1	</sy:updateFrequency>
	<generator>https://wordpress.org/?v=5.4.18</generator>

<image>
	<url>https://www.qalamrsas.com/wp-content/uploads/2022/03/cropped-لوغو-قلم-رصاص-اذار-2022-1-2-32x32.png</url>
	<title>محمد النجار &#8211; مجلة قلم رصاص الثقافية</title>
	<link>https://www.qalamrsas.com</link>
	<width>32</width>
	<height>32</height>
</image> 
	<item>
		<title>جروح لا تندمل</title>
		<link>https://www.qalamrsas.com/archives/9817</link>
					<comments>https://www.qalamrsas.com/archives/9817#comments</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[محمد النجار]]></dc:creator>
		<pubDate>Fri, 20 Jan 2023 09:11:24 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[رصاص خشن]]></category>
		<category><![CDATA[قصة قصيرة]]></category>
		<category><![CDATA[محمد النجار. قلم رصاص]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://www.qalamrsas.com/?p=9817</guid>

					<description><![CDATA[<p>تقابلنا بعد مرور ما يزيد عن حفنتين كاملتين من السنين، لقد عرفني من مشيتي وأوقفني، مشيتي العوجاء التي لطالما أضحكته وأنا أدور في “فورة” سجن رام الله في دائرة مثل أبقار الساقية، قبل أن ينقلونا سوياً الى سجن النقب الصحراوي محولينا الى الاعتقال الإداري، بعد انتهاء تحقيقاتهم معنا دون نتيجة. هناك “الفورة” أوسع وأكثر شمساً &#8230;</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/9817">جروح لا تندمل</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: justify;"><strong>تقابلنا بعد مرور ما يزيد عن حفنتين كاملتين من السنين، لقد عرفني من مشيتي وأوقفني، مشيتي العوجاء التي لطالما أضحكته وأنا أدور في “فورة” سجن رام الله في دائرة مثل أبقار الساقية، قبل أن ينقلونا سوياً الى سجن النقب الصحراوي محولينا الى الاعتقال الإداري، بعد انتهاء تحقيقاتهم معنا دون نتيجة. هناك “الفورة” أوسع وأكثر شمساً وأعلى حرارة، لكن كل ذلك لم يغير طريقة مشيتي العوجاء كما ظل يسميها، والتي كان طول قامتي يجعلها كبيت تهالك وتآكل جانب من أساسه فمال جانباً وأصبح آيلاً للسقوط.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أوقفني فتوقفت ناظراً في صفحة الوجه المفرود أمامي، لكنني لم أعرفه، فابتسم الرجل كاشفاً عن سنٍ واحدٍ فقط تبقى في منتصف فكه العلوي، قاسماً فمه الى قسمين متساويين، فزاد الأمر تعقيداً على عقلي. أطلق ضحكته المعهودة الصاخبة وسأل سؤالاً معاتباً:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ ألم تعرفني يا صديقي؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>كلمة “صديقي” هذه هي ميزته الأولى قبل ضحكته الصاخبة، فهو لم يكن يستعمل الكلمات التنظيمية للتخاطب كما كنا نفعل نحن، فلم ينادِ أحداً بالأخ أو الرفيق يوماً، بل بكلمة صديقي، حتى لو لم يرَ المُخاطَب إلّا في تلك اللحظة، فكان يخاطبه بنفس الخطاب كما أصدقاءه الحقيقيين أو زملاء السجن العاديين.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أمام ذهولي المؤقت، حاول أن يوقظ فيّ ذكريات غطتها السنون، فوضع إصبعه على سنه الوحيد الذي ما زال واقفاً وأفلت ضحكته الصاخبة من جديد وقال:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ آه… قبل سنوات لم يكن وحده، أما الآن فأصبح وحيداً مثلي، تخيل أنني وكي أحافظ على صديقي الوحيد الذي تبقى، فإنني أقوم كل صباح وأغسله بالفرشاة والمعجون حتى “أهلكه”، ويكاد يأخذ بالصراخ ويقول: &#8220;اتركني من أجل الله&#8221;. أتتخيل كيف أدور حوله بالفرشاة و”أفعكه” و”أُحممه” و”أشطفه”، في محاولة ليظل يسليني فيما تبقى لي من عمر.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>عانقته فوراً بعد أن سمعت ضحكته الصاخبة الثانية، وقلت صادقاً حتى وإن لم أكن صادقاً تمام الصدق:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ طبعاً عرفتك يا صديقي، وكيف لي ألا أعرفك، وهل يخفى القمر يا أبا خالد؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>خالدٌ هو الابن الذي لم يرَه، حيث كانت زوجته حاملاً به في الشهر الخامس في الانتفاضة الأولى، عندما تلقت قنبلة غاز في صدرها، في مسيرة نسائية على باب الكلية الأهلية في مدينة رام الله، فأوقعتها. أخذ الغاز ينتشر بكثافة في المكان، ودخل دفعة واحدة في فمها وأنفها، فلم تعد قادرة على التنفس عِوضاً عن النهوض. كلما اقتربت منها امرأة لسحبها من المكان كان الرصاص يطلق نحوها، حتى عندما حضرت سيارة الإسعاف، أوقفوها ومنعوها من التقدم الى المكان، وسرعان ما اعتقلوا الطبيب المناوب فيها لاحتجاجه على الأمر وحولوه الى الاعتقال الإداري. ظلت هي في مكانها تحاول جاهدة انتزاع حزمة هواء نقي خالٍ من السموم، للطفل على الأقل، دون فائدة، متناسية آلام حروق صدرها، حتى صعدت روحها الى السماء مع طفلهما الجنين. ربما تمتم هو في صدره: ”جاءت من القرية ليكرمها الله بالاستشهاد في المدينة”، ووفاء منه وحباً، لم يتزوج أبداً، حتى أن أمه قبل موتها لم تلح عليه كثيرا، وقدّرت واحترمت موقفه، وقالت في سرها “إن ابنها من صنف بعض الرجال الذين حتى لو لم يُخلِّف فهو لن يموت”، وظل هو يزور قبرهما وقبر أمه المجاور، ما دام خارج السجن.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>شكرني على كلماتي “الطيبة” كما وصفها، واحتضنْتُ عضده، ودون مقدمات أقسمت بأن يأتي للغداء عندي. لا أدري لماذا اجتاحتني ” موجة الكرم الحاتمي هذه، والتي لم أكن أعلم أنها متأصلة في عقلي الباطني. بل في مرات عديدة كانت زوجتي تصدمني بكلماتها وهي تقول لي معاتبة، عندما لا أقوم بدعوة الناس الذين ألتقيهم: لماذا وقفت مثل الأبله؟ لماذا لم تدعهم على وجبة غداء؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وعندما كنت أنظر اليها منبهاً بكلماتٍ من عيني، بأن ثلاجتنا خاوية من كل أصناف اللحوم كانت تكمل وتقول:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ الجود من الموجود…. على فنجانٍ من القهوة على الأقل.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>قال محاولاً التفلت من قبضة يدي:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ بارك الله فيك، لا أستطيع، وهل أنا أريد تجربة كرمك؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لكني أقسمت على غير عادتي من جديد.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>كان يكبرني بجيل كامل ونصف الجيل، يعني أنه ربما يقف على أبواب السبعين، لكن جسده النحيل ما زال نحيلاً، وما زال منتصبا مثل جذع زيتونة صلب ليس من عادته الانحناء. في كل فترة السجن ظلّ من أكثر الناس قراءة، وعادة ما كان وقته مقسوماً إلى أشياء ثلاث يفعلها في سجن النقب على وجه التحديد، القراءة والمشاركة في البرنامج الثقافي وساعة من المشي يوميا في ساعات ما قبل الغروب. كنت أحب الإستماع لشروحاته وغناها، وأحاول أن أقرأ ما يقرأه علّني أصبح فاهماً ومثقفاً مثله، وعندما رآني أستعير ذات الكتب التي يقرأها، سألني:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ هل قرأت كتاب كذا وكذا؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ولما أجيب بالنفي يقول:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ أنصحك بقراءتها أولاً كي تستطيع فهم هذا الكتاب بطريقة أفضل.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أمام إصراري على دعوته قال:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ جيد، نشرب القهوة… ولا شيئاً آخراً.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>مشينا نحو منزلي القديم على طرف المدينة البعيد، غرفة وصالة صغيرة ومترين مربعين حولتهما لمطبخ، ومرحاض، سألني:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ ماذا تفعل هذه الأيام؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>قلت:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ كما تعلم مع هذا الحصار وهذه الحواجز، وكوني معتقل سابق يمكنهم توقيفي واعتقالي على أي حاجز، لم يعد بإمكاني متابعة عملي كعامل مياوم خارج المدينة، على الأقل كي لا أُذَكَّرهم بنفسي، وكي أظل أقتنص وأصيد الرغيف بين فترة وأخرى ما دمت خارج السجن.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>قال:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ نعم يا صديقي، الأوضاع صعبة وعليك الحفاظ على نفسك وعائلتك لأن هذا نضال أيضاً. وكيف هي ابنتي؟!!    </strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong> سأل عن زوجتي التي كان يطلق عليها لقب ”ابنتي” في أحيانٍ كثيرة عندما كانت تزورني في السجن. واكتفى بهزة رأس وكلمتين مني:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ ماشي الحال.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>حديثه سرعان ما يجد طريقه الى العقل والقلب، أذكر عندما قال زعيم إحدى فصائل الإسلام السياسي، الذي لقبوه ب”أمير المؤمنين”، الذي ظل يتغنى “بأن الله ميزنا على غيرنا عندما أكرمنا ب”الإسلام”، قال له أبو خالد:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ كما أكرمنا الله بديننا أكرم الآخرين بدينهم أيضاً، وهنا لا ميزة لأحد على الآخر. كلنا وُلدْنا بديننا ولم نختره، أم تعتقد أنه أكرمنا بديننا وأذل غيرنا بدينه؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ثم حذّر الرجل بالتروي والتنبه فيما يقول، كي لا يكون الأمر موضوع فتنة داخل السجن، خاصة وأن الاحتلال يتربص ليجد ما يفرق به المناضلين. مع تعنت “أمير المؤمنين” سأله أبو خالد مجدداً:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ يا صديقي، بأي حق تريد فرض معتقداتك على الآخرين؟ من أعطاك هذا الحق؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>فقال الشيخ:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ إن من واجبي أن أقيم &#8221; شرع الله&#8221;.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>فقال أبو خالد:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ وهل أعطاك الله أمراً بذلك؟ كل معتقِد يعتقد أن دينه أو مذهبه هو الأصح وهو “شرع الله”، وكلهم مؤمنون بذلك، لكن لا أحد يستطيع الجزم بذلك. إن كان كل طرف سيطبق ما يسميه ب”شرع الله” ويقيم حدوده وقوانين دينه على الآخر، فسندخل في مجازر وحروب لن تنتهي.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>قال الشيخ بثقة وتأكيد:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ بلى، إننا نستدل على ذلك بقول الله وبالمنطق.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>فرد أبو خالد قائلاً:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ كلٌ يعتقد أن الله أمره بتطبيق ما ورد في كتبه المقدسة، ويؤمن أن منطقه هو المنطق الأسلم والأصح يا صديقي الشيخ.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وبالمناسبة، سأل أبو خالدُ الشيخ:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ منذ متى أنت معتقل؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ ثلاثة شهور.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ وبكم أنت محكوم؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ ست شهور إدارية.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ هل هذه أول مرة تُعتقل فيها؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ إنها الثالثة</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>فقال أبو خالد مشيراً بإصبعه نحو شخص كان يتمشى في ساحة الفورة:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ أترى ذلك الشخص ذو البنطال الأسود والقميص الأزرق؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ نعم.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ قبل عشرين عاماً من الآن، أمضى هذا الرجل عدة سنوات في السجن. بعد فترة من خروجه تمت مطاردته وجرت محاولات لإلقاء القبض عليه، فاختفى واختفت أخباره معه، ليكتشف الجميع أنه بقي يناضل متخفيّاً عشر سنين كاملة قبل أن يتم اعتقاله مجدداً. أتتخيل الأمر؟ عشر سنوات لم يستطيع الاحتلال بأجهزته ومخابراته القبض عليه، وبعد اعتقاله حاكموه بالسجن الفعلي لخمس سنوات. بعد أن أمضاها حولوه مباشرة للاعتقال الإداري، وها هم يمددون له للمرة الرابعة على التوالي و”الحبل على الجرّار”، ست شهور في كل مرة. سكت قليلاً وأكمل:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ إن هذا الرجل مسيحي الديانة، ومثله الكثيرون إن كان الأمر يعنيك إلى هذا الحد. من تعتقد أنه يمتاز عن الآخر برأيك يا صديقي، أنت أم هو؟ أم تعتقد أن الله سيدخلك الجنة كونك مسلماً ويدخله النار كونه مسيحياً دون النظر في أعمال كل منكما؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لمّا لم يجد الشيخ ما يجيب به اتهم أبا خالد بأنه علماني الهوى، فقال أبو خالد حينها:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ هل العلمانية تهمة؟ أنا لا أراها كذلك، وهي لو علم المتدينون الأفضل بالنسبة لهم، فهي تُمكّن كل متدين مهما كانت ديانته ومهما كان حجم تمثيلها ونسبتها في المجتمع، بأن يمارس طقوسها وعباداتها وشعائرها دون حق الاعتراض أو الرفض أو التهديد من أحد.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>من يومها عمم “أمير المؤمنين”  مقاطعة أبا خالد، وحرّم الحوار معه. ذكّرته بالأمر الآن ونحن نسير نحو بيتي، فقال:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ إن ما تراه أمامك الآن من تدمير للأوطان ما هو سوى نتيجة لمثل أفكار أمير المؤمنين ذاك وأمثاله، أعني أنّ “الغرب” وجد ضالته بهؤلاء، فدعمهم وسلّحههم وموّلهم من جيوبنا ليدمر بهم أوطاننا ويقسّمها. يعني يخوض حروباً بدمنا وأموالنا ويدمر حضاراتنا وتاريخنا ليحقق مصالحه، أرأيت المأساة؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>تابعنا مشينا نحو بيتي، وأكمل وكأنه يكمل موضوعاً لم يكتمل بعد، فقال مستبقاً ما أراد قوله بضحكة مجلجلة صاخبة:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ يريدون إقناعنا بأن ما يدور في منطقتنا ثورة شعب، مستخفين بعقولنا وكأننا قطيع ماشية وليس بشر. تخيل ثورة تقودها أمريكا وبريطانيا العظمى وفرنسا الاستعمارية. تدرب قواتها “إسرائيل” كما وتعالج جرحاها، وتمولها دول عربية موغلة برجعيتها، بلا قوانين أو دستور، فهل هذه ثورة؟ يخوضون الحرب علينا تحت شعارات الديمقراطية! أي ديمقراطية هذه التي تدعمها أكثر الدول فساداً ولصوصية وفاشية وعنصرية ومعاداة للديمقراطية؟ يا صديقي، إن كان صحيح أن العنف ضرورة للثورة في معظم الأحيان، فمن الصحيح أيضاً أن ليس كل عنف ثورة.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>كنا قد وصلنا البيت، رحبت به زوجتي بل وقبلته من خديه، فما أكثر ما رأته سواء في زيارتي في زنازين سجن رام الله، حيث كانت محاكمات التمديد تجمعني والكثيرون بما فيهم هو، وكذلك في بعض زيارات سجن النقب، مع أمه العجوز أثناء زيارتها قبل أن يُغيبها الموت.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>تقابلنا على فنجان قهوة، وأكمل هو وكأنه تذكر شيئاً لم يقله:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ تخيل! لا أحد يدرك أن فاقد الشيء لا يعطيه! وأن من يقطع الرؤوس التي تعبر عن رأيها في بلده يعطينا دروساً دامية في الديمقراطية!.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ضحك بصخب أكثر هذه المرة، وقال عائدا الى صلب الموضوع:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ أتساءل أحياناً، هل الله فعلاً هو من خلق هذه الأنظمة الرجعية، أم أنها نبت شيطاني فاسد ظهر فجأة وفي غفلة من الزمن؟! أستغفر الله العظيم، لا أخفيك أنني أستصعب تصديق ذلك، إلا إذا كان الأمر ابتلاءً من الله واختباراً لصبرنا وقدرتنا على التحمل. لأن نسبة الذل والهوان والفساد والجهل والضلال والعفن والوقاحة والغرور في طينتهم غير معقولة، لكنني أعود وأقول أنّ هذه الصفات ما هي إلا صفات مكتسبة لا علاقة للإله بها، ولا يستطيع اكتسابها إلا كل نذل خسيس.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أحضرت زوجتي صحنين من الزعتر والزيت، وصحن جبنة بيضاء، وأربع بيضات مسلوقة مقطعة مبهرة تزينها كمية من زيت الزيتون، وصحناً من دبس الخروب الذي صنعته بيديها، وبضعة أرغفة من خبز الطابون. قالت:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ هيا على ما قُسم.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أمام محاولات رفضه الخجول قالت زوجتي:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ هل هناك من يخجل من أبنائه؟!</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>دون أي كلام تقدم وقسم الرغيف من طرفه، محاولاً منع بضع دمعات كانت تتفلت للانسياب على وجهه:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>قلت مغيراً الموضوع:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ أنا آسف، لم أعرفك للوهلة الأولي، تهيأ لي أنك قد تغيرت.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>قال بطريقة حاسمة:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ بالتأكيد، كلنا نتغير، يفعل الزمن فعله فينا بصمت وهدوء، وننخدع نحن بشبابنا أو بأموالنا أو بقوتنا، ولا ندري كيف يتقدم العمر بنا ولا كيف تدخل الشيخوخة أجسادنا. للشيخوخة مظاهرها ورائحتها، ما أن تضع قدمها في حياتنا حتى تأخذ أيامنا تركض وتتسارع نحو نهاياتها، لنجد الموت مختبئاً لنا في أي زاوية ومكان، هكذا هو الأمر ببساطة يا صديقي.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ضحك أيضاً بعد هذه الكلمات بصخبه نفسه، متجاوزاً الحالة التي تركتها كلمات زوجتي على ملامح وجهه.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أنهى طعامه قبلنا، كعادته في السجن. كان يغادر جلسة الطعام قبل الجميع، وكثيراً ما كنت أشعر أنه يريد توفير الطعام ليشبع الآخرون قدر الإمكان، ولما حاولت الاحتجاج قال:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ إنك تعرفني جيداً، هكذا كنت وما زلت.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ساعدت زوجتي في رفع الصحون وعدت لأشرب الشاي معه، وقلت:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ تبيت الليلة عندنا، وتغادر في الغد.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>قال:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ بارك الله فيك، لكني لا أستطيع.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>قلت:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ كيف لا تستطيع؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وكدت أكمل “فأنت بعد وفاة أمك أصبحت وحيداً ومقطوعاً من شجرة”، ولشدة غبائي لم أفكر لحظة بأن هذا الرجل ربما تزوج وأنجب أيضاً في كل تلك السنوات التي انقضت ولم أره بها.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>قال:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ صدقني يا صديقي، فأنا فعلاً لا أستطيع.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>قلت مصراً على بقائه:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ هل تزوجت في لاحق السنين؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>فضحك بصخب وقال:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ أبعد كل هذا العمر؟ لا يا صديقي لا.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>واقترب من أذني وقال:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ أتذكر صديقنا صلاح؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أمام سكوتي الأبله قال موضحاً:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ الذي أرجعوه من الإداري الى التحقيق؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>بقيت ساكتاً غير مجيب فقال:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ الذي كان مصاباً في ساقه يا رجل.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>عندها هتفت متذكراً:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ آه … صلاح، ماهي أخباره؟ ماذا به؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>قال دون أن يضحك هذه المرة:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ بعد أن أخرجوا الرصاصة من ساقه، ابتدأت الساق تضعف وتتقلص وكأنها تسير نحو الاضمحلال، يبدو أن العصب تمزق وبعضه قد جف، ولم يعد بالإمكان فعل شيء…</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>قلت من باب الشفقة والألم:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong> ـ مسكين يا صلاح.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong> قال:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ لا أستطيع تركه لوحده، فهو في استضافتي، ونعيش سوياً من “حاكورة” المنزل.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>رأيت التبدلات التي تعصف بوجهه، وأكمل وبركان قلبه يكاد يتفجر، وقال:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ لا أريد التعليق على ترك فصائلنا لمثل هذا الشاب هكذا دون علاج، لكن أن تتركه دون مساعدة مالية يستطيع أن يعيل نفسه برغيف خبز؟ إنها والله لا تُفهم ولا تُصدق… والأكثر إيلاماً أنه يمكن أن يُعتقل من بيته وتكون نهايته الأكيدة.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>سكت قليلاً وقال من جديد:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong> ـ مثله مثايل، الموضوع ليس متعلقاً بسلطة أوسلو وحدها، فهؤلاء لا خير فيهم ولا أمل. بل بفصائل تاريخها ظل تاريخاً مشرفاً، ما الذي يحصل يا صديقي؟ أإلى هذا الحد توغلت فينا أمراض أوسلو وأخضعتنا لذاتية قاتلة مفرطة؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>قلت في محاولة للدفاع فاشلة، ولا أعرف السبب وراء ذلك، فأنا لم أقدم مثله للقضية الوطنية، ولست بأحرص منه عليها:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ ربما نسوا أمره.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>قال ساخراً دون أن يضحك ضحكته الساخرة، صدق الشاعر حينما قال:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>“إن كنت تدري فتلك مصيبة    وإن كنت لا تدري فالمصيبة أعظم”</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وأكمل بجدية صادقة لم أرها عند أحد من قبل:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ كيف يمكنهم نسيان ذلك، إن من نسي جرحك وألمك اليوم سينسى دمك لا محالة غداً، فمثل هذا النسيان ليس من شيم الثوار. من ينسى دماء ثوّاره كيف يمكن ائتمانه على القضية يا صديقي.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وقف على رجليه وأكمل دون أن يطلق ضحكته الصاخبة وقال:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ لم يبقَ على موعد الباص المتوجه لقريتنا كثيراً، وأعتقد أنه الباص الأخير. اذهب واحضر ابنتي لأودعها، فربما كان الوداع الأخير، لا أحد يستطيع أن يعلم متى ترميه الشيخوخة في أحضان الموت.</strong></p>
<p style="text-align: left;"><a href="https://www.qalamrsas.com/"><span style="color: #800000;"><strong>مجلة قلم رصاص الثقافية</strong></span></a></p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/9817">جروح لا تندمل</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://www.qalamrsas.com/archives/9817/feed</wfw:commentRss>
			<slash:comments>1</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>أحلام العصافير</title>
		<link>https://www.qalamrsas.com/archives/9661</link>
					<comments>https://www.qalamrsas.com/archives/9661#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[محمد النجار]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 21 Jul 2022 22:08:34 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[رصاص خشن]]></category>
		<category><![CDATA[أحلام العصافير]]></category>
		<category><![CDATA[محمد النجار]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://www.qalamrsas.com/?p=9661</guid>

					<description><![CDATA[<p>نهضت من فراشي فرحاً مسروراً كما لم أفعل من قبل، فقد رأيت حلماً مُبهجاً نادراً ما يراه النائم في سنوات عمره. صارت الأفكار تتقافز في رأسي متلاعبة فرحة، والكلمات تداعب شفتي منزلقة عن لساني، لكنني بمهارتي أوقفتها عند حدود الشفتين، ثم أرجعتها للخلف لأعض عليها بأسناني موقفاً تدحرجها اللافت، الذي ربما يسبب لي مشاكلَ لست &#8230;</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/9661">أحلام العصافير</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: justify;"><strong>نهضت من فراشي فرحاً مسروراً كما لم أفعل من قبل، فقد رأيت حلماً مُبهجاً نادراً ما يراه النائم في سنوات عمره. صارت الأفكار تتقافز في رأسي متلاعبة فرحة، والكلمات تداعب شفتي منزلقة عن لساني، لكنني بمهارتي أوقفتها عند حدود الشفتين، ثم أرجعتها للخلف لأعض عليها بأسناني موقفاً تدحرجها اللافت، الذي ربما يسبب لي مشاكلَ لست قادراً على ضبطها. وجدتني، مع ضغط الحلم على رأسي ولساني، أود التوجه الى شيخ جليل يَؤم الناس في أحد مساجد مدينتنا. قبل صلاة الظهر اغتسلت وتوضأت وقصدت المسجد، ووقفت تماماً خلف فضيلته. صليت ركعات الجماعة خلفه، ثم أكملت بقية الركعات وحدي مسرعاً، وبعد أن أكمل صلاته توجهت لفضيلته ورجوته أن يظل في المسجد لأنني بحاجة إليه. أمسكني من يدي، وسحبني الى إحدى زوايا المسجد باسماً قائلاً بلغته العربية الفصحى:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ لديّ ما يكفي من الوقت يا بني، هيا بنا &#8220;لنتمجلس&#8221; ونتحدث بما يؤلمك، لعل الله يجعل في أقوالي الشفاء.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ إن شاء الله يا شيخنا الفاضل، إن شاء الله. </strong><strong>قلت، ومشيت حتى وصلنا تلك الزاوية، جلسنا وقلت بكلمات كانت واقفة على أبواب فمي، تتربص ان أفتحه لتندلق في وجه الشيخ:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ رأيت يا سيدي الشيخ فيما يرى النائم حلماً&#8230;</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>قاطعني الشيخ قائلاَ:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ خير، اللهم اجعله خيراً.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>بدأت أقص عليه حلمي، وأول ما رأيت في وجه سماحته، أن وجهه لم يعد سمحاً، وأنّ قسمات وجهه قد ابتدأت بالتغير، ثم لم يطق أقوالي كثيراً ويتحملها، فأخذ يقول من بين كلماتي:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ الله اكبر… الله أكبر&#8230;</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وكلما تعمقت بالحديث أكثر قال:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ لا حول ولا قوة إلّا بالله&#8230;</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وقبل أن أكمل حلمي ليفسره، قام واقفاً غاضباً وقال:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ هذا ليس حلماً يا بني، ما هذا ورب العزة إلا دليل اتهام.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>سار بخطى واسعة نحو باب المسجد، وأنا أركض خلفه لا أعرف لماذا يهرب الشيخ من كلماتي، حتى إذا وقف لينتعل حذاءه قال:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ ألم تجد حلماً آخراً لتحلمه إلّا هذا؟! إنني كما ترى رجل مسن لا تتحمل عظامي نتاج تفسير أحلامك هذه… اذهب يا بني وجد لك مفسراً بعيداً عن معشر الشيوخ، فحلمك يحتاج إلى فلاسفة وصناع قرار ليفسروه.  </strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>خرج وظل يتجنب عيني ولساني في لاحق الأيام.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>موقف الشيخ الفاضل أدخلني في حالة من الذهول، ولم أعد متأكداً من صحة موقفي الفرِح من حلمي هذا، لكني بقيت مصراً على أن أجد تفسيراً له، الأمر الذي ساقني الى عرّاف في قرية مجاورة.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أجلسني الرجل على الأرض مقابله تماماً، بيننا بضع جمرات على موقد يحرق أعشاباً فتطلق رائحة عبقة من بخورٍ قد احترق لتوه، فملأ جو الغرفة شبه المعتم وتداخل في جزئيات هوائها. أخذت أستنشق والعرّاف ذرّات الهواء المشبعة برائحة البخور، الذي أخذ يتداخل في مسامات جلدي وطيات ملابسي. قرأ الرجل آيات من الذكر الحكيم، أخذ يستدعي الجن والأموات ليساعدوه في تفسير الحلم، ثم قال صارخاً:        </strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ حــــــــــــــــــــــــــي.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وأشار علي أن أبدأ بالحديث.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ابتدأت بالحديث، وما أن سرت بحديثي بضع فقرات وجملتين، حتى وقف العرّاف على قدميه، أشعل الضوء واستنهضني قائلاً:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ قم، هيا قم ولا أريد أن أراك مجدداً.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>قمت ولم أعرف أين ذهب الجن والأموات الذين استدعاهم الرجل، ودون أن يدع لي مجالاً لحديث قال لي سائلاً:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ من الذي دفعك إليّ يا رجل؟ أي العرّافين المنافسين فعل ذلك؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أمام قسمي المتتالي بأن أحداً لم يدفعني قال:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ والله لم يدفعك سوى العقيد أبو جابر لتستدرجني في الكلام وتسحب لساني؟ إنه يريد الانتقام مني لأنه يعتبر ما أدفعه له مقابل حمايته لا يكفيه للويسكي الذي يشربه، أعني أقل من الجهد الذي يبذله لحمايتي. يا أخي ارحموني، هل أبقيتم شيئاً لأحدٍ ليعتاش؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>قبل أن أحاول حتى الدفاع عن نفسي، طردني من بيته محذراً:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ إياك أن أراك مجدداً ليس أمام بيتي وحسب، بل في القرية كلها، لأنني لن أهتم حينها لا بك ولا بالعقيد نفسه، أفهمت؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وتمتم هامساً مع نفسه:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ &#8220;يلعن&#8221; أبوك على أبي العقيد، لم تُبقوا لنا شيئاً &#8220;نُمصمص&#8221; أصابعنا من بعده، وفوق هذا تتجسسون علينا.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أتذكر الآن كلمات والدي أطال الله في عمره، الذي ظل يقول لي أنني رجل عنيد، وها أنا أؤكد على كلماته تلك الآن من جديد، فرغم ماحل بي إلّا أنني ما زلت أبحث عمّن يفسر لي حلمي هذا. وجدتني أشكو همّي إلى صديق لم يكن يوماً مقرباً مني، وظننت دائماً أنه لا يؤمن بأحلام أو تفسير أحلام، وأكاد أجزم أنه لم يدخل يوماً مسجداً أو كنيسة. أقول ذلك كوني لا أعرف ماهية دينه، فاسمه لا يدل على شيء من هذا القبيل، وليس من اللياقة سؤاله عن ذلك… قلت بعد أن دعاني وأجلسني في صالون بيته:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ حلمت يا علاء حلماً أبهجني، لكني لم أجد أحداً ليفسره.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>نظر إلي طويلاً، ودون حديث منه أكملت غير آبه باستغرابه:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ رأيت فيما يرى النائم، اللهم اجعله خيراً، أن قادة الاحتلال يرون في سلطتنا الخطر الأكبر على كيانهم، وأنه لن يمر طويل وقت دون أن تندلع حرب معها، حرب غير مسبوقة لافي حدتها ولا في مدتها.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ابتسم علاء وتابعت أنا:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ ستستخدم فيها السلطة ترسانتها الصاروخية &#8220;غير العبثية&#8221; المكدسة والمخفية، والتي ستنزل على كيانهم بالآلاف، مدمرة مطاراتهم وسفنهم الحربية وطائراتهم ودباباتهم، وتضرب مصافي النفط ومحطات توليد الكهرباء وربما تلجأ لضرب مفاعلهم النووي، وستكون هناك مواجهات برية قاسية، يقودها قادة الأجهزة الأمنية المختلفة.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>نظرت الى ردة فعله بطرف عينيّ، لكني لم أجد منه ما رأيته من فضيلة الشيخ ولا من العراف، ورغم الابتسامة التي حاول إخفاءها ماسحاً شواربه بأصابع كفه الأيمن، إلا أنني أكملت دون أن يقاطعني أبداً:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ حلمت أنهم أكّدوا أن الحرب ستدور فوق ما استولوا عليه من أرضنا عام النكبة، وداخل المستوطنات التي أقاموها على الأرض جميعها، وأن قوة الشكيمة عند السلطة ستجعلها تحتجز العديد من الأسرى منهم. الأمر الذي سيجعلهم يبادلونهم  بآلاف من المعتقلين السياسيين القابعين منذ عشرات السنين داخل معتقلاتهم.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>نظرت لوجهه من جديد دون أن يشعر، محاولاً أن أُعطيه المجال لإسكاتي إن كان يريد ذلك كما فعلا من سبقاه، لكنه كان يستمع باهتمام وانتباه، دون أن ينبس ببنت شفة، الأمر الذي شجعني على متابعة سرد حلمي ذاك. قلت متابعاً:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ أكدوا أن الحرب ستمتد طويلاً، وستستحيل حرباً شعبية طويلة الأمد، لأن القيادة هيأت الأرض والشعب لهذه المعركة على مدار السنوات السابقة كلها بسرية كاملة.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ارتشف من كأس شايه ليغطي على ضحكة تتفلت للانطلاق دون نجاح، لكنها تحولت لدمعتين لم يستطع إيقافهما. وارتشفت من كأس شاي بين يدي، وأكملت من جديد، بعد أن رأيت علائم الجدية تكسو وجهه الذي كان محروقاً من أشعة الشمس قبل هذا الفصل الشتائي القارس:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ لقد رأيت بأم عيني فيما يرى النائم، ـ ورفعت يديّ الى السماء داعياً ـ اللهم اجعله خيراً، أن الرئيس يُشرف على حفر الخنادق الهجومية بنفسه، وأعوانه يشرفون على نصب الصواريخ المعدة للإطلاق من تحت الأرض، كما يشرف وزيره على عمل القناصة، وقائد أمنه بنى الخنادق تحت قصره و&#8230;</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ما هي إلا لحظات حتى قال علاء كأنه تذكر شيئاً:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ يبدو أنك عشت سويعات من أحلام اليقظة!</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>كاد أن يضحك لولا أن قطعت كلماتي الطريق على ضحكاته:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ لا والله لقد كنت أحلم نائماً، وربما سمع شخيري الجيران في تلك الساعة.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>قال وما زال مصراً على رأيه:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ ربما إذن كنت قد نمت وتركت المذياع أو التلفاز يقول نشرته الإخبارية فظننت أن ذلك حلماً؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أكدت أن ذلك لم يتم وأن مكان نومي لا يحوي لا مذياعاً ولا تلفازا.ً</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>قام علاء من غرفة الصالون الى داخل البيت محضرا معه جهاز قياس حرارة الجسم الذي اشتراه ليتابع حرارة طفله كلما كان مريضاً، ودسه في فمي. أخرجته وأخبرته أنني لست مريضاً، وأمام إصراري على رؤيتي لمثل هذا الحلم، نصحني بالتوجه للطبيب قائلاً:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ عليك مراجعة الطبيب، ما بك يا رجل؟ أتعتقد أن مثل هؤلاء يقومون بذلك حتى لو في الأحلام؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>كان لوقع سؤاله الأثر المقنع لدي، قلت:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ حاضر… سأذهب في الغد لمراجعة الطبيب.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>فقال مُدركاً مدى صعوبة حالتي:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ ولماذا في الغد؟ خير البر عاجله، هيا بنا الآن، سأوصلك بسيارتي.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>كدت أضحك بدوري، فمن يسمعه يتحدث عن سيارته يعتقدها سيارة حقيقية، رغم أنها تمكث عند الميكانيكي أكثر بكثير من أمام بيته، لكني قلت متحدياً:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ هيا بنا، فقط لأثبت لك أنني أتمتع بكامل صحتي والحمد لله.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong> ذهبنا للمشفى وأجريت تحليلاً للدم والبول، وقمنا بتصوير طبقي للدماغ. لم يكن هناك ما يستدعي الخوف، فكل شيء على ما يُرام كما أكد الطبيب المختص سائلاً عن أسباب هذه التحاليل، فقال صديقي في محاولة للتمويه:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ انه يرى أحلاماً ويعتقدها حقيقة يا دكتور.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>قال الدكتور بعد أن هز رأسه، وأخذ يكتب شيئاً على ورقة أمامه:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ هذا اسم طبيب نفسي موصوف، علاجك عنده وليس عندي.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>من باب &#8220;لاحق العيّار لباب الدار&#8221;، قلت لعلاء الذي بدا أنه يريد التراجع عن وصفته بمراجعة الطبيب:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ هيا يا علاء، لماذا بدأت بالتراجع؟!</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وذهبنا.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><b>كانت صالة الانتظار خالية إلّا من شخص واحد فقط، وانتظرنا دورنا دون حديث تقريباً ما يقارب ساعة كاملة. ثم دخلنا نحن الاثنان، قررت أن أتحدث أنا هذه المرة، فقلت ما قاله علاء للطبيب السابق، لكن بطريقة مختلفة:</b></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ يقول البعض يا حكيم أنني أحلم معتقداً أن أحلامي هي حقيقة.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>فقال الحكيم مشيراً الى صديقي علاء:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><b>ـ وما علاقة هذا الرجل بذلك؟ يجب أن نتحدث نحن الاثنان فقط ، بمفردنا.</b></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>قلت معترضاً:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ أرجوك يا حكيم، أريده أن يبقى.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>رفع الحكيم من أكتافه، وقال:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ كما تريد، لكن هذه المرة فقط.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وتابع:                                                                                            </strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ تعتقد إذن أن أحلامك حقيقة، يجب أن تعلم أن الأمر خطير، ولا بد من أن تكون قادراً على التفريق بين الحلم واليقظة، لكن قبل أن نتحدث في الأمر هل يمكنك أن تُحدثني عن ماهية هذه الأحلام؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong> بدأت أسرد حلمي من جديد، شارحاً واصفاً مستعيناً بيدي لتساعدني في ذلك، والحكيم يستمع باهتمام لكل كلمة أقولها، حتى وصلت الى القول: أنني أردت، كل ما أردت، أن أجد من يُفسر لي هذا الحلم، وأنني لم أطلب من أحد تصديقه.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>كان الحكيم قد أسند ظهره على مقعده المتحرك، وظل يضرب بقلمه برتابة هادئة بطن كفه، وما أن انتهيت من حديثي حتى رمى قلمه على ظهر الطاولة، وقال بعد أن أطال النظر في عيني:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><b>ـ ليتني أستطيع أن أحلم مثل أحلامك هذه، والأهم لو حلمتها أن أستطيع تصديقها. يبدو أننا أصبحنا بحاجة لنصدق أي شيء يجعلنا نظن أننا ما زلنا نحمل بعض بذور الكرامة أو القليل من عزة النفس. اذهب يا بني… احلم كما شئت، لكن حاول أن تجد طريقة لتحول أحلامك الى حقيقة، واحذر قتلة الأحلام والحالمين، كي لا يقتلوا حلمك في مهده.</b></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>قررت أن أظل أحلم ما حييت، حتى لو كانت أحلامي كأحلام العصافير، رغم أنني لم أعرف من الذي عليّ أن أحذره، وخجلت أن أسأل الحكيم عن مقصده، لذا قررت أن أعرف الأمر وحدي.</strong></p>
<p style="text-align: left;"><span style="color: #800000;"><strong>مجلة قلم رصاص الثقافية</strong></span></p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/9661">أحلام العصافير</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://www.qalamrsas.com/archives/9661/feed</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>بعض العشق قد يشفي</title>
		<link>https://www.qalamrsas.com/archives/9577</link>
					<comments>https://www.qalamrsas.com/archives/9577#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[محمد النجار]]></dc:creator>
		<pubDate>Thu, 12 May 2022 17:03:49 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[رصاص خشن]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://www.qalamrsas.com/?p=9577</guid>

					<description><![CDATA[<p>ظلَّ حنَّا يجادلني طوال سنوات، بل يدافع عن هجوماتي المتتالية على ” دينه المُحرّف”، يغضب أحياناً ويحزن أياماً ويصمت معظم الأوقات، كان يأتي بالحجج متهادياً مفسراً مؤكداً على صحة معتقداته في أول الأمر، مثلي تماماً وربما أكثر، وكنت عندما تضغطني حججه وتقيدني تفسيراته أقذفه بحديث نبوي من صحيح البخاري أو صحيح مسلم يفقده توازنه ويعيد &#8230;</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/9577">بعض العشق قد يشفي</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: justify;"><strong>ظلَّ حنَّا يجادلني طوال سنوات، بل يدافع عن هجوماتي المتتالية على ” دينه المُحرّف”، يغضب أحياناً ويحزن أياماً ويصمت معظم الأوقات، كان يأتي بالحجج متهادياً مفسراً مؤكداً على صحة معتقداته في أول الأمر، مثلي تماماً وربما أكثر، وكنت عندما تضغطني حججه وتقيدني تفسيراته أقذفه بحديث نبوي من صحيح البخاري أو صحيح مسلم يفقده توازنه ويعيد الأمور إلى بداياتها، وسط ضحكات صديقنا عاهد، ذلك اليساري الذي لم يشارك أينا رأيه أو حججه يوماً، والذي طالما رمى بوجهينا عباراته الناهية، لتضع حداً لعنادنا، وتوقف عباراتنا قبل أن تتحول إلى كريات من كُرْه، تنمو وتكبر ككريات الثلج عندما تتدحرج، فيضحي الكُرْه سيفاً للذبح بيد الدين، ويصير الدين أداة بيد الأعداء، وطريقاً لهم لاختراق جدران البيوت وتفتيت الإخوّة وتقسيمها، ونكون نحن الوسيلة، كذئاب حيناً وخراف حيناً آخر كما قال.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>قال لنا ذات يوم:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ أنا لا أفهمكما، ماذا يهمكما بماذا يعتقد الآخر، سواء أكان مصيباً أو مخطئاً؟ ماذا يزعجكما في الأمر ما دمتما تعتقدان أن الله مَنْ سيبُت بالأمر وليس أيكما؟ ولماذا يؤرقكما الأمر إلى هذه الدرجة؟ ألا تستطيعان النوم وأنتما مختلفان؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ويتابع بعد أن يسحب نفساً من سيجارته المتقدة اشتعالاً من طرفها البعيد عن فمه:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ ألم تتساءلا يوماً كيف تعايش أجدادنا طوال القرون الفائتة؟ كيف جمعهم الحب والوئام والتزاوج وصلات الرحم والقربى؟ ولماذا لم يقم أحد بطرح مثل هذه الخلافات حتى الأمس القريب؟ لماذا بقينا قريبين من بعضنا رغم اختلاف مذاهبنا وطوائفنا وأدياننا ومعتقداتنا؟ لماذا كان ما يجمعنا أضعاف ما يفرقنا؟ ثم من المستفيد من تسعير هذا الخلاف بيننا؟ بل لماذا ممنوع في بلاد من يُحرضوننا، المس بمعتقدات الآخرين مهما كانت، ومطلوب وضروري في بلادنا تسعير هذا الخلاف؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>كنت أرد عليه كعادتي:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ أنت يساري ولا تؤمن بما نؤمن، فاتركنا نتحاور في أمور دينينا.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>إجاباته كانت حاضرة دائماً، كأنه رتب كلماتها منذ ليال بعد معرفة مسبقة بأقوالي واسئلتي، فكان يقول:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ ألا تلاحظان وكأنكما تأتيان من أجل المناكفة فقط؟ لم نعد نتحدث عن أمور أخرى، ولا أدري بماذا يهمك أو يقلقك بماذا يعتقد الآخر؟!!!</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>كان يجمعنا سوياً عند توجيه ملاحظاته، رغم معرفتنا جميعاً أنني أنا مَنْ كان يلح على مثل تلك الحوارات والأحاديث، يسكت قليلاً ويتابع وكأنه إلتقط فكرة داهمته فجأة كما يلتقط زهرة، ويتابع:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><b>ـ تتغنيان، أنتما الاثنان، بإبداع الله في خلقه، بتنوع هذا الخلق وجمال ألوانه، لكنكما تصران، في ذات الوقت، على فرضية اللون الواحد!!! ألم تدركا بعد أن الله لو أراد الكون لوناً واحداً لكان الأمر عليه أيسر وأسهل؟ لكنه آثر خلق الكون ألواناً متعددة وتضاريس مختلفة وفصول عديدة، فخلق من الحيوانات الآلاف ومن النباتات الملايين وكذلك الحشرات، حتى البشر خلق منهم الأبيض والأسود والأصفر والأحمر وما بينها، والأمر نفسه بالنسبة للديانات، فلو أراد ديناً واحداً لكان له ما أراد، ولجعل منا نسخة كربونية وأنهى الأمر، لكنه أراد ديانات وأفكار ونظريات عديدة ومختلفة.</b></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>قلت وقد استفزني حديثه:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ لكنك لا تؤمن بكل ذلك، ناهيك عن الإيمان بالله، وأنا لم أرك يوماً تمارس الطقوس الدينية والعبادات.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>قال بكل هدوء، وكأن ما قلته لم يستفز شيئاً فيه:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ ليس من شأنك بماذا أؤمن أو بمن، وأنا لا أعرف من أعطاك الحق بمراقبة قلوب البشر والحكم عليها أيضاً، والأكيد أن الله لن يُميزك عني كونك تُصلي وأنا لا، فكما أعلم أن الدين معاملة، أليس كذلك؟ ورغم ذلك عليك أن تعرف أن اليساريين لا خلاف لهم مع الله، خلافهم مع مَنْ يستغل الله ويجعل منه أداة استرزاق، مادة يضحك بها على بسطاء الناس، فيحول الخالق من عادل إلى تاجر، خلافهم مع مَنْ يجعل المظلوم يرتاح لظلمه، يستأنس بعبوديته ويستسلم لها، وبدلاً من أن يستنهض الثورة فيه يربطه بحبل الخنوع والاستزلام والذل، منتظراً الموت ليدخل الجنة، ليأكل ويشرب ويمارس الجنس وينام، ليعوض ما ينقصه في الدنيا، بدلاً من أن تكون الجنة مكان الثوار البررة، الذين لم يقبلوا الذل ولا المهانة، الثائرين أول الأمر على “أولي الأمر”، من حكام الظلم والجهالة والفساد، فتكون لهم الجنة ليرتاح الجسد وتهنأ الروح.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الأمر الآخر وكأنك يا صديقي تتناسى أننا، نحن اليساريون، أبناء هذا المجتمع، بإيجابياته وسلبياته، تاريخنا من تاريخه ومستقبلنا من مستقبله، لذلك لطالما روت دماؤنا أرضه، وظل لحمنا على جدران زنازينه، وكنا السباقين في الحوض عن كرامته، فهل تُنكر؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>حواراتنا تلك جردت علاقة صداقتنا من قوتها، فوهن عودها وضعفت أوراقها وتساقطت ويبس ساقها، وصارت لا تحتاج إلّا لمن يهز جذرها ويقتلعها من جذورها، فتباعدت لقاءاتنا وصارت تعتمد على المصادفات، وسرعان ما صرنا نتجنب حتى تلك المصادفات كي لا نحرج أنفسنا، الأمر الذي جعلني أعيد الأمور برأسي مجدداً، فوجدت أنني أنا من كان يختلق الحوارات، وأن حنّا كان في معظم أوقاته مدافعاً وليس مهاجماً، ورأيتني أخال نفسي كرجل مدجج بالسلاح يهاجم إنساناً أعزلاً، ورغم كل محاولات تبريراتي رأيتني لا أستطيع الإجابة على سؤال عاهد الجوهري:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ ما الذي يقلقني ويربكني ويضج مضجعي في إيمان حنا ودينه، سواء أكان صحيحاً أم لا؟ وكيف استطعت التدخل في صلاحيات الخالق؟ ومن الذي أعطاني هذا الحق؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لكن وكما يقول المأثور الشعبي إن ” الكُفْر عناد”، فإنني رأيت في تراجعي ضعفاً وفي اعتذاري هواناً، وفضلت بتر العلاقة على الاعتراف بذنبي، وعليه قررت مع نفسي أن لا أتراجع قيد أُنملة حتى لو افترقت طرقنا وتشظت علاقتنا في الهواء نتفاً.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أحداث واقعنا ظلت كالعادة تجعل للطرق المتباعدة تقاطعات لا يعرف أحد كيف جاءت ولا من أين، وصرت أشاهدهما سوياً جيئة وذهاباً، وكنت أعلم أن سر قربهما أنهما لا يتناقشان ولا يتجادلان في المعتقدات، أو المحرمات كما أسماها عاهد، تماماً كما كنا سابقاً قبل أن تقتحمني مشاعر الكُرْه التي لم أعهد لها مثيلاً في حياتي أبداً، أو مشاعر “عشق اللون الواحد” كما سماها عاهد، وأضاف:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ حتى إنك لم تحسن اختيار اللون، فاخترت الأسود الدامي الذي لا شفاء منه دون نفي الآخر والقضاء عليه، وصولاً للقضاء على الذات أيضاً.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>كنت أذهب للصلاة في الأقصى عندما أغلقه “بني صهيون” في وجوه المصلين، وكنت أرى نفسي كالأعراب “أشد كفراً ونفاقاً” لو لم أفعل ذلك، ولم أتخيل مسلماً مؤمناً لا يحوض عن أحد أقدس المقدسات الإسلامية، المسجد الأقصى، وكان الجند يمنعوننا ويهاجموننا بكل ما لديهم من عدوان وكراهية، فكنا نتجمع ونصلي على أبواب البلدة القديمة، على باب الأسباط وباب الخليل وباب الساهرة، وعلى مدخل باب العامود ودرجاته، وفي طرقات القدس القديمة القريبة من ساحات المسجد الأقصى، وأحياناً على باب كنيسة القيامة نفسها، والجند يحيطون بنا من كل جانب، وكنا نتكاثر على أبواب كل صلاة، بل ودون مواعيد الصلوات، ساعة بعد ساعة ويوماً بعد يوم، وكلما زادت أعدادنا تصاعدت في دواخلنا طاقات لم نعهدها من قبل، وتزايدت قناعتنا بحتمية انتصارنا، الأمر الذي كان يمدنا بطاقة جديدة متجددة لم نعهدها من قبل، فكنت أحمد الله على “نعمة الإسلام” التي أنعم بها علينا، وتجليها بهذه الزيادة البشرية المستمرة، حيث الناس نهر متدفق متتابع، يزداد في كل لحظة وكأن أمطار الدنيا تصب في مجراه وحده، وتوسع نبعه وتدفقت مياهه لتغطي ساحات القدس جميعها وشوارعها وأزقتها.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><b>كنت قد تهيأت للصلاة في باب الأسباط، بعد أن وصلت متأخراً قليلاً بسبب حواجز قوات الاحتلال، وتفاجأت بهما الاثنان، حنا وعاهد، يصطفان مع بقية المصلين، حنا يحمل صليبه وكتابه المقدس، يقوم بشعائره وسط صفوف المسلمين، يقرأ في سره من الكتاب وتقوم يداه بالتصليب، وعاهد يسجد ويركع ويصلي كالبقية، كدت أكذب نفسي، وأتهم عيني بالعمى، وخجلت لأعيد النظر مرة أخرى نحوهما، وصليت وركعت وسجدت وأنا مشغول البال سارح الذهن، ولا أعرف إن كان الله سيقبل صلاتي تلك أم يرفضها لكثرة ما تشابكت في رأسي التساؤلات والأفكار، ولم ينقذني من أفكار رأسي سوى قنبلة غاز انفجرت بين يدي وأنا أهم للسجود، فأوقفتْ سجودي وأفكاري وأغرقتْني في بحر من السعال حتى الإغماء، أفقت بعدها بوقت لا أعرف مدته على بصلة فلقها عاهد بيديه القويتين ووضعها على أبواب أنفي، وأنا أريح رأسي بين يدي حنّا، لا أعرف الشعور الذي داهمني، كانت تتدفق دموعي كينبوع، ليس بفعل الغاز وحده الذي داهمهما قبل حين، ومرت حواراتي العقيمة كلها دفعة واحدة أمام وجهي، أليس هذا الذي عاديته بسبب دينه؟ أليس ذلك الذي قاطعته بسبب معتقداته؟ وما هي ميزتي عنهما؟ ومن يعلم إن كنت أقرب منهما إلى الله؟ وقلت سائلاً:</b></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ أنتما؟!!!</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>قال أحدهما، ولم أميز صوت مَنْ منهما بالضبط:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ أكنت تعتقد أن الوطن لك وحدك؟ دينك ومعتقدك لك، لكن الوطن لنا جميعاً.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ولا أعرف ما الذي ذكرني ببعض كلمات عاهد البعيدة، عندما كان يكرر:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><b>ـ إن العشق يا عزيزي إله، إله واسع الأفق ورب كبير، يحب القمح والربيع والألوان والزهور على اختلاف ألوانها، وأكثر من ذلك يمنح الحياة، ولمّا تستعصي قدماك عن حمل سنوات عمرك أكثر، وتتيبس العروق في جسدك، وتضيق على دمك الطرق والأزقة ليصل لكامل أنحاء جسدك، فيبهت الجسد ويصفر لونه كأوراق شجرة في طريقها إلى الانتحار، يمنحك السكينة والهدوء والطمأنينة، ويحملك على أكتافه ليمنحك حياة متجددة أخرى.</b></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>كان يتحدث سارحاً بعيداً متأملاً في ملكوته الخاص، عيناه تنظران وراء الأفق، ويتابع قائلاً:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ كل ذلك مشروط بأن تكون عاشقاً… فهل تفعل؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وسرعان ما صحح له حنا:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ تقصد فهل تقدر؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><b>حملاني إلى خارج الازدحام، ابتعدا عن دوريات الجيش التي ظلت تعتقل الجرحى وتنهال بالعصي على كبار السن كونهم لا يستطيعون ذلك مع الشباب الذي ظل يزداد تصميماً، وحجارته تهزم رصاصاتهم، وكنت أتساءل دون صوت، كم من هؤلاء لا أعرفهم بين جموع المصلين لا يحملون إنجيلاً ولا يبوحون بمعتقدات؟ وكيف استطعت الحكم على هؤلاء الناس ومعاداتهم؟ وأدركت حينه بالذات أن الله أنعم على كل منا بدينه أو بمعتقده أو بمذهبه، بغض النظر عن ماهيته، لكن ظل سؤال متمرد يقف أمامي مثل مارد متحدياً:</b></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ هل كنت سأدافع عن “كنيسة حنّا” لو تعرضت للخطر؟!!! وهل كنا سنفتح مساجدنا ليقرعوا منها أجراسهم كما فتحوا لنا أبواب كنائسهم للآذان وإقامة صلواتنا وطقوسنا الدينية؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ولاحقتني الأسئلة وتابعتني، ووجدتني لا أستطيع التخلص منها وهي تدق جدران جمجمتي، ووقف أمام عيني السؤال الأكثر خطراً ومباشرة ينتظر جواباً:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ هل كنت أستطيع حمل السلاح في وجه صديقيّ حنا وعاهد، بسبب دين أحدهما ومعتقدات الآخر، في ظرف مختلف؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أربكني الأمر إلى درجة الشلل، فعجز لساني عن النطق، وكبّلتْ عقلي أصفاداً من حديد، ولأول مرة أشعر بثقل القيد على العقل واللسان، وحاولت مطاردة السؤال وإبعاده الى الجحيم بعيداً، لكنه ظل يزنّ في تلافيف رأسي مثل ذبابة لا تهدأ، تغيب وتغيب لتعود وتحط على ذات المكان، ولأول مرة أفشل في طرد سؤال يلاحقني ويطاردني مثل بضعة جنود، مدججين بالسلاح، يحيطون بي من كل جانب ومكان، في تلك اللحظة بالذات أدركت كم أنا بحاجة لبعض العشق، وأن بعض العشق قد يشفي.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>التقينا بعد ذلك، كنت قد بدأت أعود إلى ذاتي، ويعود إليّ صوابي، ووجدتني أقتحم عليهما وحدتهما، أعبث بخلوتهما وأرميها بعيداً، تماماً كما كان يفعل كل منا من قبل، ولم أتركهما اثنين قط، بل زرعت نفسي معهما لنصير ثلاثة، مدركاً أنه حتى “الموت مع الجماعة رحمة”، وأن الجمع مهما كان قليلاً يبقى جمعاً، وهو، في معظم الحالات، خير من المثنى وربما أجمل.</strong></p>
<p style="text-align: left;"><span style="color: #800000;"><strong>مجلة قلم رصاص الثقافية</strong></span></p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/9577">بعض العشق قد يشفي</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://www.qalamrsas.com/archives/9577/feed</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
		<item>
		<title>أبعد من الحياة</title>
		<link>https://www.qalamrsas.com/archives/9412</link>
					<comments>https://www.qalamrsas.com/archives/9412#respond</comments>
		
		<dc:creator><![CDATA[محمد النجار]]></dc:creator>
		<pubDate>Sun, 13 Feb 2022 11:46:25 +0000</pubDate>
				<category><![CDATA[رصاص خشن]]></category>
		<category><![CDATA[فلسطين]]></category>
		<category><![CDATA[قصة قصيرة]]></category>
		<category><![CDATA[مجلة قلم رصاص الثقافية]]></category>
		<category><![CDATA[محمد النجار]]></category>
		<guid isPermaLink="false">https://www.qalamrsas.com/?p=9412</guid>

					<description><![CDATA[<p>أقول لك مقسماً أنني لا أعرف السبب وراء ترددي وتكرار ذهابي، ربما هي رتابة الحياة، بؤسها، شقاؤها، أو مجرد حق الجيرة، هي التي كانت تأخذني لبيت الحاج عمران وزوجته الحاجة مريم، أو إلى &#8220;المضافة&#8221; كما يسميها سكان المخيم، فيسأل بعضهم بعضاً: ـ أذاهب إلى الديوان اليوم؟ لم يقصد أيهم الإساءة لاسمح الله، بل كله من &#8230;</p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/9412">أبعد من الحياة</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></description>
										<content:encoded><![CDATA[<p style="text-align: justify;"><strong>أقول لك مقسماً أنني لا أعرف السبب وراء ترددي وتكرار ذهابي، ربما هي رتابة الحياة، بؤسها، شقاؤها، أو مجرد حق الجيرة، هي التي كانت تأخذني لبيت الحاج عمران وزوجته الحاجة مريم، أو إلى &#8220;المضافة&#8221; كما يسميها سكان المخيم، فيسأل بعضهم بعضاً:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ أذاهب إلى الديوان اليوم؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لم يقصد أيهم الإساءة لاسمح الله، بل كله من باب الدعابة والفكاهة التي ميزت سكان مخيمنا. كنت أُكثر من التردد، ليس لإضاعة الوقت طبعاً، فمقهى المخيم أوسع بكثير وأكثر رحابة، بل أظنني كنت أذهب طرباً لسماع كلماتهما في الحياة وعنها. الحكمة يمتلكها بعض الناس كهولاً، لتجد نفسك أمام كنز ثمين لمّا يفتحا خزائن أسراره، وتصير الجواهر تتناثر من شفتيهما حتى تملأ البيت كله. ولك أن تغرف منها ما طاب لك دون مساءلة أو حساب، فتجدني وقد جلست فاتحاً فمي مُرخياً أذنيّ للملمة كل ما يتناثر من أفواههما.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>رغم أنهما لم يصلا يوماً لصحاري المملكة ولم يغرقا في جهنم صيفها، بل لم يعبرا أكثر من نهر الأردن طوال حياتهما، أصر الناس على إلباسهما ثوب الحج. ربما لتوالي تدحرج السنوات فوق كتفيهما دون توقف، أو من باب احترام الكبير الذي تعودنا عليه، وربما لأشياء أخرى لا أعرفها.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>الحاج عمران وزوجته، وإن كانت لا تخرج القبيحة من فم أي منهما، لأي شأن أو إنسان، فقد كانت تخرج القبيحة والأقبح منها، منهما معاً عندما يتعلق الأمر بحكام العرب، وأقبح القبائح عندما يأتي الأمر على القيادة الفلسطينية. كان طبيعياً جداً أن تسمع بعض الكلمات النابية التي لا تروق للمسحجين والواقفين مادّين أعناقهم بانتظار مخالي العلف، والذين إمتنعوا بمحض إرادتهم عن التردد على البيت ـ المضافة أو الديوان، خوفاً من أن تحوم فوق رؤوسهم شبهات المعارضة، فيصبحوا على زياراتهم نادمين. لمّا سألته ذات يوم عن سر غضبه هذا على &#8220;معشر&#8221; الزعامات، رغم الهدوء الذي يغمره فيما تبقى من شئون، قال:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ لا مجال للمهادنة يابني في مستقبل الأوطان.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>قالت هي، بالأمس بالذات، عندما رأت الرئيس، يبعث بباقات الورد الحزين لهم، من على صفحة تلفازهما القديم، ودموع الأسى تنهال من تحت جفونه شلالاً. تنزلق الكلمات الغاضبة من خلف أسنانه على المنفذين، مواسياً حكومتهم معتذراً لها عن عملية الأمس الفدائية، واصفاً الشبان الذين حاولوا من خلالها إعادة الأمور إلى طبيعتها قبل أن يصعدوا نحو السماء، بالإرهابيين، دون أن يرف له جفن:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ &#8220;يا شايف الزول يا خايب الرجا&#8221;، يبقى النذل نذلاً، هؤلاء حسموا أمرهم، و&#8221;ذيل الكلب لن يعتدل حتى لو وضعته بألف قالب&#8221;.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>بالنسبة لي، ما قالاه الإثنان كله سياسة، ومهما تعددت الأسباب واختلفت التسميات تظل السياسة خادعة خطرة ملعونة، تسقي الذل وتجلب المعضلات وتذهب بالحياة. أنا بطبعي أحب الحياة وأقبل عليها مثل النحلة على رحيق زهرة، بقدر كرهي للسياسة والسياسيين. ازداد هذا الكره بعدما استقرت رصاصة في رأس أخي صالح أثناء مشاركته في إحدى المظاهرات، فدثّرناه بالعلم وحملناه على الأكتاف وأهلنا التراب فوق شبابه اليافع، وغيّب السجن أخي حسن منذ سنتين ولسنين طويلة قادمة. الأهم كوني رأيت بأم عيني كيف أحضرت قيادتنا معها الموبقات كلها منذ قدومها، على حين غرة، فوق أجنحة &#8220;أوسلو&#8221;، ودلقتها مياهاً قذرة فوق البلد والناس. فحولت الوطن إلى مبغى بإشرافها وتحت قيادتها، وجعلت من البلاد إقطاعيات لها تُباع وتُشترى تحت ذرائع ومسميات شتّى. صارت الوطنية لباس ذئب لمهاجمة كل معترض، وتغيَّر اتجاه مجرى نهر الدم إلى جيوبهم مالاً، فصارت الأرض تُهرّب &#8220;لليهود&#8221; من خلال جماعتهم الموزعين في كل الأماكن الحساسة، بما فيها بعض رجالات الدين عرباً وأجانب، أو عبر القادة أنفسهم الذين يستبدلون الأراضي من أ إلى ب إلى ج، أو من خلال سماسرة أو عملاء يتبوأون أعلى المراكز ضمن صفقة اتفاق بينهم وبين السلطة. كلمّا فتّحت عيني أكثر رأيت كيف يتساقط بعض من كانوا مناضلين كأوراق الخريف في سراديب التنسيق الأمني، ويصيروا عبيداً لمعاشات المحتل وعلف الصحراء، أو لفتاوى شيوخ القهر والجهل والتحريم على حساب الناس والوطن. لذلك ربما وجدتني أنتشي عندما أسمعهما يقذفان الحكام والسلطة بأشد العبارات قبحاً. لما كانت الحاجة مريم تراني فارغ الفيه منتشياً، كانت تستل لسانها السليط وتتوجه نحوي مقتربة من أذني قائلة:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ إعمل شيئاً ينتفع به الناس بدلاً من فتح فمك &#8220;على الغارب&#8221; هكذا؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>يكمل هو متحدثاً بالعام ودون تخصيص:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ الله لم يخلق الفم &#8220;لزلط&#8221; الطعام فقط، وإلا لكنا مثل باقي البهائم، لسانك يابن آدم حصانك، &#8220;إن صنته صانك، وإن خنته خانك&#8221;. صُنْه عن جلد الناس، واجلد به ما استطعت مَنْ يستحق الجلد. لكن لا تُبقه نائماً في فمك منبطحاً مستسلماً مقهوراً صامتاً، ممنوعاً من قول كلمة الحق خوفاً و جبناً أو طمعاً، فالحياة واحدة والرب واحد، و&#8221;لن يخلع الرأس إلا مَنْ ركّبه&#8221;.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>سكت قليلاً قبل أن يكمل ما بدأه:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ إن خفت أن يخذلك لسانك ويظل متقاعساً عن جلد مَنْ يستحق الجلد، إقتلعه وارمه بعيداً، فذلك أشرف بكثير.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لما كنت أغمز من وضعهما بكلمتين وبسمة هازئة من فمي معلقاً:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ ماذا عليَّ فعله ياحاج عمران؟ ثم أعمل لماذا؟ ألا ترى كيف يبيع البعض الأوطان والبعض الآخر يبيع مناضليه ويتركهم لمصيرهم؟ ألست مثالاً أمامنا؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>كان يرد عليَّ مدافعاً قائلاً رغم كل الذي أصابه:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ لكن من تقصدهم لم يبيعوا وطناً، هم ليسوا ملائكة على أي حال.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>كنت أرد وكأنني في جدال عليّ إثبات وجهة نظري من خلاله:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ ربما لم يبيعوا الوطن لأنهم لم يمتلكوا حرية التصرف فيه كالآخرين؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>قال حينئذٍ وقد قطّب جبينه غاضباً:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ ربما لدى الجميع أخطاء، لكن لا تُفلسف عجزك وتبرر قعودك باتهام الناس، فليس الجميع مثل هذه السلطة العاجزة البائسة، والمأثور الشعبي يقول &#8220;إن خلَتْ بلَتْ&#8221;، ولن تَخْلو قضيتنا أبداً من المدافعين عنها والذائدين عن حياضها أفراداً وأحزاباً وجماعات. إنّ نهر الدم لن يتوقف عن سقايتها، رغم كل محاولاتهم لتحويل مجراه، وهؤلاء &#8220;طلعوا أو نزلوا&#8221; يبقون أفراداً سيبصق عليهم الشعب ويغيّبهم التاريخ في مزابله، سواء من باع القضية أو باع الشعب أو تخلّى عن المناضلين، لكن لن يتم ذلك بغير العمل الجاد الدؤوب المتواصل، من الجميع، أتفهمني؟ الجميع ما أمكن ذلك.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>كنت أعرف أنه رجل مُكابر، وأنه لن يعترف بمرارة تاريخه أمام شاب مثلي، ولا كيف رموه خارجهم دون وجه حق، وكيف ظل سنوات يعتاش على كرت وكالة الغوث، بعد أن كان عاجزاً عن العمل بسبب بطاقته الخضراء. يستغني مجبراً عن بعض تموينه فيبيعه ليشتري بعض حاجات أخرى. مرة يبيع الأرز ومرة جزءاً من الطحين وثالثة بعضاً من الزيت ليشتري مكانها مادتي الشاي والزعتر، التي كانت أهم مقومات بقائهما. صار يتردد عليه أصدقاؤه من المخيم، وبعض أفراد عائلته، حاملين معهم بعض الضروريات، حالّين بذلك، لبعض الوقت، أزمته تلك. ظل الأمر كذلك حتى وجد له بعض الأصدقاء عملاً في توزيع القهوة والشاي على العاملين في مكتب لوكالة الغوث.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ظل الحاج عمران صلب الرأس كصخر جبل النار في تلك الظروف بالذات، ولم يتنازل قيد أُنملة عن أيّما فكرة أو رأي طالما يتعلق الأمر بالمبادئ. لطالما تذكر سنوات السجن وتمناها في ظروفه تلك، وكم رافق الجوع معتصراً معدته كي تتوقف عن الصراخ. رغم ذلك ظل تفكيره منصباً على الحاجة مريم، زوجته، التي لا تشكو ولا تنبس ببنت شفة، كي لا تزيد بؤسه بؤساً وحزنه غضباً وكفراً، معتبراً نفسه السبب في بؤس حياتها، وأنه هو نفسه العذاب الذي يأكلها وتحاول جاهدة إخفاء آلامه.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>قيل أن الحاجّين عاشا قصة حب نادرة، حب إلى درجة الهوس أو الجنون وفقدان البوصلة، الأمر الذي عارضه الحاج ونفاه، وأسماه حباً طبيعياً غير منقوص، حب إتجاه بوصلته واضحة لا لبس فيها ولا عَمَيان بصر أو بصيرة. بل ظل يؤكد أن لا حب دون وضوح الرؤى، وأن الحب ،كباقي الأشياء في هذه الحياة، لا يبقى على حاله، لأن في جموده الموت. بل يكبر ويتمدد ويتفرع، ليغطي الأرض والسحب وأركان السماء، فيزهر ويورق ويبرعم، ويلد الورد والعطر والقمح والربيع والحياة. تسقيه أنهر الأرض وينابيع السماء، فيسمو ويكبر ويزهر ويثمر عشقاً، ونحن لسنا أكثر من اثنين من العشاق لا أكثر ولا أقل.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>كما أنهما لم يُرزقا بأطفال طوال حياتهما، وقيل أن الحاج عمران رفض الزواج بغيرها أو &#8220;تسريحها بإحسان&#8221;، بل رفض حتى نقاش الأمر خارج نطاقهما وحدهما. أكثر من ذلك، قال بعض أترابه، أنه ادّعى أن &#8220;العيب فيه هو وليس فيها&#8221;، ليحميها من كلام الفضوليين، وليوقف تكرار جَلْدها بألسنتهم الحادة. لقد وضع نفسه لقمة سائغة جاهزة لهم، ليلوكوا لحمه ويمضغوه طويلاً، ورغم ذلك، فهو يحمد الله ويشكره على تحملها له، فأي امرأة ترتضي الحياة مع زوج دون أطفال كما ظل يردد؟. الجميع كان يعتقد غير ذلك، ولمّا تقوَّل البعض أن الحياة دون أطفال ليست سوى صحراء جرداء قاحلة خالية من المطر والشجر، أكد هو الموضوع ولم ينفه، وقال:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ هذا صحيح، هل تعتقدون أنني لم أنجب؟ هل هناك بيت واحد في كل المخيم يعج بالحياة مثل بيتي؟ ومن كل الأجيال أيضاً.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وهكذا كان، لم يخل بيته يوماً من الناس، بل كان يتفوق على عدد وافدي مسجد المخيم في الكثير من الأحيان، وإن كان الناس بعد الانتهاء من الصلاة سرعان ما يغادرونه، لكنهم كانوا يستصعبون مغادرة بيت الحاج عمران، فيبقون ويسهرون ويتسامرون ويتحاورون ويشتمون السلطة والحكومات حتى آخر الليل. حتى أن المقهى الوحيد في المخيم كان يغلق أبوابه قبل أن تنطفئ فوانيس بيته. الأمرالأكثر غرابه أنه لم يشكُ يوماً، بل كأن الأمر يبدو على قلبه &#8220;أحلى من العسل&#8221;، ويشعرك دوماً أنه متأسف على مغادرتك.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ظلّا كل منهما سنداً للآخر، مترافقان في المنزل والسوق والطريق، لا يكاد أن يرى الرائي أحدهما دون الآخر، إلا في سنوات سجنه قبل أعوام طوال، حين لم تنقطع عن زياراته أبداً. لم يمنعها مرض أو حر صيف أو برد شتاء، إلا حين كان الإحتلال يجبرها على الغياب ويمنعها بشتى الأعذار، أو يتأخر باص الصليب الأحمر عن الحضور، حين لم تكن تملك أجرة الطريق، فتجدها مشغولة القلب حائرة، تفرك أصابع يديها كأنها قد فقدت عزيزاً. تظل حتى يحين موعد الزيارة القادمة، فتجد أساريرها تنفرج، تعود الحياة لمحياها من جديد. في كل زيارة كانت تسند والديه، ولا تنسى أدويتهما ورغيفي خبز وبعض المياه لتسدّ بها رمقهما، وتطرد هجومات العطش المتكررة على العجوزين طوال ساعات النهار.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لم يخجل الحاج يوماً من مساعدتها في أمور البيت، من طبخ وكنس وتنظيف، وفي الوقت الذي عاب عليه الكثيرون، صاروا يرون الأمر عادياً جداً بعد ذلك. صرن نسوة المخيم يشرن له بالبنان كمثال لرجل حقيقي، وقمن بثورات في بيوتهن، فصار الكثير من الرجال يتبعوا خطواته وإن كانوا في البداية مُجبرين، فأقل كلمة كانت تخرج من أفواههن لبعولهن عندما يتذرعون بأن هذا ليس عملاً لرجال، كن يسألْنهم قائلات ثائرات:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ وهل أنتم أكثر رجولة من الحاج عمران؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وأحياناً يستعملن كلماته رصاصات في وجوههم:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ ليس من الرجولة بشيء أن تترك زوجتك تقوم بشئون البيت وأنت جالس، مثل شوال، تتفرج على تعبها. إنه استغلال مقيت وليس رجولة.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>بماذا سأخبرك بعد؟ أرى أن الموضوع استثار فضولك، على أية حال سأقول لك كل ما أتذكره عن هذين الزوجين، فأنا وحدي لن أستطيع الإحاطة بهما، وصدقني لو قلت لك أن المخيم كله غير قادر على ذلك.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>يقول بعض أترابه أنهما تعارفا من &#8220;خلال لجان العمل التطوعي&#8221; الذي كانا من مؤسسيه في السبعينات. بمحض الصدفة تشاركا في جَدِّ نفس شجرة الزيتون لأحد الفلاحين الفقراء. تقابلت عيونهما في منتصف الطريق لمّا نظر كل منهما ليرى زميله، فتوقفت عن رؤية أي شيء آخر للحظات، وساد الجمود والسكون كل شيء محيط، وتوقفت الأرض عن الدوران، وتوقف الجسدان في مكانهما دون حراك. حالة من التجمد اللحظي سكنتهما فأصبحا صنمين في هيئة بشر، وعلا ضجيج قلبيهما حتى كاد أن يكشف أمرهما، كأنهما صنمان بقلوب عامرة حية. عادت الأرض إلى حركتها، وتفلّت شيء من بين شفتيها، وبعد جهد وطول محاولة ولدت ابتسامتها. إبتسامة أمام نهر من الدم كان قد تجمد في عروقه، فحركت النهر وفاض على وجهه وكساه بحمرة الخجل مثل فتاة. عادت لجسده الحياة، وظلت ابتسامتها معلقة مجمدة فوق وجهها، قبل أن تبتلعها وتخفي ملامحها، لكنها كانت دون أن تدري قد شجعته على الكلام. همس بشيء من صدره، وحياها بحركة من رأسه، تلقفتها وردت التحية بمثلها في ذات اللحظة، وتابعت أيديهما الحركة والعمل، وظللت خجلهما شجرة الزيتون، ووفرت لهما غطاء من العيون المتلصصة. عادت النظرات بجرأة أكبر، وتمادت وتكررت وتشابكت وتعانقت وصار من الصعب عودتها إلى مكانها، ولا حتى فك نسيج خيوطها. سرعان ما صارا ينتظران يوم الجمعة ليتراءيا في عمل تطوعي جديد، عبثاً كانت تحاول إخفاء ارتباك جسدها، أو حتى لملمة انتفاضته. مرات شعرت أن قلبها ينتفض متفلتاً لمغادرة الجسد، تكاد أن تفشل في تهدئته وإرجاعه الى مكانه. صارا يقرآن لتكون لمشاركتهما معنى في الحوارات الثقافية المعقودة على هامش العمل، وربما ليُري كل منهما الآخر أن الرأس الذي بين كتفيه ليس فارغاً، وأن لديه ما يقوله ويختزنه. في يوم ما بعد سنة، أخبرها بمكنون قلبه الذي كانت تعرفه، لكنها شعرت بسعادة رغم ذلك. صارا يتقابلان في المكتبة العامة، يقرآن ويتناقشان مع الآخرين، ويسترقان بعض ساعات للتمشي في الشوارع اليقظة، والتي لم تخبر أحداً عن أسرارهما شيئاً. لم يكونا قد أدركا بعد أن العمل التطوعي يمكن أن يُحرض دورية الجيش ومخابراته عليه ويرشدهم إلى بيته، إلا عندما رأى تلك الدورية أو مشابهة لها تقرع بعنف باب منزله، ولن ينسى الحاج عمران ماذا قال له ضابط التحقيق حينئذٍ:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ مَنْ لديه الإستعداد لخدمة الناس والمجتمع تطوعاً في الكنس والمسح وجدّ الزيتون، بالتأكيد سيجد لنفسه متسعاً لعمل أشياء أخرى لخدمتهم، أكثر خطورة وبالكثير من السريّة.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>حاكموه سنتين أو ثلاث، لا أعرف بالضبط، الأمر الذي عمّق في صدره إيماناً لم يكن بهذا القدر من قبل، ولما خرج لم يفكر بالجلوس جانباً، كأنه يحث الخطى على الرجوع إلى السجن، وقد قال لمن حذره من مخاطر ما يقوم به:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ ما دام لا طريق للعودة إلا عبر الرجوع للسجن، فليكن، وهذا أضعف الإيمان.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>منهم مَن فهم ومنهم مَنْ لم يفهم مقصده، لكنه رجع محكوماً بسنوات طوال، مات أبواه دون أن يراهما، وكانت هي الحاجة مريم من قامت بواجب دفنهما كما قامت بواجب رعايتهما في حياتهما، وتابعت مهنة التطريز لتعتاش في سنوات غيابه.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>مرت على كل ذلك سنوات وسنوات، وصار المخيم يظل يجتمع في بيتهما، وكان نتاج عملهما يقدمانه سعداء للمخيم وأهله، ولم يعرف أحد لماذا تخلّى عنه أقرب رفاقه إليه، حتى هو نفسه لم يعرف ذلك. بعض المخيم يقسم أن الموضوع موضوع مصالح، وأنه كان ضد أوسلو وجماعتها وبعضهم دخلوه بأرجلهم بطرق وأساليب مختلفة. وظفوا معارضتهم في خدمة مصالحهم، وأكد هذا البعض، أن المصالح عندما تتعارض لا يبقى للعلاقات الرفاقية والإنسانية مكان، وتُخان المبادئ وتُنكّس راية الأوطان لتحقيق مصالح الذات وشئونها.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>لا أعرف لماذا أثرثر لك بكل ذلك، ولا أعرف لماذا لا يتوقف لساني عن الحديث، وها أنا لم أُجبك بعد كل هذه الثرثرة على مبتغاك، كيف حصل ذلك؟</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>أظن أنني لم أخبرك بعد أنني والكثيرين بقينا ساهرين في بيتهما لوقت متأخر من مساء يوم أمس، بل داهمنا الفجر قبل أن نخجل من إطالتنا المكوث وننسحب إلى بيوتنا، وكيف كانا، الحاج وزوجته، في قمة سعادتهما. لأول مرة أرى كيف تكون السعادة نبعاً من الصدق ينساب كالعرق من مسامات الجسد، وكيف يكون الوفاء بحراً من مشاعر صادقة، ويتدفق الحب نهراً من ماءٍ زلالٍ باردٍ في يوم قائظ. كيف يمكن أن تكون الكلمات نسائم طائرة تمر على الأجساد لتمحو بيدها عرقها وجحيم ريحها الخماسيني، وكيف تكون الزغرودة تعبيراً عن كل هذه المشاعر مجتمعة، عندما أطلقتها الحاجة مريم محتفلة بالعملية الفدائية الأخيرة. كيف يمكن لكهل أن يعود مراهقاً في لحظات، يُزجل ويدبك ويغني الميجنا، ويوزع بنفسه الشاي والعصائر وحتى السجائر التي اشتراها بآخر ما يملك من بقايا نقود، وعندما يجلس على كرسيه ليرتاح يقول:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ الآن، لو جاء &#8220;عزرائيل&#8221; سأستقبله بالترحاب غير آسف.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>سمِعَتْ زوجتي همسها دون أن تبتلع ابتسامتها:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ لا قدّر الله، &#8220;الشر بره وبعيد&#8221;.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>على غير عادتهما، تراءى لي عجوزان ثرثاران يتعاملان كثملين أحمقين، يحتفلان كشابين مراهقين بعملية فدائية. إعتقدت أنه نوع من فقدان التوازن، أو ربما خفة الكهول عندما يفقد العقل وزنه وتطغى عليه العاطفة بكل جبروتها.لكني أحجمت عندما رأيت الجميع مثلهم، يكادوا يموتون فرحاً وكأن هذه الفلسطين كلها ملك خالص لهم، وأنهم استعادوها أو على وشك، ببحرها ونهرها وأرضها وبحيراتها. كأن مرج ابن عامر يعيد الاصطفافات على مداخل حيفا، وعكا تسنّ مدافعها ويرتفع بنيان سورها شامخاً متأهبة لقتال، والكرمل اعتلى نفسه ليراقب آفاق السماء البعيد حراسة لهم، والشعب استعاد نفسه وامتشق الحجارة، وأن رجالات التنسيق الأمني و&#8221;أبطاله&#8221; لفظتهم مدينة رام الله خارج الحدود، وغزة جهزت صواريخها &#8220;العبثية&#8221; لتكون في حالة استعدادها القصوى، وجنود المقاومة المرابطة في شمال الوطن قد اعتلت مناطق الجليل.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>كنت أرقب الجميع كيف يحملون أفراح قلوبهم وينشرونها ابتسامات وضحكات وأفراحاً وغناء، ولَجَمَتْ أفكاري زغاريد زوجتي التي كانت تُكمل ما ابتدأته الحاجة مريم وتضيف عليه أحياناً، زيادة في احتفائها بالأبطال الذين اعتلوا السماوات شهداء. لأول مرة أشعر أنني أخاف النظر في عيني زوجتي كي لا تقرأ أفكار رأسي وتكشف أمري، فرأيتني حذراً من كشف سرّي وسط هذا البحر من الفرح والغبطة. أتستطيع أن تدرك مدى شعوري وأنا أخاف فرحتهم أو أخشاها أو أتجنبها؟!!! أتستطيع تصور جبني وضحالتي وأنا أخ شهيد وأخ أسير؟ أتتخيل أني ما كنت أعرف حتى يوم أمس بالذات قيمة أن تكون أخاً لشهيد؟!!!. لم أكن أعلم أن هذا الجهل يساوي الكفر بالله وربما يتفوق عليه، وتراءى لي أن الله يغفر الذنوب كلها إلاّ جهلك بقيمتك كأخٍ لشهيد. لم أكن أعلم أن الذي جرى سيعيد شيئاً من الرجولة المفقودة لي، أو سيعيدني إلى رشدي من جديد، وسيثبت لي أن ما يحويه قلبي لزوجتي وأطفالي ليس حباً ولم يكن كذلك يوماً، فالحب لا ينقسم ولا يختبئ ولا يجبن. إن شعوري بامتلاء قلبي لم يكن حباً حقيقياً كما كنت أظن، بل خوفاً مختبئاً وجبناً منزوياً داخل أعضائي هرباً من الحب. يا الله كم كانت الأمور ملتبسة! كيف كنت قادراً على الوقوف محايداً أمام دماء أخي الشهيد؟ كيف أمكنني التعامل مع زيارة أخي الأسير كأمر عادي متفرجاً على آلامه من خلف القضبان مثل غريب؟ هل كنت بحاجة لهذا البركان ليهزني ويعيدني إلى حقيقة ما يجري؟ هل كان بالضرورة حصول ماحصل لأصحو من غبائي وأصحح مسيرتي؟ أكان فعلاً الضباب بهذه الكثافة ليحجب الطريق؟أم أنه الخوف من الشوك والأسلاك الشائكة والبنادق المصوبة على كل عابر لتلك الطريق؟!</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>في الصباح، حضرتُ وزوجتي بعد أن رجتني الحاجة مريم باستدعاء الطبيب، قالت أن الحاج عمران متوعك أو مغمىً عليه، وصارت تشرح لي الأمر وكأنني كنت غائباً وغير موجود، وقالت:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ إنه لم يستيقظ من نومه منذ فجر اليوم، بعد أن سهر كعادته لوقت متأخر، وأنه تحدث كما لم يتحدث من قبل، وضحك كما لم يفعل منذ سنين. بعد أن خرج الجميع، امتدح حسني وجمالي، تغزل بقوامي كأنه يراني بعيون الأمس، ضمني ووضع رأسه فوق صدري وغفا. غفا بعمق كما لم يغفُ منذ سنوات، لم يتحرك طوال الليل، وأنا غفوت بدوري، واستيقظت وانسللت من جانبه كي أبقيه نائماً ليرتاح، لكنه كان قد توقف عن تجرّع الأنفاس، فأرجوك يابني أن تذهب خلف طبيب المخيم ليفحصه.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وهكذا كان، أحضرت الطبيب، وتفحصه، وكانت ابتسامة الأمس ما تزال معلقة فوق شفتيه، تخاله يعيش ذات اللحظات، ولولا تأكيد الطبيب لما ظننت أنه قد غادرنا إلى جوار ربه. رأيت بضع دمعات تنساب على خديها عندما سمعت الطبيب يترحم عليه، ودمعتان عبرتا إخدودين محفورين مع امتداد كيس الدمع على طرف العين، سالت على جانبي خديّها إلى أسفل الأنف، إخدودان بفعل السنوات وشظى العيش والزمن، وبكل هدوء ولطف همست لزوجتي مشيرة إليّ:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ دعيه يرتاح على صدرك، مسِّدي على رأسه، زوجك إنسان طيب وإن ضل الطريق قليلاً أو تاه على مشارفها، اصبري عليه سيعود إلى رشده.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>وخاطبت الجميع بصوت عالٍ ووجهت كلماتها لي:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ اسمحوا لي يابني للإختلاء به نصف ساعة فقط، أتسمعني نصف ساعة ثم تدخلون.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>خرجتُ وزوجتي والطبيب وبعض الجيران، وأخذنا نخبر بعضنا بعضاً بوفاة الحاج عمران، وتكاثر الناس على بابه مندهشين، منهم من دعا له بالرحمة ومنهم من قرأ الفاتحة على روحه الطاهرة، ومنعت بنفسي أيهم من الدخول لكسر خلوة الحاجة مريم مع زوجها. انقضت نصف الساعة، وتبعتها نصف ساعة أخرى، وأمسكت بطرف النصف الثالثة قبل أن تغادر كاملة. طرقتُ الباب، طرقت مجدداً، ولمّا لم يجب أحد فتحت الباب بهدوء ودخلنا، وكلهم رأوا ما رأيت. كانت الحاجة مريم ممددة بجانبه، يداها ممددتان عل طولهما، وجهها في مقابل وجهه، بثوبها القديم الذي طرّزته بيدها منذ سنوات، وشاشتها البيضاء الجديدة التي كانت مختبئة لهذا اليوم خصيصاً. على وجهها ابتسامة استعصت على الولادة لكن بالإمكان تشخيصها بوضوح، ودمعتان اثنتان كانتا ماتزالان واقفتين في مجريي وجهها بعد. ظننتها نائمة أو فاقدة الوعي حزناً، همست في أذنها لتستيقظ، فمن العار أن تنام بهذا العمق وزوجها للتو قد اختار طريق السماء، ثم هززت ذراعها وسحبتها منه، لكنها بقيت كما هي عليه، حاولت أن أسقي وجهها جرعة ماء لتستيقظ، لكن زوجتي أمرتني بإحضار الطبيب من جديد، الذي أكد مخاوفنا جميعاً. أكد أن قلبها الصغير قد توقف عن الخفقان، مصرة على اللحاق به عبر طرقات السماء لئلا تتركه وحيداً هناك، وربما لتدله على طريق الجنة.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>كان وجهها صافياً هادئاً وأكثر شباباً، تكاد ترى الدم ما زال يجري في عروقه، يسرح ويمرح مختالاُ في أزقة جسدها وطرقاته المتفرعة، لا يردعه رادع ولا يقف في وجهه عائق، فأخذ يُعيد لها الصبا والشباب، وأنها حية ولا علامة للموت فيه.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>مهما كثرت ظنونك لن تظنه الموت، لأول مرة أرى في الموت كل هذه الحياة، بل شاهدت بأم عيني كيف يكون في نفس الموت حياة غير ما نعرفها من حياة. هذا الموت الذي نعرفه، لم يكن الموت الذي نجزعه ونخافه ونحاول الهروب أو الإختفاء من جبروته، وأكثر من ذلك أننا لسنا كلنا نستطيع أمر الموت الهادئ بالحضور، مَن منا يستطيع ذلك؟ من يستطيع أن يأمره فيستجيب صاغراً آتياً دون ضجيج، يقف أمامها منتظراً سماع أوامرها، يلبسها مُطيعاً ويتركها حية في ذات اللحظة!!! كانت قد اقتطفت حزمة من الوقت لتخط لنا بضع كلمات، وصيتها التي تنتظر من يقوم بتنفيذها، كلمات مسترخية أو غافية نائمة في بطن ورقة بيضاء واقفة على باب تلفازهما القديم:</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ـ إدفنونا، هكذا كما نحن، بجانب بعضنا بعضاً، فهناك شيء أبعد من الحياة.</strong></p>
<p style="text-align: justify;"><strong>ما كنت أعلم، حتى تلك اللحظات، أن هذا التفاني وهذا الصفاء، هذه الطهارة وهذا الإخلاص والنقاء، هي ما تُثمر الأوطان، ما يجعل لها معنى، ما يجعلها أكبر من المال وعصية على الكسر والتفريط. أدركت حينها فقط أن الحب ليس بالضبط الذي يتراءى لنا أحياناً، وأن ما نعرفه ربما يكون خادعاً مُزيفاً، وبعضه سراباً في صحراء ممتدة في الأفق كله. جزمت مع نفسي أن ما أراه شيئاً أعمق من الحب وأكثر شموخاً من العشق، وأن هناك فعلاً ما هو أبعد من الحياة… وربما أجمل.</strong></p>
<p style="text-align: left;"><span style="color: #800000;"><strong>  مجلة قلم رصاص الثقافية</strong></span></p>
<p>The post <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com/archives/9412">أبعد من الحياة</a> appeared first on <a rel="nofollow" href="https://www.qalamrsas.com">مجلة قلم رصاص الثقافية</a>.</p>
]]></content:encoded>
					
					<wfw:commentRss>https://www.qalamrsas.com/archives/9412/feed</wfw:commentRss>
			<slash:comments>0</slash:comments>
		
		
			</item>
	</channel>
</rss>
