الرئيسية » رصاص أحمر » حوار مع  AI Claude حول التاريخ والحقيقة

حوار مع  AI Claude حول التاريخ والحقيقة

س1: هل صحيح أن عمر بن الخطاب حين استلم الخلافة قام  بسجن خالد بن الوليد طوال حياته؟

ج1: لا، هذا غير صحيح. عمر عزل خالداً من القيادة مرتين (13هـ و17هـ) لأسباب سياسية وإدارية، لكنه لم يسجنه. خالد عاش حراً في حمص حتى وفاته عام 21هـ. بل إن عمر ندم لاحقاً وقال “ندمت على ما كان مني إليه”.

س2: وماذا عن قتل خالد بن الوليد  لمالك بن نويرة؟

ج2: هنا المشكلة الحقيقية تبدأ. لدينا ثلاث روايات متناقضة تماماً: الأولى تقول إن خالداً قتله لأنه ارتد ومنع الزكاة. الثانية تزعم أنه قُتل بسوء فهم لغوي، بين خالد وجنوده  لأن كلمة “دفئوا” تعني “اقتلوا” في لهجة كنانة. والثالثة تدّعي أن خالداً قتله ليتزوج امرأته. كل الروايات موجودة في نفس الكتب التاريخية  بنفس درجة الثقة.

س3: لكن أليس وجود روايات متعددة دليلاً على أمانة المؤرخ؟ الطبري ينقل كل ما وصله دون إخفاء، أليس هذا منهجاً مقبولا قبل مئات السنين؟

ج3: ظاهرياً نعم، لكن المشكلة أعمق. نقل كل الروايات دون ترجيح أو تمحيص يعني أن المؤرخ يتهرب من مسؤوليته. الطبري نفسه يقول في مقدمة كتابه إنه ينقل الروايات كما وصلته، وإن استنكرها القارئ فالمسؤولية على الراوي لا عليه. هذا ليس منهجاً علمياً، بل إخلاء مسؤولية صريح. التاريخ ليس أرشيف روايات، بل محاولة لفهم ما حدث فعلاً.

س4: لكن ألا يعطينا الإسناد مصداقية؟ نحن نعرف من روى عن من، سلسلة كاملة تصل للحدث. والإسناد كما تعرف هو عماد جميع المرويات التاريخية بل والدينية بل حتى الأدبية ..

ج4: الإسناد يثبت مسار النقل، لا صحة الحدث. يخبرك أن فلاناً روى عن فلان عن فلان، لكنه لا يثبت أن ما رُوي حدث فعلاً. خاصة عندما تكون الفجوة الزمنية قرنين أو ثلاثة. الإسناد آلية نقل شفهي، وليس أداة للتحقق التاريخي. ثم ماذا لو كان الكذب في أصل السلسلة؟ الإسناد الصحيح لا يصحح الرواية المختلقة.

س5: لحظة، الطبري يكتب تاريخاً “من بدء الخلق” حتى عام 302هـ، أليس هذا مجرد تقليد أدبي لإطار ديني؟ هل من المنطقي أن ننتقده على هذا؟

ج5: المشكلة ليست في وجود الإطار الديني، بل في الخلط بين الأسطورة والتاريخ. عندما يروي الطبري خلق آدم بنفس الأسلوب والثقة التي يروي بها فتح دمشق، يطمس الفرق بين الحكاية الدينية والحدث التاريخي. القارئ غير الناقد يبتلع كل شيء كحقيقة موثقة. كيف يمكن الثقة بمؤرخ يروي لك بثقة مطلقة أحداثاً من “بدء الخلق” لم يشهدها أحد، ثم يروي لك بنفس الأسلوب أحداثاً حصلت قبل 300 سنة من زمنه؟

س6: لكن الناس في ذلك الزمن لم تكن لديهم أدوات المنهج التاريخي الحديث، أليس من الظلم أن نحاكمهم بمعاييرنا؟

ج6: هذا صحيح، ولا أحد ينتقد الطبري لأنه لم يستخدم منهجاً لم يُخترع بعد. المشكلة أننا اليوم، في القرن الحادي والعشرين، لا نزال نتعامل مع كتاباته كمصدر نهائي دون إخضاعها للنقد. نحن من يجب أن يُحاكَم، لا الطبري. هو كتب بأدوات عصره، لكن لماذا نقبل نحن هذه الكتابات كحقائق مقدسة رغم امتلاكنا لأدوات نقدية أفضل؟

س7: إذا كان تراثنا التاريخي مشكوكاً فيه إلى هذه الدرجة، ألا يعني ذلك أننا نفقد هويتنا التاريخية بالكامل؟ أليس هذا عدمية تاريخية؟

ج7: على العكس، النقد لا يعني الإلغاء. الفرق بين أن تقرأ التاريخ كعقيدة، وأن تقرأه كمحاولة بشرية لفهم الماضي. يمكننا أن نفهم كيف رأى الناس أنفسهم، ما هي قيمهم، صراعاتهم، سردياتهم، دون أن نصدق كل تفصيل. الهوية لا تُبنى على الوهم، بل على الفهم النقدي. العدمية الحقيقية هي أن نرفض السؤال خوفاً من الإجابة.

س8: أعتقد أنه يمكن تلخيص هذه الإشكالية بمصطلح القداسة. قداسة الرموز وقداسة الأشخاص وقداسة المعتقدات . وربط أي محاولة لتفكيك ذلك بالطعن في الدين والإلحاد وتهم أخرى تصيب أي مفكر عربي بالرعب من السلطة الدينية والاجتماعية.

ج8: هذا بالضبط جوهر مشكلة التقديس. العقل العربي يربط التاريخ بالدين ربطاً عضوياً، فيصبح نقد الرواية التاريخية وكأنه نقد للدين. عبارة “هؤلاء علماء أجلاء” تُنهي أي نقاش. كأن كونهم علماء يعني أنهم معصومون من الخطأ أو التحيز أو التأثر بالسياق السياسي. لكن التاريخ ليس وحياً، والمؤرخون ليسوا أنبياء. هم بشر يخطئون، ينحازون، يخدمون سلطة، يعكسون عصرهم.

س9: وهل المشكلة محصورة في التاريخ القديم؟ ألا يفترض أن العصر الحديث بأدواته التكنولوجية حل هذه الإشكالية؟

ج9: لنأخذ سوريا مثالاً واقعياً. منذ 2011، كل شيء موثق بالفيديو والصورة، لكن بعد أربعة عشر عاماً، ما الذي حدث بالضبط؟

رواية تقول: ثورة شعبية سلمية ضد ديكتاتور، قمعها النظام بالبراميل المتفجرة والكيماوي. لديهم فيديوهات التظاهرات السلمية، شهادات المعتقلين، صور الدمار. رواية أخرى تقول: مؤامرة خارجية لإسقاط آخر نظام ممانع، والمسلحون إرهابيون. لديهم فيديوهات لمسلحين يقطعون رؤوساً، وثائق عن تمويل خارجي. رواية ثالثة تقول: صراع طائفي معقد بين سنة وعلويين وأكراد، لا علاقة له بالحرية. لديهم تحليلات ديموغرافية وخرائط. رابعة تقول: حرب بالوكالة بين أمريكا وروسيا، السوريون مجرد وقود. لديهم وثائق التدخلات الأجنبية.

والآن، ماذا عن هيئة تحرير الشام؟ البعض يراهم محررين أنهوا ديكتاتورية نصف قرن. آخرون يرونهم امتداداً للقاعدة متنكرين بثوب معتدل. فريق ثالث يقول إنهم أداة تركية. رابع يقول إنهم تطوروا فعلاً من تنظيم متطرف لحركة وطنية.

كل رواية تملك أدلة. فيديوهات حقيقية، وثائق موثقة، شهادات موثوقة. لكن كل رواية تختار من المحيط الهائل ما يناسبها. تبرز فيديو وتتجاهل عشرة، تصدق شاهداً وتشكك في مئة. بعد مئة عام، عندما يحاول مؤرخ فهم ما حدث، سيجد ملايين الفيديوهات والوثائق المتناقضة. كيف سيختار؟ بنفس الطريقة التي اختار بها الطبري: وفق انحيازه وسياقه السياسي. التكنولوجيا لم تحل المشكلة، بل ضاعفتها.

