الرئيسية » رصاص خشن » جروح لا تندمل

جروح لا تندمل

تقابلنا بعد مرور ما يزيد عن حفنتين كاملتين من السنين، لقد عرفني من مشيتي وأوقفني، مشيتي العوجاء التي لطالما أضحكته وأنا أدور في “فورة” سجن رام الله في دائرة مثل أبقار الساقية، قبل أن ينقلونا سوياً الى سجن النقب الصحراوي محولينا الى الاعتقال الإداري، بعد انتهاء تحقيقاتهم معنا دون نتيجة. هناك “الفورة” أوسع وأكثر شمساً وأعلى حرارة، لكن كل ذلك لم يغير طريقة مشيتي العوجاء كما ظل يسميها، والتي كان طول قامتي يجعلها كبيت تهالك وتآكل جانب من أساسه فمال جانباً وأصبح آيلاً للسقوط.

أوقفني فتوقفت ناظراً في صفحة الوجه المفرود أمامي، لكنني لم أعرفه، فابتسم الرجل كاشفاً عن سنٍ واحدٍ فقط تبقى في منتصف فكه العلوي، قاسماً فمه الى قسمين متساويين، فزاد الأمر تعقيداً على عقلي. أطلق ضحكته المعهودة الصاخبة وسأل سؤالاً معاتباً:

ـ ألم تعرفني يا صديقي؟

كلمة “صديقي” هذه هي ميزته الأولى قبل ضحكته الصاخبة، فهو لم يكن يستعمل الكلمات التنظيمية للتخاطب كما كنا نفعل نحن، فلم ينادِ أحداً بالأخ أو الرفيق يوماً، بل بكلمة صديقي، حتى لو لم يرَ المُخاطَب إلّا في تلك اللحظة، فكان يخاطبه بنفس الخطاب كما أصدقاءه الحقيقيين أو زملاء السجن العاديين.

أمام ذهولي المؤقت، حاول أن يوقظ فيّ ذكريات غطتها السنون، فوضع إصبعه على سنه الوحيد الذي ما زال واقفاً وأفلت ضحكته الصاخبة من جديد وقال:

ـ آه… قبل سنوات لم يكن وحده، أما الآن فأصبح وحيداً مثلي، تخيل أنني وكي أحافظ على صديقي الوحيد الذي تبقى، فإنني أقوم كل صباح وأغسله بالفرشاة والمعجون حتى “أهلكه”، ويكاد يأخذ بالصراخ ويقول: “اتركني من أجل الله”. أتتخيل كيف أدور حوله بالفرشاة و”أفعكه” و”أُحممه” و”أشطفه”، في محاولة ليظل يسليني فيما تبقى لي من عمر.

عانقته فوراً بعد أن سمعت ضحكته الصاخبة الثانية، وقلت صادقاً حتى وإن لم أكن صادقاً تمام الصدق:

ـ طبعاً عرفتك يا صديقي، وكيف لي ألا أعرفك، وهل يخفى القمر يا أبا خالد؟

خالدٌ هو الابن الذي لم يرَه، حيث كانت زوجته حاملاً به في الشهر الخامس في الانتفاضة الأولى، عندما تلقت قنبلة غاز في صدرها، في مسيرة نسائية على باب الكلية الأهلية في مدينة رام الله، فأوقعتها. أخذ الغاز ينتشر بكثافة في المكان، ودخل دفعة واحدة في فمها وأنفها، فلم تعد قادرة على التنفس عِوضاً عن النهوض. كلما اقتربت منها امرأة لسحبها من المكان كان الرصاص يطلق نحوها، حتى عندما حضرت سيارة الإسعاف، أوقفوها ومنعوها من التقدم الى المكان، وسرعان ما اعتقلوا الطبيب المناوب فيها لاحتجاجه على الأمر وحولوه الى الاعتقال الإداري. ظلت هي في مكانها تحاول جاهدة انتزاع حزمة هواء نقي خالٍ من السموم، للطفل على الأقل، دون فائدة، متناسية آلام حروق صدرها، حتى صعدت روحها الى السماء مع طفلهما الجنين. ربما تمتم هو في صدره: ”جاءت من القرية ليكرمها الله بالاستشهاد في المدينة”، ووفاء منه وحباً، لم يتزوج أبداً، حتى أن أمه قبل موتها لم تلح عليه كثيرا، وقدّرت واحترمت موقفه، وقالت في سرها “إن ابنها من صنف بعض الرجال الذين حتى لو لم يُخلِّف فهو لن يموت”، وظل هو يزور قبرهما وقبر أمه المجاور، ما دام خارج السجن.

شكرني على كلماتي “الطيبة” كما وصفها، واحتضنْتُ عضده، ودون مقدمات أقسمت بأن يأتي للغداء عندي. لا أدري لماذا اجتاحتني ” موجة الكرم الحاتمي هذه، والتي لم أكن أعلم أنها متأصلة في عقلي الباطني. بل في مرات عديدة كانت زوجتي تصدمني بكلماتها وهي تقول لي معاتبة، عندما لا أقوم بدعوة الناس الذين ألتقيهم: لماذا وقفت مثل الأبله؟ لماذا لم تدعهم على وجبة غداء؟

وعندما كنت أنظر اليها منبهاً بكلماتٍ من عيني، بأن ثلاجتنا خاوية من كل أصناف اللحوم كانت تكمل وتقول:

ـ الجود من الموجود…. على فنجانٍ من القهوة على الأقل.

قال محاولاً التفلت من قبضة يدي:

ـ بارك الله فيك، لا أستطيع، وهل أنا أريد تجربة كرمك؟

لكني أقسمت على غير عادتي من جديد.

كان يكبرني بجيل كامل ونصف الجيل، يعني أنه ربما يقف على أبواب السبعين، لكن جسده النحيل ما زال نحيلاً، وما زال منتصبا مثل جذع زيتونة صلب ليس من عادته الانحناء. في كل فترة السجن ظلّ من أكثر الناس قراءة، وعادة ما كان وقته مقسوماً إلى أشياء ثلاث يفعلها في سجن النقب على وجه التحديد، القراءة والمشاركة في البرنامج الثقافي وساعة من المشي يوميا في ساعات ما قبل الغروب. كنت أحب الإستماع لشروحاته وغناها، وأحاول أن أقرأ ما يقرأه علّني أصبح فاهماً ومثقفاً مثله، وعندما رآني أستعير ذات الكتب التي يقرأها، سألني:

ـ هل قرأت كتاب كذا وكذا؟

ولما أجيب بالنفي يقول:

ـ أنصحك بقراءتها أولاً كي تستطيع فهم هذا الكتاب بطريقة أفضل.

أمام إصراري على دعوته قال:

ـ جيد، نشرب القهوة… ولا شيئاً آخراً.

مشينا نحو منزلي القديم على طرف المدينة البعيد، غرفة وصالة صغيرة ومترين مربعين حولتهما لمطبخ، ومرحاض، سألني:

ـ ماذا تفعل هذه الأيام؟

قلت:

ـ كما تعلم مع هذا الحصار وهذه الحواجز، وكوني معتقل سابق يمكنهم توقيفي واعتقالي على أي حاجز، لم يعد بإمكاني متابعة عملي كعامل مياوم خارج المدينة، على الأقل كي لا أُذَكَّرهم بنفسي، وكي أظل أقتنص وأصيد الرغيف بين فترة وأخرى ما دمت خارج السجن.

قال:

ـ نعم يا صديقي، الأوضاع صعبة وعليك الحفاظ على نفسك وعائلتك لأن هذا نضال أيضاً. وكيف هي ابنتي؟!!    

 سأل عن زوجتي التي كان يطلق عليها لقب ”ابنتي” في أحيانٍ كثيرة عندما كانت تزورني في السجن. واكتفى بهزة رأس وكلمتين مني:

ـ ماشي الحال.

حديثه سرعان ما يجد طريقه الى العقل والقلب، أذكر عندما قال زعيم إحدى فصائل الإسلام السياسي، الذي لقبوه ب”أمير المؤمنين”، الذي ظل يتغنى “بأن الله ميزنا على غيرنا عندما أكرمنا ب”الإسلام”، قال له أبو خالد:

ـ كما أكرمنا الله بديننا أكرم الآخرين بدينهم أيضاً، وهنا لا ميزة لأحد على الآخر. كلنا وُلدْنا بديننا ولم نختره، أم تعتقد أنه أكرمنا بديننا وأذل غيرنا بدينه؟

ثم حذّر الرجل بالتروي والتنبه فيما يقول، كي لا يكون الأمر موضوع فتنة داخل السجن، خاصة وأن الاحتلال يتربص ليجد ما يفرق به المناضلين. مع تعنت “أمير المؤمنين” سأله أبو خالد مجدداً:

ـ يا صديقي، بأي حق تريد فرض معتقداتك على الآخرين؟ من أعطاك هذا الحق؟

فقال الشيخ:

ـ إن من واجبي أن أقيم ” شرع الله”.

فقال أبو خالد:

ـ وهل أعطاك الله أمراً بذلك؟ كل معتقِد يعتقد أن دينه أو مذهبه هو الأصح وهو “شرع الله”، وكلهم مؤمنون بذلك، لكن لا أحد يستطيع الجزم بذلك. إن كان كل طرف سيطبق ما يسميه ب”شرع الله” ويقيم حدوده وقوانين دينه على الآخر، فسندخل في مجازر وحروب لن تنتهي.

قال الشيخ بثقة وتأكيد:

ـ بلى، إننا نستدل على ذلك بقول الله وبالمنطق.

فرد أبو خالد قائلاً:

ـ كلٌ يعتقد أن الله أمره بتطبيق ما ورد في كتبه المقدسة، ويؤمن أن منطقه هو المنطق الأسلم والأصح يا صديقي الشيخ.

وبالمناسبة، سأل أبو خالدُ الشيخ:

ـ منذ متى أنت معتقل؟

ـ ثلاثة شهور.

ـ وبكم أنت محكوم؟

ـ ست شهور إدارية.

ـ هل هذه أول مرة تُعتقل فيها؟

ـ إنها الثالثة

فقال أبو خالد مشيراً بإصبعه نحو شخص كان يتمشى في ساحة الفورة:

ـ أترى ذلك الشخص ذو البنطال الأسود والقميص الأزرق؟

ـ نعم.

ـ قبل عشرين عاماً من الآن، أمضى هذا الرجل عدة سنوات في السجن. بعد فترة من خروجه تمت مطاردته وجرت محاولات لإلقاء القبض عليه، فاختفى واختفت أخباره معه، ليكتشف الجميع أنه بقي يناضل متخفيّاً عشر سنين كاملة قبل أن يتم اعتقاله مجدداً. أتتخيل الأمر؟ عشر سنوات لم يستطيع الاحتلال بأجهزته ومخابراته القبض عليه، وبعد اعتقاله حاكموه بالسجن الفعلي لخمس سنوات. بعد أن أمضاها حولوه مباشرة للاعتقال الإداري، وها هم يمددون له للمرة الرابعة على التوالي و”الحبل على الجرّار”، ست شهور في كل مرة. سكت قليلاً وأكمل:

ـ إن هذا الرجل مسيحي الديانة، ومثله الكثيرون إن كان الأمر يعنيك إلى هذا الحد. من تعتقد أنه يمتاز عن الآخر برأيك يا صديقي، أنت أم هو؟ أم تعتقد أن الله سيدخلك الجنة كونك مسلماً ويدخله النار كونه مسيحياً دون النظر في أعمال كل منكما؟

لمّا لم يجد الشيخ ما يجيب به اتهم أبا خالد بأنه علماني الهوى، فقال أبو خالد حينها:

ـ هل العلمانية تهمة؟ أنا لا أراها كذلك، وهي لو علم المتدينون الأفضل بالنسبة لهم، فهي تُمكّن كل متدين مهما كانت ديانته ومهما كان حجم تمثيلها ونسبتها في المجتمع، بأن يمارس طقوسها وعباداتها وشعائرها دون حق الاعتراض أو الرفض أو التهديد من أحد.

من يومها عمم “أمير المؤمنين”  مقاطعة أبا خالد، وحرّم الحوار معه. ذكّرته بالأمر الآن ونحن نسير نحو بيتي، فقال:

ـ إن ما تراه أمامك الآن من تدمير للأوطان ما هو سوى نتيجة لمثل أفكار أمير المؤمنين ذاك وأمثاله، أعني أنّ “الغرب” وجد ضالته بهؤلاء، فدعمهم وسلّحههم وموّلهم من جيوبنا ليدمر بهم أوطاننا ويقسّمها. يعني يخوض حروباً بدمنا وأموالنا ويدمر حضاراتنا وتاريخنا ليحقق مصالحه، أرأيت المأساة؟

تابعنا مشينا نحو بيتي، وأكمل وكأنه يكمل موضوعاً لم يكتمل بعد، فقال مستبقاً ما أراد قوله بضحكة مجلجلة صاخبة:

ـ يريدون إقناعنا بأن ما يدور في منطقتنا ثورة شعب، مستخفين بعقولنا وكأننا قطيع ماشية وليس بشر. تخيل ثورة تقودها أمريكا وبريطانيا العظمى وفرنسا الاستعمارية. تدرب قواتها “إسرائيل” كما وتعالج جرحاها، وتمولها دول عربية موغلة برجعيتها، بلا قوانين أو دستور، فهل هذه ثورة؟ يخوضون الحرب علينا تحت شعارات الديمقراطية! أي ديمقراطية هذه التي تدعمها أكثر الدول فساداً ولصوصية وفاشية وعنصرية ومعاداة للديمقراطية؟ يا صديقي، إن كان صحيح أن العنف ضرورة للثورة في معظم الأحيان، فمن الصحيح أيضاً أن ليس كل عنف ثورة.

كنا قد وصلنا البيت، رحبت به زوجتي بل وقبلته من خديه، فما أكثر ما رأته سواء في زيارتي في زنازين سجن رام الله، حيث كانت محاكمات التمديد تجمعني والكثيرون بما فيهم هو، وكذلك في بعض زيارات سجن النقب، مع أمه العجوز أثناء زيارتها قبل أن يُغيبها الموت.

تقابلنا على فنجان قهوة، وأكمل هو وكأنه تذكر شيئاً لم يقله:

ـ تخيل! لا أحد يدرك أن فاقد الشيء لا يعطيه! وأن من يقطع الرؤوس التي تعبر عن رأيها في بلده يعطينا دروساً دامية في الديمقراطية!.

ضحك بصخب أكثر هذه المرة، وقال عائدا الى صلب الموضوع:

ـ أتساءل أحياناً، هل الله فعلاً هو من خلق هذه الأنظمة الرجعية، أم أنها نبت شيطاني فاسد ظهر فجأة وفي غفلة من الزمن؟! أستغفر الله العظيم، لا أخفيك أنني أستصعب تصديق ذلك، إلا إذا كان الأمر ابتلاءً من الله واختباراً لصبرنا وقدرتنا على التحمل. لأن نسبة الذل والهوان والفساد والجهل والضلال والعفن والوقاحة والغرور في طينتهم غير معقولة، لكنني أعود وأقول أنّ هذه الصفات ما هي إلا صفات مكتسبة لا علاقة للإله بها، ولا يستطيع اكتسابها إلا كل نذل خسيس.

أحضرت زوجتي صحنين من الزعتر والزيت، وصحن جبنة بيضاء، وأربع بيضات مسلوقة مقطعة مبهرة تزينها كمية من زيت الزيتون، وصحناً من دبس الخروب الذي صنعته بيديها، وبضعة أرغفة من خبز الطابون. قالت:

ـ هيا على ما قُسم.

أمام محاولات رفضه الخجول قالت زوجتي:

ـ هل هناك من يخجل من أبنائه؟!

دون أي كلام تقدم وقسم الرغيف من طرفه، محاولاً منع بضع دمعات كانت تتفلت للانسياب على وجهه:

قلت مغيراً الموضوع:

ـ أنا آسف، لم أعرفك للوهلة الأولي، تهيأ لي أنك قد تغيرت.

قال بطريقة حاسمة:

ـ بالتأكيد، كلنا نتغير، يفعل الزمن فعله فينا بصمت وهدوء، وننخدع نحن بشبابنا أو بأموالنا أو بقوتنا، ولا ندري كيف يتقدم العمر بنا ولا كيف تدخل الشيخوخة أجسادنا. للشيخوخة مظاهرها ورائحتها، ما أن تضع قدمها في حياتنا حتى تأخذ أيامنا تركض وتتسارع نحو نهاياتها، لنجد الموت مختبئاً لنا في أي زاوية ومكان، هكذا هو الأمر ببساطة يا صديقي.

ضحك أيضاً بعد هذه الكلمات بصخبه نفسه، متجاوزاً الحالة التي تركتها كلمات زوجتي على ملامح وجهه.

أنهى طعامه قبلنا، كعادته في السجن. كان يغادر جلسة الطعام قبل الجميع، وكثيراً ما كنت أشعر أنه يريد توفير الطعام ليشبع الآخرون قدر الإمكان، ولما حاولت الاحتجاج قال:

ـ إنك تعرفني جيداً، هكذا كنت وما زلت.

ساعدت زوجتي في رفع الصحون وعدت لأشرب الشاي معه، وقلت:

ـ تبيت الليلة عندنا، وتغادر في الغد.

قال:

ـ بارك الله فيك، لكني لا أستطيع.

قلت:

ـ كيف لا تستطيع؟

وكدت أكمل “فأنت بعد وفاة أمك أصبحت وحيداً ومقطوعاً من شجرة”، ولشدة غبائي لم أفكر لحظة بأن هذا الرجل ربما تزوج وأنجب أيضاً في كل تلك السنوات التي انقضت ولم أره بها.

قال:

ـ صدقني يا صديقي، فأنا فعلاً لا أستطيع.

قلت مصراً على بقائه:

ـ هل تزوجت في لاحق السنين؟

فضحك بصخب وقال:

ـ أبعد كل هذا العمر؟ لا يا صديقي لا.

واقترب من أذني وقال:

ـ أتذكر صديقنا صلاح؟

أمام سكوتي الأبله قال موضحاً:

ـ الذي أرجعوه من الإداري الى التحقيق؟

بقيت ساكتاً غير مجيب فقال:

ـ الذي كان مصاباً في ساقه يا رجل.

عندها هتفت متذكراً:

ـ آه … صلاح، ماهي أخباره؟ ماذا به؟

قال دون أن يضحك هذه المرة:

ـ بعد أن أخرجوا الرصاصة من ساقه، ابتدأت الساق تضعف وتتقلص وكأنها تسير نحو الاضمحلال، يبدو أن العصب تمزق وبعضه قد جف، ولم يعد بالإمكان فعل شيء…

قلت من باب الشفقة والألم:

 ـ مسكين يا صلاح.

 قال:

ـ لا أستطيع تركه لوحده، فهو في استضافتي، ونعيش سوياً من “حاكورة” المنزل.

رأيت التبدلات التي تعصف بوجهه، وأكمل وبركان قلبه يكاد يتفجر، وقال:

ـ لا أريد التعليق على ترك فصائلنا لمثل هذا الشاب هكذا دون علاج، لكن أن تتركه دون مساعدة مالية يستطيع أن يعيل نفسه برغيف خبز؟ إنها والله لا تُفهم ولا تُصدق… والأكثر إيلاماً أنه يمكن أن يُعتقل من بيته وتكون نهايته الأكيدة.

سكت قليلاً وقال من جديد:

 ـ مثله مثايل، الموضوع ليس متعلقاً بسلطة أوسلو وحدها، فهؤلاء لا خير فيهم ولا أمل. بل بفصائل تاريخها ظل تاريخاً مشرفاً، ما الذي يحصل يا صديقي؟ أإلى هذا الحد توغلت فينا أمراض أوسلو وأخضعتنا لذاتية قاتلة مفرطة؟

قلت في محاولة للدفاع فاشلة، ولا أعرف السبب وراء ذلك، فأنا لم أقدم مثله للقضية الوطنية، ولست بأحرص منه عليها:

ـ ربما نسوا أمره.

قال ساخراً دون أن يضحك ضحكته الساخرة، صدق الشاعر حينما قال:

“إن كنت تدري فتلك مصيبة    وإن كنت لا تدري فالمصيبة أعظم”

وأكمل بجدية صادقة لم أرها عند أحد من قبل:

ـ كيف يمكنهم نسيان ذلك، إن من نسي جرحك وألمك اليوم سينسى دمك لا محالة غداً، فمثل هذا النسيان ليس من شيم الثوار. من ينسى دماء ثوّاره كيف يمكن ائتمانه على القضية يا صديقي.

وقف على رجليه وأكمل دون أن يطلق ضحكته الصاخبة وقال:

ـ لم يبقَ على موعد الباص المتوجه لقريتنا كثيراً، وأعتقد أنه الباص الأخير. اذهب واحضر ابنتي لأودعها، فربما كان الوداع الأخير، لا أحد يستطيع أن يعلم متى ترميه الشيخوخة في أحضان الموت.

مجلة قلم رصاص الثقافية

عن محمد النجار

محمد النجار
محمد النجار: كاتب فلسطيني من مواليد قطاع غزة عام 1956 لأبوين فلسطينيين لجأوا إليها بعد عام 1948. درس معظم المرحلة الابتدائية هناك، انتقل بعد عام 1967 إلى مخيم الأمعري بقرب مدينة رام الله حيث أنهى المرحلتين الإعدادية والثانوية. درس الهندسة الالكترونية في الجامعات الرومانية وبعد تخرجه عاد إلى رام الله. اعتقل من قبل الاحتلال عام 82 وعامي 84-85 وعام 87 وعام 91 ثم عامي 94-95 بسبب نشاطاته، بعدها غادر الأرض المحتلة. صدر للكاتب تحت اسم عادل عمر، مناضل في الظل (مجموعة قصصية)، 1986، أعيد طبعها سنة 1991. الظافرون بالعار (رواية)، 1989، أعيد طبعها مرتين سنة 1990 و1991. بانتظار الظلام (مجموعة قصصية)، 1991. رحلة في شعاب الجمجمة (رواية)، 1992. الإثم والقديس، (رواية)، دار كنانة ـ دمشق، 2019 وهي الرواية الأولى التي تصدر باسمه الحقيقي، مسعدة (رواية)، عشاق من زمن غابر (رواية)، ثلاثية فرسان الحلم (رواية).

شاهد أيضاً

المعطف

مريم الشكيلية | سلطنة عُمان ليس حقل مكتظاً بالأعشاب، والحشائش اليابسة عندما يهطل السيل، ويغرق …

تعليق واحد

  1. Avatar
    جمال ابو طوق

    ابداع من ابداعات الاديب الروائي المناضل والصديق محمد النجار ..ككل ابداعاته قصه تعاش ولا تقرأ فقط

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *