الرئيسية » رصاص خشن » بعض العشق قد يشفي
لوحة للفنان بسيم الريس
لوحة للفنان بسيم الريس

بعض العشق قد يشفي

ظلَّ حنَّا يجادلني طوال سنوات، بل يدافع عن هجوماتي المتتالية على ” دينه المُحرّف”، يغضب أحياناً ويحزن أياماً ويصمت معظم الأوقات، كان يأتي بالحجج متهادياً مفسراً مؤكداً على صحة معتقداته في أول الأمر، مثلي تماماً وربما أكثر، وكنت عندما تضغطني حججه وتقيدني تفسيراته أقذفه بحديث نبوي من صحيح البخاري أو صحيح مسلم يفقده توازنه ويعيد الأمور إلى بداياتها، وسط ضحكات صديقنا عاهد، ذلك اليساري الذي لم يشارك أينا رأيه أو حججه يوماً، والذي طالما رمى بوجهينا عباراته الناهية، لتضع حداً لعنادنا، وتوقف عباراتنا قبل أن تتحول إلى كريات من كُرْه، تنمو وتكبر ككريات الثلج عندما تتدحرج، فيضحي الكُرْه سيفاً للذبح بيد الدين، ويصير الدين أداة بيد الأعداء، وطريقاً لهم لاختراق جدران البيوت وتفتيت الإخوّة وتقسيمها، ونكون نحن الوسيلة، كذئاب حيناً وخراف حيناً آخر كما قال.

قال لنا ذات يوم:

ـ أنا لا أفهمكما، ماذا يهمكما بماذا يعتقد الآخر، سواء أكان مصيباً أو مخطئاً؟ ماذا يزعجكما في الأمر ما دمتما تعتقدان أن الله مَنْ سيبُت بالأمر وليس أيكما؟ ولماذا يؤرقكما الأمر إلى هذه الدرجة؟ ألا تستطيعان النوم وأنتما مختلفان؟

ويتابع بعد أن يسحب نفساً من سيجارته المتقدة اشتعالاً من طرفها البعيد عن فمه:

ـ ألم تتساءلا يوماً كيف تعايش أجدادنا طوال القرون الفائتة؟ كيف جمعهم الحب والوئام والتزاوج وصلات الرحم والقربى؟ ولماذا لم يقم أحد بطرح مثل هذه الخلافات حتى الأمس القريب؟ لماذا بقينا قريبين من بعضنا رغم اختلاف مذاهبنا وطوائفنا وأدياننا ومعتقداتنا؟ لماذا كان ما يجمعنا أضعاف ما يفرقنا؟ ثم من المستفيد من تسعير هذا الخلاف بيننا؟ بل لماذا ممنوع في بلاد من يُحرضوننا، المس بمعتقدات الآخرين مهما كانت، ومطلوب وضروري في بلادنا تسعير هذا الخلاف؟

كنت أرد عليه كعادتي:

ـ أنت يساري ولا تؤمن بما نؤمن، فاتركنا نتحاور في أمور دينينا.

إجاباته كانت حاضرة دائماً، كأنه رتب كلماتها منذ ليال بعد معرفة مسبقة بأقوالي واسئلتي، فكان يقول:

ـ ألا تلاحظان وكأنكما تأتيان من أجل المناكفة فقط؟ لم نعد نتحدث عن أمور أخرى، ولا أدري بماذا يهمك أو يقلقك بماذا يعتقد الآخر؟!!!

كان يجمعنا سوياً عند توجيه ملاحظاته، رغم معرفتنا جميعاً أنني أنا مَنْ كان يلح على مثل تلك الحوارات والأحاديث، يسكت قليلاً ويتابع وكأنه إلتقط فكرة داهمته فجأة كما يلتقط زهرة، ويتابع:

ـ تتغنيان، أنتما الاثنان، بإبداع الله في خلقه، بتنوع هذا الخلق وجمال ألوانه، لكنكما تصران، في ذات الوقت، على فرضية اللون الواحد!!! ألم تدركا بعد أن الله لو أراد الكون لوناً واحداً لكان الأمر عليه أيسر وأسهل؟ لكنه آثر خلق الكون ألواناً متعددة وتضاريس مختلفة وفصول عديدة، فخلق من الحيوانات الآلاف ومن النباتات الملايين وكذلك الحشرات، حتى البشر خلق منهم الأبيض والأسود والأصفر والأحمر وما بينها، والأمر نفسه بالنسبة للديانات، فلو أراد ديناً واحداً لكان له ما أراد، ولجعل منا نسخة كربونية وأنهى الأمر، لكنه أراد ديانات وأفكار ونظريات عديدة ومختلفة.

قلت وقد استفزني حديثه:

ـ لكنك لا تؤمن بكل ذلك، ناهيك عن الإيمان بالله، وأنا لم أرك يوماً تمارس الطقوس الدينية والعبادات.

قال بكل هدوء، وكأن ما قلته لم يستفز شيئاً فيه:

ـ ليس من شأنك بماذا أؤمن أو بمن، وأنا لا أعرف من أعطاك الحق بمراقبة قلوب البشر والحكم عليها أيضاً، والأكيد أن الله لن يُميزك عني كونك تُصلي وأنا لا، فكما أعلم أن الدين معاملة، أليس كذلك؟ ورغم ذلك عليك أن تعرف أن اليساريين لا خلاف لهم مع الله، خلافهم مع مَنْ يستغل الله ويجعل منه أداة استرزاق، مادة يضحك بها على بسطاء الناس، فيحول الخالق من عادل إلى تاجر، خلافهم مع مَنْ يجعل المظلوم يرتاح لظلمه، يستأنس بعبوديته ويستسلم لها، وبدلاً من أن يستنهض الثورة فيه يربطه بحبل الخنوع والاستزلام والذل، منتظراً الموت ليدخل الجنة، ليأكل ويشرب ويمارس الجنس وينام، ليعوض ما ينقصه في الدنيا، بدلاً من أن تكون الجنة مكان الثوار البررة، الذين لم يقبلوا الذل ولا المهانة، الثائرين أول الأمر على “أولي الأمر”، من حكام الظلم والجهالة والفساد، فتكون لهم الجنة ليرتاح الجسد وتهنأ الروح.

الأمر الآخر وكأنك يا صديقي تتناسى أننا، نحن اليساريون، أبناء هذا المجتمع، بإيجابياته وسلبياته، تاريخنا من تاريخه ومستقبلنا من مستقبله، لذلك لطالما روت دماؤنا أرضه، وظل لحمنا على جدران زنازينه، وكنا السباقين في الحوض عن كرامته، فهل تُنكر؟

حواراتنا تلك جردت علاقة صداقتنا من قوتها، فوهن عودها وضعفت أوراقها وتساقطت ويبس ساقها، وصارت لا تحتاج إلّا لمن يهز جذرها ويقتلعها من جذورها، فتباعدت لقاءاتنا وصارت تعتمد على المصادفات، وسرعان ما صرنا نتجنب حتى تلك المصادفات كي لا نحرج أنفسنا، الأمر الذي جعلني أعيد الأمور برأسي مجدداً، فوجدت أنني أنا من كان يختلق الحوارات، وأن حنّا كان في معظم أوقاته مدافعاً وليس مهاجماً، ورأيتني أخال نفسي كرجل مدجج بالسلاح يهاجم إنساناً أعزلاً، ورغم كل محاولات تبريراتي رأيتني لا أستطيع الإجابة على سؤال عاهد الجوهري:

ـ ما الذي يقلقني ويربكني ويضج مضجعي في إيمان حنا ودينه، سواء أكان صحيحاً أم لا؟ وكيف استطعت التدخل في صلاحيات الخالق؟ ومن الذي أعطاني هذا الحق؟

لكن وكما يقول المأثور الشعبي إن ” الكُفْر عناد”، فإنني رأيت في تراجعي ضعفاً وفي اعتذاري هواناً، وفضلت بتر العلاقة على الاعتراف بذنبي، وعليه قررت مع نفسي أن لا أتراجع قيد أُنملة حتى لو افترقت طرقنا وتشظت علاقتنا في الهواء نتفاً.

أحداث واقعنا ظلت كالعادة تجعل للطرق المتباعدة تقاطعات لا يعرف أحد كيف جاءت ولا من أين، وصرت أشاهدهما سوياً جيئة وذهاباً، وكنت أعلم أن سر قربهما أنهما لا يتناقشان ولا يتجادلان في المعتقدات، أو المحرمات كما أسماها عاهد، تماماً كما كنا سابقاً قبل أن تقتحمني مشاعر الكُرْه التي لم أعهد لها مثيلاً في حياتي أبداً، أو مشاعر “عشق اللون الواحد” كما سماها عاهد، وأضاف:

ـ حتى إنك لم تحسن اختيار اللون، فاخترت الأسود الدامي الذي لا شفاء منه دون نفي الآخر والقضاء عليه، وصولاً للقضاء على الذات أيضاً.

كنت أذهب للصلاة في الأقصى عندما أغلقه “بني صهيون” في وجوه المصلين، وكنت أرى نفسي كالأعراب “أشد كفراً ونفاقاً” لو لم أفعل ذلك، ولم أتخيل مسلماً مؤمناً لا يحوض عن أحد أقدس المقدسات الإسلامية، المسجد الأقصى، وكان الجند يمنعوننا ويهاجموننا بكل ما لديهم من عدوان وكراهية، فكنا نتجمع ونصلي على أبواب البلدة القديمة، على باب الأسباط وباب الخليل وباب الساهرة، وعلى مدخل باب العامود ودرجاته، وفي طرقات القدس القديمة القريبة من ساحات المسجد الأقصى، وأحياناً على باب كنيسة القيامة نفسها، والجند يحيطون بنا من كل جانب، وكنا نتكاثر على أبواب كل صلاة، بل ودون مواعيد الصلوات، ساعة بعد ساعة ويوماً بعد يوم، وكلما زادت أعدادنا تصاعدت في دواخلنا طاقات لم نعهدها من قبل، وتزايدت قناعتنا بحتمية انتصارنا، الأمر الذي كان يمدنا بطاقة جديدة متجددة لم نعهدها من قبل، فكنت أحمد الله على “نعمة الإسلام” التي أنعم بها علينا، وتجليها بهذه الزيادة البشرية المستمرة، حيث الناس نهر متدفق متتابع، يزداد في كل لحظة وكأن أمطار الدنيا تصب في مجراه وحده، وتوسع نبعه وتدفقت مياهه لتغطي ساحات القدس جميعها وشوارعها وأزقتها.

كنت قد تهيأت للصلاة في باب الأسباط، بعد أن وصلت متأخراً قليلاً بسبب حواجز قوات الاحتلال، وتفاجأت بهما الاثنان، حنا وعاهد، يصطفان مع بقية المصلين، حنا يحمل صليبه وكتابه المقدس، يقوم بشعائره وسط صفوف المسلمين، يقرأ في سره من الكتاب وتقوم يداه بالتصليب، وعاهد يسجد ويركع ويصلي كالبقية، كدت أكذب نفسي، وأتهم عيني بالعمى، وخجلت لأعيد النظر مرة أخرى نحوهما، وصليت وركعت وسجدت وأنا مشغول البال سارح الذهن، ولا أعرف إن كان الله سيقبل صلاتي تلك أم يرفضها لكثرة ما تشابكت في رأسي التساؤلات والأفكار، ولم ينقذني من أفكار رأسي سوى قنبلة غاز انفجرت بين يدي وأنا أهم للسجود، فأوقفتْ سجودي وأفكاري وأغرقتْني في بحر من السعال حتى الإغماء، أفقت بعدها بوقت لا أعرف مدته على بصلة فلقها عاهد بيديه القويتين ووضعها على أبواب أنفي، وأنا أريح رأسي بين يدي حنّا، لا أعرف الشعور الذي داهمني، كانت تتدفق دموعي كينبوع، ليس بفعل الغاز وحده الذي داهمهما قبل حين، ومرت حواراتي العقيمة كلها دفعة واحدة أمام وجهي، أليس هذا الذي عاديته بسبب دينه؟ أليس ذلك الذي قاطعته بسبب معتقداته؟ وما هي ميزتي عنهما؟ ومن يعلم إن كنت أقرب منهما إلى الله؟ وقلت سائلاً:

ـ أنتما؟!!!

قال أحدهما، ولم أميز صوت مَنْ منهما بالضبط:

ـ أكنت تعتقد أن الوطن لك وحدك؟ دينك ومعتقدك لك، لكن الوطن لنا جميعاً.

ولا أعرف ما الذي ذكرني ببعض كلمات عاهد البعيدة، عندما كان يكرر:

ـ إن العشق يا عزيزي إله، إله واسع الأفق ورب كبير، يحب القمح والربيع والألوان والزهور على اختلاف ألوانها، وأكثر من ذلك يمنح الحياة، ولمّا تستعصي قدماك عن حمل سنوات عمرك أكثر، وتتيبس العروق في جسدك، وتضيق على دمك الطرق والأزقة ليصل لكامل أنحاء جسدك، فيبهت الجسد ويصفر لونه كأوراق شجرة في طريقها إلى الانتحار، يمنحك السكينة والهدوء والطمأنينة، ويحملك على أكتافه ليمنحك حياة متجددة أخرى.

كان يتحدث سارحاً بعيداً متأملاً في ملكوته الخاص، عيناه تنظران وراء الأفق، ويتابع قائلاً:

ـ كل ذلك مشروط بأن تكون عاشقاً… فهل تفعل؟

وسرعان ما صحح له حنا:

ـ تقصد فهل تقدر؟

حملاني إلى خارج الازدحام، ابتعدا عن دوريات الجيش التي ظلت تعتقل الجرحى وتنهال بالعصي على كبار السن كونهم لا يستطيعون ذلك مع الشباب الذي ظل يزداد تصميماً، وحجارته تهزم رصاصاتهم، وكنت أتساءل دون صوت، كم من هؤلاء لا أعرفهم بين جموع المصلين لا يحملون إنجيلاً ولا يبوحون بمعتقدات؟ وكيف استطعت الحكم على هؤلاء الناس ومعاداتهم؟ وأدركت حينه بالذات أن الله أنعم على كل منا بدينه أو بمعتقده أو بمذهبه، بغض النظر عن ماهيته، لكن ظل سؤال متمرد يقف أمامي مثل مارد متحدياً:

ـ هل كنت سأدافع عن “كنيسة حنّا” لو تعرضت للخطر؟!!! وهل كنا سنفتح مساجدنا ليقرعوا منها أجراسهم كما فتحوا لنا أبواب كنائسهم للآذان وإقامة صلواتنا وطقوسنا الدينية؟

ولاحقتني الأسئلة وتابعتني، ووجدتني لا أستطيع التخلص منها وهي تدق جدران جمجمتي، ووقف أمام عيني السؤال الأكثر خطراً ومباشرة ينتظر جواباً:

ـ هل كنت أستطيع حمل السلاح في وجه صديقيّ حنا وعاهد، بسبب دين أحدهما ومعتقدات الآخر، في ظرف مختلف؟

أربكني الأمر إلى درجة الشلل، فعجز لساني عن النطق، وكبّلتْ عقلي أصفاداً من حديد، ولأول مرة أشعر بثقل القيد على العقل واللسان، وحاولت مطاردة السؤال وإبعاده الى الجحيم بعيداً، لكنه ظل يزنّ في تلافيف رأسي مثل ذبابة لا تهدأ، تغيب وتغيب لتعود وتحط على ذات المكان، ولأول مرة أفشل في طرد سؤال يلاحقني ويطاردني مثل بضعة جنود، مدججين بالسلاح، يحيطون بي من كل جانب ومكان، في تلك اللحظة بالذات أدركت كم أنا بحاجة لبعض العشق، وأن بعض العشق قد يشفي.

التقينا بعد ذلك، كنت قد بدأت أعود إلى ذاتي، ويعود إليّ صوابي، ووجدتني أقتحم عليهما وحدتهما، أعبث بخلوتهما وأرميها بعيداً، تماماً كما كان يفعل كل منا من قبل، ولم أتركهما اثنين قط، بل زرعت نفسي معهما لنصير ثلاثة، مدركاً أنه حتى “الموت مع الجماعة رحمة”، وأن الجمع مهما كان قليلاً يبقى جمعاً، وهو، في معظم الحالات، خير من المثنى وربما أجمل.

مجلة قلم رصاص الثقافية

عن محمد النجار

محمد النجار
محمد النجار: كاتب فلسطيني من مواليد قطاع غزة عام 1956 لأبوين فلسطينيين لجأوا إليها بعد عام 1948. درس معظم المرحلة الابتدائية هناك، انتقل بعد عام 1967 إلى مخيم الأمعري بقرب مدينة رام الله حيث أنهى المرحلتين الإعدادية والثانوية. درس الهندسة الالكترونية في الجامعات الرومانية وبعد تخرجه عاد إلى رام الله. اعتقل من قبل الاحتلال عام 82 وعامي 84-85 وعام 87 وعام 91 ثم عامي 94-95 بسبب نشاطاته، بعدها غادر الأرض المحتلة. صدر للكاتب تحت اسم عادل عمر، مناضل في الظل (مجموعة قصصية)، 1986، أعيد طبعها سنة 1991. الظافرون بالعار (رواية)، 1989، أعيد طبعها مرتين سنة 1990 و1991. بانتظار الظلام (مجموعة قصصية)، 1991. رحلة في شعاب الجمجمة (رواية)، 1992. الإثم والقديس، (رواية)، دار كنانة ـ دمشق، 2019 وهي الرواية الأولى التي تصدر باسمه الحقيقي، مسعدة (رواية)، عشاق من زمن غابر (رواية)، ثلاثية فرسان الحلم (رواية).

شاهد أيضاً

كتاب “السارد وتوأم الروح” يحصد جائزة الشيخ زايد

تم تتويج كتاب “السارد وتوأم الروح.. من التمثيل إلى الاصطناع” لمؤلفه الباحث والناقد والأكاديمي المغربي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *