مقدمة: القلق شرط للمعرفة:
تتموضع رواية صلاة القلق (2025) لمحمد سمير ندى، ضمن مشروع الهدم والبناء الروائي العربي، باعتبارها وثيقة فينومينولوجية ترصد تحولات الوعي الجمعي في لحظة انكسار تاريخي وميتافيزيقي حاد، والرواية لا تنقاد للسرد الحكائي الواقعي، وإنّما تعيد إنتاجه عبر عدسة القلق الوجودي الذي يتّخذ شكل أداة إبستمولوجية قادرة على تفكيك زيف اليقينيات الكبرى التي هيمنت على الخطاب العربي لعقود.
يؤسس النص مختبرا فلسفيا مغلقا مكانيًا هو نجع المناسي وزمانيًا حقبة ما بعد 1967 وما تلاها من تجميد للزمن، حيث يتم إخضاع الكائن البشري لتجربة العزل الأنطولوجي. وفي هذا الحيز، يختبر الكاتب فرضية: ماذا لو كان الاضطراب هو الحقيقة الوحيدة، وكانت الطمأنينة هي الخديعة الأيديولوجية الكبرى؟ من هنا، تغدو الرواية محاولة لتأسيس لاهوت جديد للشك، حيث تكون الصلاة صرخة احتجاجية ضد عبثية المصير، ومحاولة لترميم الذات المتشظية عبر الاعتراف بهشاشتها. إننا أمام نص يمارس هدمًا منهجيًا لصورة البطل/الزعيم/الأب وللسرديات التاريخية الرسمية، ليعيد بناء الإنسان العاري من الأوهام، المتسلح بدرع قلقه الوجودي الوحيد. ً
المبحث الأول: التشريح الأنطولوجي أو بنية العزل والمسخ:
ينطلق التحليل الأنطولوجي لنص صلاة القلق من تفكيك البنية المكانية والجسدية التي يؤسسها السرد. إنّنا أمام هيتروتوبيا بالمفهوم الفوكوي؛ فنجع المناسي مكان يقع خارج الجغرافيا الرسمية وخارج الزمن الفيزيائي، محاصر بحزام الألغام الذي يمثل الحد الفاصل بين الوجود الزائف في الداخل والعدم المحتمل في الخارج.
1- سيمياء المسخ الجسدي: من الإنسان إلى التزجّج إلى التسلحف[1]:
يقدم النص تحولاً فينومينولوجياً مرعباً في أجساد الشخصيات. فالوباء الذي يضرب النجع تجسيد جسدي لحالة القهر السياسي والوجودي، وليس ناتجا عن وباء بحت. وهنا يصف السارد تحول الشخصيات إلى زجاج هشّ بدقة تشريحية هذيانية، يقول: وهكذا استيقظ الشيخ ليجد رؤوس الناس وقد غدت أشبه برؤوس السلاحف. حتى النساء رُحن يغطين رؤوسهن بعدما كنّ يتنافسن في قياس أطوال شعورهن.
إن استعارة السلحفاة هنا تحمل دلالة أنطولوجية عميقة؛ فهي ترمز إلى الانسحاب إلى الداخل والتقوقع داخل الذات التي تصبح آلية دفاعية ضد واقع خارجي مفكك. وما سقوط الشعر والحواجب إلا تجريد للكائن من هويته الفردية وملامحه التعبيرية، ليتحول الجميع إلى كتلة متجانسة من الخوف. وهذا المسخ هو المعادل الموضوعي لما يسميه هايدغر سقوط الدزاين، حيث يفقد الكائن أصالته وينخرط في الهم اليومي والترقب المميت.
2- أنطولوجيا التمثال المبتور: موت الأب الرمزي:
يحتل تمثال الزعيم عبد الناصر موقعاً مركزياً في بنية النص، ولكنه تمثال مشطور نصفين. هذا البتر الدرامي هو تفكيك لبنية الأب الرمزي. والتمثال الذي انتصب ذات يوم في باحة داره… قد انشطر نصفين، والذي يصفه النص بأنه صنم بلا هيبة، ومحطة انتظار للطيور المتعبة، يمثل انهيار السردية القومية الكبرى.
إن وجود النصف السفلي في مكانه بينما الرأس مركز السلطة والوعي مفصول، يشير إلى حالة انفصام مجتمعية؛ جسد بلا رأس، وحركة بلا توجيه. والأسطورة التي ينسجها الناس حول التمثال الذي ينشط بعد مغيب الشمس… ليجوب الطرقات كأنه يتفقد أحوال رعيته تعكس حاجة العقل الجمعي المأزوم إلى ميتافيزيقا الخلاص حتى لو كانت عبر وثن محطم.
3- الزمن المتجمد والذاكرة المثقوبة:
يعتمد النص تقنية السرد المتشظي ليعكس تشظي الزمن. فالحرب في الرواية حالة، بلا بداية ولا نهاية. يقول السارد: توقفت الكتاتيب… وشب عن طوق الطفولة جيل كامل يحفظ الآيات ولا يجيد قراءتها. هذا التجميد للزمن يخلق فجوة إبستمولوجية؛ فالأجيال الجديدة تنشأ في اللازمن، حيث الماضي، ما قبل الحجر/الحرب، أسطورة، والمستقبل، ما بعد الألغام، مستحيل. إنّ الزمن هنا دائري، عبثي، يعيد إنتاج القلق دون الوصول إلى حل.
المبحث الثاني: ديناميات الهدم (تفكيك اليقين الزائف):
يمارس النص عملية هدم ممنهجة للمقولات التي تمنح الطمأنينة الزائفة، وذلك عبر شخصيات تمثل أقطاب الصراع الفكري: نكر منهم: الشيخ أيوب وخليل الخواجة ونوح النحال.
1- هدم السلطة المعرفية (خليل الخواجة):
يمثل خليل الخواجة السلطة البطريركية المهيمنة التي تحتكر الحقيقة. إذ يمتلك الراديو وسيلة الاتصال بالعالم والمطبعة وسيلة إنتاج المعرفة/الجريدة، ويتحكم في المؤن الاقتصادية. ويقوم الخواجة بصناعة واقع بديل بمفهوم جان بودريار؛ فهو يطبع جريدة صوت الحرب بأخبار ملفقة عن انتصارات وهمية، ويوزعها على أناس لا يقرؤون.
النص يهدم هذه السلطة عبر كشف آلياتها: هذا الرجل العارف بشؤون الحرب عزا الأمر إلى سقوط نيزك… ثم عاد وأكد أن الحرب لن تصل إلى حدود النجع. والخواجة هو مهندس الوهم، وهدمه يتم عبر شخصية نوح النحال المجنون/الحكيم الذي يصرخ بالحقيقة التي لا يريد أحد سماعها: أيها المبتلون بموت مؤجل… نحن أحياء لأن الموت لم يمر من هنا بعد.
2-هدم الطمأنينة الدينية التقليدية (أزمة الشيخ أيوب):
لعل أخطر ما في الرواية هو تفكيكها لليقين الديني التقليدي الذي يمثله الشيخ أيوب. فالشيخ، ابن الولي، يجد نفسه عاجزاً أمام سهم الله المتمثل في النيزك/الوباء. والدعاء التقليدي لا يستجاب، والطقوس المعتادة تفقد فاعليتها.
يصل الهدم ذروته في مشهد صلاة القلق. هذه الصلاة المبتدعة هي إعلان صريح عن فشل اللاهوت القديم في استيعاب الكارثة. يقول الشيخ في خطبته: نعرف جميعاً ما حل بنا من ضرر… الحال لا يسر… والصحة في اعتلال… والقلق والهم والكدر سمات بتنا نتقاسمها. إن تحويل الصلاة من فعل يقين إلى فعل قلق يتمثّل في سجدتين بلا ركوع، تبدأ كل واحدة وتنتهي بالجلوس، هو قلب للمفاهيم؛ فالعبادة هنا لم تعد تسليماً بالمقادير، وإنما أصبحت مفاوضة مع المجهول، واعترافاً بالعجز المطلق. إنه إيمان المأزوم الذي لا يجد ملجأً سوى الصراخ في وجه السماء.
3- هدم اللغة (حكيم الأخرس):
شخصية حكيم، ابن الخواجة الأخرس، تمثل هدم اللغة المنطوقة التي تؤدي إلى تزييف الحقائق. فحكيم فقد لسان الكذب، لكنه مازال يمتلك الكتابة أداة للتوثيق. إنه الشاهد الصامت الذي يرى ما لا يراه الآخرون، ويكتب ما لا يجرؤون على قوله. وما عجز حكيم عن الكلام إلا إدانة للوغوس السلطة؛ فالحقيقة في نجع المناسي مرعبة لدرجة أنها تكتب في الخفاء أو تظهر كوشم على الجدران، ولا ينبس بها أحد!
المبحث الثالث: استراتيجيات إعادة البناء (لاهوت الشك والأفق الجديد):
بعد هدم اليقينيات الزائفة، يشرع النص في ترميم الذات الإنسانية عبر استراتيجيات بديلة، مؤسساً لما يمكن تسميته أنطولوجيا الصمود عبر القلق.
1- القلق طقس تطهيري:
يعيد النص الاعتبار للقلق بوصفه حالة إيجابية. ففي صلاة القلق، يتحول الاضطراب الداخلي إلى طاقة روحية. والشيخ أيوب، حين يبتدع صلاته، إنّما يعيد صياغة الإيمان ليكون متسقاً مع الواقع المأساوي. صل معنا يا حكيم، ففي ابتهالاتك الدامعة مناجاة للرحمة. الأمر إذن خارج دائرة الكفر تماما! إنّ إعادة البناء هنا تتم عبر المشاركة في الألم. فالقلق يتجاوز الشعور الفردي، ليصبح طقساً جماعياً يوحد النجع. ويمسي الاعتراف بالخوف الخطوة الأولى نحو التحرر من سطوة الخواجة وأوهامه.
2- الكتابة فعل مقاومة وتدوين علاجي:
يمثل محروس الدباغ كاتب الجلسات نموذجاً لإعادة بناء الذات عبر السرد. إنه يكتب للطبيب النفسي، لكنه في الحقيقة يكتب لنفسه وللتاريخ. أكتب اليوم لأني مطالب بالكشف عن أوجاعي… اعتدت أن أستبدل باللسان القلم. إنّ الكتابة هنا هي فارماكون عند دريدا؛ هي السم والدواء معاً. إنها تستحضر الألم لتعالجه. ومن خلال تدوين الحكايات: حكاية النساج وشواهي والنحال، يعيد السارد بناء الذاكرة الجمعية التي حاولت السلطة عموما وسلطة الخواجة تحديدا طمسها. وما الأوراق التي يكتبها إلا وثيقة وجود ضد المحو والنسيان.
3- الجسد أفق للتحرر (شواهي):
تمثل شخصية شواهي الغجرية استراتيجية التحرر الجسدي/الغريزي. ففي مواجهة الموت والجمود، تطرح شواهي الحياة في صورتها الخام برقصها وعطرها وجسدها، وكلها أدوات لمقاومة ثقافة الموت. وما هروب شواهي مع حكيم في النهاية، في الحلم أو الواقع، إلا تمثيل للخروج من النص والخروج من دائرة النجع المغلقة إلى فضاء العالم الأرحب. ها قد نبت جناحاك… ها أنت تتحرر من صندوق الدود. إنّ إعادة البناء تكمن في الحركة، في كسر طوق الألغام والمضي نحو المجهول، حتى لو كان الثمن هو الموت.
الحوار العالمي: صلاة القلق في مواجهة الغثيان لسارتر:
عند وضع صلاة القلق في موازاة رواية الغثيان لجان بول سارتر، تتكشف تقاطعات واختلافات جوهرية تثري القراءة الفلسفية للنص العربي.
نقاط التقاطع (الوعي بالوجود):
كلا النصين يتعامل مع أزمة الوجود الخام. روكانتان عند سارتر يشعر بالغثيان حين يدرك عبثية الأشياء وانفصالها عن المعنى. وبالمثل، يشعر سكان نجع المناسي بالقلق حين يدركون زيف الواقع الذي يعيشونه ممثّلا في الحرب الوهمية والتمثال المحطم. وفي الحالتين، هناك تمزق بين الذات والعالم. إنّ اللحظة التي ينظر فيها الشيخ أيوب إلى شظايا النيزك ويتساءل عن ماهيتها، توازي لحظة تأمل روكانتان للحجر على الشاطئ. كلاهما يواجه الشيء في ذاته مجرداً من التفسيرات الجاهزة.
نقاط الاختلاف (الفردية مقابل الجماعية):
تبدو أزمة روكانتان عند سارتر فردية بامتياز. وما الغثيان إلا نتاج لحريته المطلقة ووحدته. والحل هو الإبداع الفني الفردي. أما عند محمد سمير ندى: فأزمة نجع المناسي جماعية وتاريخية. وما القلق إلا نتاج امتلاء بالقهر والكذب السياسي. والحل لا يتجلى في الفن المجرّد، بقدر ما يتجلّى في الفعل الجماعي من صلاة وثورة وهروب. وقلق سارتر أنطولوجي محض ونابع من الوجود ذاته، ومحاولة لإدراك روكانتان لعبثية العالم. بينما قلق صلاة القلق قلق أنطولوجي-سياسي نابع من الوجود المشوه بالسلطة. وفي صلاة القلق، على عكس الغثيان، يجب أن تصلي لهذا القلق، أي أن تحوّله إلى طاقة روحية لمواجهة الخواجة وسلطاته وألغام الواقع المادي.
الخاتمة الاستشرافية: من صندوق الدود إلى أفق الاحتمال:
تنتهي الرواية بتقرير طبي بارد يشخص حالة محروس الدباغ ويشكك في مصداقية سرده، مما يلقي بظلال من الشك على الحكاية برمتها. هل كان كل ذلك محض ذهان؟ هذا التشكيك النهائي هو ذروة فلسفة القلق. إنه يترك القارئ بلا يقين، تماماً كأبطال الرواية. لكن، في عمق هذا الشك، تكمن الحقيقة الأهم: أن الحكاية قد رويت. لقد نجح النص في تحويل القلق من حالة شلل إلى حالة إبداع. فصلاة القلق، بهذا المعنى، وثيقة إدانة لواقع عربي عاش في صندوق الأوهام لعقود. وما الهدم الذي مارسه النص لصورة الزعيم واليقين الديني الساذج، إلا شرطا ضروريا لإعادة بناء وعي جديد يدرك أن الحرية هي المخاطرة بعبور حزام الألغام، وأن الحقيقة هي ما يكتبه الأخرس في الظلام.
إن صلاة القلق هي صلاة العصر الحديث، حيث يتجلّى الإيمان في القدرة على العيش والمقاومة في قلب الشك.
الهوامش والمراجع:
- Martin Heidegger, Being and Time, translated by John Macquarrie and Edward Robinson. (للإحالة إلى مفهوم سقوط الدزاين والقلق الوجودي).
- Michel Foucault, Of Other Spaces: Utopias and Heterotopias, Architecture /Mouvement/ Continuité, October 1984. (لتحليل بنية نجع المناسي كمكان آخر).
- Jean Baudrillard, Simulacra and Simulation, translated by Sheila Faria Glaser. (لتحليل شخصية الخواجة وصناعة الواقع الزائف).
- Jean-Paul Sartre, Nausea, translated by Lloyd Alexander. (للمقارنة الفلسفية).
- Jacques Derrida, Dissemination, translated by Barbara Johnson. (لمفهوم الفارماكون والكتابة كدواء/سم).
- محمد سمير ندى، صلاة القلق، (تونس: منشورات ميسكلياني، ط1، 2024). (المصدر الأساسي للتحليل والاقتباسات).
- Sigmund Freud, The Uncanny, translated by David McLintock. (لتحليل الغرائبية في تماثيل النجع وتحولات البشر).
[1] يُشير النص هنا إلى تداخل مستويين من المسخ في رواية “صلاة القلق”؛ فبينما يمثل “التزجج” (التحول إلى زجاج) الحالة الأنطولوجية (الوجودية) والمادية التي أصابت سكان “المناسي” كرمز للهشاشة القصوى أمام القلق، يأتي توصيف الرؤوس بـ “رؤوس السلاحف” كتمثل فينومينولوجي وسلوكي يعكس حالة الذعر الجماعي. فالشيخ، بوصفه مراقباً، لا يرى في التحول العضوي إلا ما يفهمه، فيقوم برصد “سيكولوجيا الانكماش” حيث ينسحب الإنسان داخل قوقعته الخاصة اتقاءً للانكسار، مما يجعل مشهد السلاحف استعارة بصرية مكثفة لحالة التقوقع والهروب من المواجهة الوجودية التي يفرضها الواقع الزجاجي الجديد.
مجلة قلم رصاص الثقافية
مجلة قلم رصاص الثقافية رهان أخير على دور الفكر الحر والمسؤول في إعادة بناء الوعي واستعادة منظومة القيم، "على قلم وساق" من أجل ثقافة هدفها الإنسان.