س10: لكن على الأقل الأدلة موجودة اليوم، أليس هذا تقدماً حقيقياً عن زمن الطبري؟

ج10: الأدلة موجودة، لكنها غارقة في طوفان من المعلومات المتناقضة. هذا لا يسهّل الوصول للحقيقة، بل يعقّده. في زمن الطبري المشكلة كانت ندرة المعلومات. اليوم المشكلة فيضان المعلومات. والنتيجة واحدة: ضياع الحقيقة. كل طرف يختار من المحيط الهائل ما يناسب سرديته، ويتجاهل الباقي. الانتقائية لم تختف، بل أصبحت أسهل وأخفى.

س11: لكن ألا يمكن للمنظمات الدولية المحايدة أن تثبت ما حدث؟ لدينا الأمم المتحدة، محكمة الجنايات الدولية، منظمات حقوقية.

ج11: “المحايدة” هي الكلمة المشكلة هنا. هل توجد فعلاً جهة محايدة في عالم منقسم سياسياً؟ تقرير من الأمم المتحدة يُتهم بالتحيز من روسيا. تقرير من منظمة حقوقية غربية يُتهم بالتسييس من النظام. حتى المنظمات الدولية تعمل في سياقات سياسية، تخضع لضغوط، تموّل من جهات لها أجنداتها. الحياد المطلق وهم، في التاريخ القديم والمعاصر.

س12: إذا كانت الأدلة المادية نفسها قابلة للتزوير والتلاعب، فما الذي يجعلها أفضل من الروايات الشفهية؟

ج12: الفرق في قابلية الفحص من أطراف متعددة مستقلة. فيديو مزور يمكن كشفه بالتحليل الرقمي، وثيقة مزورة يمكن فحص حبرها وورقها ومقارنتها. الكذب المادي يترك آثاراً قابلة للتتبع. أما الرواية الشفهية المنقولة عبر 290 سنة، فكيف تفحصها؟ لا دليل مادي تعود إليه، لا شاهد تستجوبه. إذا كانت مختلقة من الأساس، كيف تكتشف ذلك؟

س13: لكن ألا تحتاج عملية الفحص ذاتها إلى جهات موثوقة؟ من يفحص الفاحصين؟ أليست هذه دوامة لا نهائية من الشك؟

ج13: هذا سؤال جوهري. نعم، الفحص يحتاج إلى جهات مستقلة، والاستقلالية نفسها نسبية. لكن الفرق أن الفحص العلمي قابل للتكرار من جهات مختلفة. مختبر في فرنسا يحلل فيديو، آخر في اليابان، ثالث في البرازيل. التطابق في النتائج يرفع درجة اليقين. أما في التاريخ القديم، فلا يوجد ما تفحصه أصلاً. الشك ليس دوامة، بل منهج. الثقة المطلقة هي الدوامة الحقيقية.

س14: كأن  طوفان المعلومات يساوي صفر معلومات. هل أنت موافق؟

ج14: القيمة ليست في الكمية بل في القدرة على الفرز. عندما يكون أمامك مليون فيديو عن سوريا، كيف تفحصها كلها؟ لا يمكنك. فتختار بناءً على ما يظهر أولاً في بحثك، أو ما تنشره الجهة التي تثق بها. وكل هذه القنوات منحازة بطريقة أو بأخرى. الطوفان يشل القدرة على التمييز، فيصبح وجود مليون دليل مثل عدم وجود أي دليل. كل طرف يجد ما يريد ويتجاهل الباقي.

س15: ألا تُصمّم التكنولوجيا الحديثة لتسهيل الوصول للمعلومات الدقيقة؟ محركات البحث، الذكاء الاصطناعي، أليست هذه أدوات للحقيقة؟

ج15: مُصممة للربح، لا للحقيقة. خوارزميات وسائل التواصل تكافئ الإثارة والانتشار، لا الدقة. الفيديو الصادم ينتشر أسرع من التحليل الرصين. العنوان الاستفزازي يحصد المشاهدات أكثر من البحث الموثق. التكنولوجيا مبنية على الإغراق المتجدد، إنتاج كميات هائلة من المحتوى كل ثانية، ليس على الاختيار والنوعية. الحقيقة الهادئة تغرق في الضجيج.

س16: تتحدث عن تقديس العقل العربي للتراث، لكن ألا يعاني العقل الغربي من مشكلة مشابهة؟ أليس هناك أساطير تاريخية غربية تُقدّس أيضاً؟

ج16: بالتأكيد، لكن المشكلة مختلفة. العقل الغربي لديه مشكلة اللامبالاة المعلوماتية والاستسلام للخوارزميات. طوفان من الأخبار يصله كل ثانية، لا يملك الوقت ولا الطاقة لفحصها، فيستسلم لما تقدمه الخلاصة. النتيجة: تقديس رقمي غير واعٍ. تقديس الترند، الفيديو الفيروسي، ما تقوله “الخوارزمية”. الفرق أن التقديس العربي واعٍ ومعلن، بينما التقديس الغربي مخفي ولا واعٍ.

س17: هل تقول إن الخوارزميات أصبحت سلطة جديدة تُملي علينا ما نصدق؟

ج17: ليست سلطة بالمعنى التقليدي، لكنها أخطر. لأنها غير مرئية وتعمل بهدوء. خلاصة أخبارك مصممة لتبقيك منحازاً، غاضباً، منخرطاً، لا لتعلمك الحقيقة. الخوارزمية تعرف ما تحبه وتكرهه، فتعطيك المزيد منه. تعيش في فقاعة تعزز قناعاتك، ولا تسمع أصواتاً مخالفة إلا للسخرية منها. هذا تقديس رقمي: الاستسلام الكامل لما تقدمه التكنولوجيا دون سؤال عن كيفية اختياره أو من يختاره.

س18: إذا كان كل من العقل العربي والغربي يعاني من مشاكل بنيوية، فهل هناك أمل في الوصول للحقيقة التاريخية أصلاً؟

ج18: الحقيقة المطلقة مستحيلة، في التاريخ القديم والمعاصر. لكن درجات اليقين تختلف. عندما تملك أدلة متعددة من مصادر مستقلة ومتعارضة، شهادات متطابقة في التفاصيل، إمكانية الفحص والتدقيق، تصبح درجة اليقين أعلى. ليست يقيناً مطلقاً، لكنها أفضل بكثير من رواية منقولة شفهياً عبر ثلاثة قرون بلا دليل مادي. الأمل يبدأ بالتواضع المعرفي: الاعتراف بأننا لا نعرف كل شيء، وأن ما نظنه حقائق قد يكون مجرد روايات.

س19: التواضع المعرفي يبدو مثالياً، لكن كيف يُمارس عملياً في عالم يطالبك دائماً باتخاذ موقف؟

ج19: بالشك المنهجي، لا العدمي. تفحص المصادر، تقارن بينها، تبحث عن الأدلة المادية، تعترف بالفجوات في معرفتك. تتخذ موقفاً لكن تظل مستعداً لتغييره عند ظهور أدلة جديدة. لا تقدّس الروايات لأنها قديمة، ولا تصدّق كل ما ينتشر لأنه رقمي. المنهج النقدي ليس رفاهية فكرية، بل ضرورة في عالم مليء بالسرديات المتنافسة. التاريخ لا يُكتب بالإيمان الأعمى ولا بالاستسلام للخوارزميات، بل بالسؤال المستمر والبحث الدقيق والاعتراف بحدود ما نعرف.

مجلة قلم رصاص الثقافية

عن د. حسان الجودي

د. حسان الجودي
شاعر وكاتب سوري، حاصل على إجازة في الهندسة المدنية من جامعة دمشق, ودكتوراه في الهندسة المدنية من جامعات بولونيا. عمل مدرساً في قسم الهندسة المائية، بكلية الهندسة المدنية - جامعة البعث. حاصل على جائزة سعاد الصباح للإبداع الشعري عام 1994 عن مجموعته مرايا الغدير.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *