الرئيسية » قلم رصاص » وللمُدُنِ مَذاقاتٌ مُختلفة كما فَاكِهة الجَنّات (6)

وللمُدُنِ مَذاقاتٌ مُختلفة كما فَاكِهة الجَنّات (6)

6 ـ صوفيا..

اسمها القديم “سيرديكا” أي القلب، بسبب موقعها الجغرافي وسط شبه جزيرة البلقان حيث يلتقي الشرق بالغرب.

مدينة الكنائس بقبابها الذهبية، القرميدية والخضراء.. صغيرة وهادئة تحتضنها مجموعة من الجبال التي تحيط بها وكأنها تعانقها كي لا تصاب بأذى، تماماً كما يحتضن قاسيون امرأته دمشق المسترخية على سفحه.

*****

تقول الحكايا الشعبية والأساطير المتناقلة شفاهاً بأن دمشق اليوم تقوم فوق سبع طبقات من مدن، تشهد على ذلك الآثار وخزانات المياه الجوفية التي تتكشف بين فترة وأخرى أثناء الحفر، مما أعاق إتمام مشروع المترو المقترح منذ سنوات بعيدة خوفاً على ذلك التاريخ المختبئ تحت تربتها، وكأن دمشق 2020 سيسيئها ذلك، دمشق التي لم يتبق من تاريخها وتراثها سوى اسمها، وبضع حارات قديمة تحيط بالأموي وذلك الياسمين الذابل المغبرّ، نتباهى به في لحظات الرومنسية والحنين على حساب العشوائيات وأحزمة الفقر، وتلك الكتل البيتونية التي طعنت قلبها متناسية التاريخ لتناسب الاستثمارات الخليجية ما قبل وقوع الحرب.

وعلى خلاف دمشق، تكشف صوفيا الحديثة عن المدن التي بُنيت فوقها من خلال محطات المترو وأنفاق المشاة وكأنها متاحف مفتوحة، فنشاهد أجزاء من المدينة الرومانية ذات الطابع الهندسي المعماري نفسه كما دمشق والإسكندرية من حيث الشوارع المتقاطعة التي تصل بين أربعة أبواب تحدد الاتجاهات السماوية، أهمها الباب الشرقي الذي يستبشر به الرومان في بناء مدنهم لتطل منه على تمطّي الشمس حين تستيقظ وراء الأفق.

من الأشياء المذهلة فيها وجود آثار مدرج روماني دائري خارج أسوارها استُعمل للصراعات بين المجالدين والوحوش، ويُقال بأن قطره أصغر بعشرة أمتار من الكوليسيوم الموجود في روما. جزء منه مكشوف للعرض داخل أحد الفنادق القريبة من معهد غوته.

أحب المدرجات الرومانية، ربما بسبب تخصصي في المسرح، لذلك أتحدث عنها كثيراً.. وأحب المقارنة بين المدن، والنبش في خصوصياتها لأتمكن من تذوقها والإحساس ببعض إيقاعها، فللمدن إيقاعات تماماً كما الموسيقى والريح. 

تقطع صوفيا أنهار ثلاثة، ليست صاخبة ولا هادرة، بل هادئة وخجولة، تمر فوقها جسور مزينة بتماثيل جميلة كجسري النسور والأسود.

جميلة تلك المدن التي تسكن تضاريسها الأنهار لتسكب عليها من خصوصيتها.

استغرب من نفسي علاقتي بالماء، وسؤالي المتكرر كلما زرت مدينة جديدة:

ـ هل فيها نهر؟ ما اسمه؟ 

وتفاصيل كثيرة قد تبدو غريبة لمن أسأله عنه.

دمشق فيها نهر أيضاً، يتفرع بأسماء مختلفة وسط ما تبقّى من تضاريسها. لكن أظن أن لا علاقة روحية بيني وبينه، وليس “بردى” هو سرّ ولعي بالأنهر بل “الفرات”، أعظم أنهار الدنيا وأقدسها بالنسبة لي لأنه جزء من ذاكرة طفولة بعيدة قرب ضفافه، وليس لأنه واحد من الأنهار الظاهرة في الجنة رغم طعم مائه الأطيب من طعم “زمزم”.

في صوفيا أيضاً ينابيع مياه معدنية حارة ذات مذاق كبريتي كانت حيزاً استثمارياً جيداً أثناء النظام الشيوعي السابق. معمارها خلطة بهارات حلوة تمزج بين الهندسة المعمارية الأوروبية مع العمارة الهندسية الشيوعية، إضافة إلى العمارة الإسلامية كالمسجد الذي بناه المعماري العثماني سنان، فهي المدينة الأوروبية الوحيدة التي تجتمع فيها مراكز الأديان السماوية الثلاث ضمن محيط واحد متقارب في تناغم وانسجام.

لا خصوصية لقهوتها، اكسبريسو ونسكافيه، ولا طقوس خاصة بشربها إلا إن كانت برفقة جيدة وأحاديث مثمرة بينما نشربها.

أحببت كثرة حدائقها ومنتزهاتها، جلست فيها طويلاً لا أفكر بشيء سوى الأخضر الذي يحيط بي، ورغم عريّ الكثير من أشجارها أنستُ إليها، فلدي نقص داخلي بسبب قلّة الأشجار في دمشق. أفكر: لو يزرع كل منا شجرة قرب بيته، ستخضرّ حياته كلها. لا أعرف.. لم نكره الأشجار إلى هذا الحد؟ قصصنا الغوطة وقضينا عليها دون عودة، وأهملنا ما تبقى من أشجار وأمتناها عطشاً، نقشنا عشتار قبيحة على إحداها فحكمنا عليها بالإعدام الفوري، كوّمنا زبالتنا قرب جذوعها، كسرنا أغصانها واعتبرناها مجرد حطب ميت، لا أصل حياة.

في وسط صوفيا شارع كامل فتح فيه العرب دكاكينهم، جنسيات مختلفة، فلسطينيون وأردنيون وسوريون، فرن لمناقيش الزعتر، مطعم كباب عراقي، بائع أراكيل، حلاق، ودكاكين سمانة. انظر إلى المنتوجات المعروضة في الواجهة بذهول، كأنني لم أغادر سوق الحميدية متراً واحداً، ألتقط صورة للواجهة التي يعرض فيها شامبو سنان للقمل قرب عبوة لزيت فاتيكا للشعر. في الداخل رُصف صابون غار حلبي قرب عبوات من بن الحموي ومنتجات الدرة الغذائية. أحاول أن أعرف جنسية البائع من لهجته فأعجز. فلسطيني من غزة، يشكو من صعوبة الحصول على بعض المنتجات السورية بشكل مباشر بسبب حربنا، يستوردونها عن طريق الأردن. لا يبدو متحمساً كثيراً لذهولي وأنا أشم رائحة توابل سوق البزورية في دكانه، فأنصرف متمنية له يوماً جميلاً.

الطقس متقلب، ربيعي تارة وفي اليوم التالي يفاجئك بهطول الثلج فتغير نمط ملابسك وأنت تتساءل إن كان التغير المناخي وارتفاع درجات حرارة الأرض سبب ذلك، أو ربما اختلال برمجة الطقس في جهاز الاندرويد الخاص بالله.

في الشوارع تنصب النسوة بسطاتهن ليبعن الـ”مارتنيتسا”، وهي شرائط ملونة بالأبيض والأحمر ترمز إلى الأنوثة والذكورة، وخروج الأرض من الموت إلى الحياة مع بداية الربيع الذي يحتفلون به في اليوم الأول من آذار.

بسطات على امتداد النظر، استعداداً لذلك اليوم الجميل. ورغم مظاهر الاحتفال، شعرت بثقل في قلبي بسبب العجائز اللواتي يقضين معظم اليوم على الرصيف على أمل أن يشتري أحد ببضع “ليفات”* ما صنعنه بأيديهن بحب. احزنني مظهر العجائز والأطفال المتسولين عند أنفاق المترو وعلى زوايا الطرقات، وتلك الشابات الغجريات السمر حاملات أولادهن الرضع تماماً كما في مدن كثيرة أعرفها.

أخبرني عبد الله قبل أن أسافر بأن الناس هنا حزانى، فرأيت ذلك أيضاً وأحسسته. فبلغاريا دولة أوروبية شرقية صغيرة تبعت المعسكر الاشتراكي سابقاً وحين نفضت شيوعيتها وانضمت إلى الاتحاد الأوروبي أصيبت بالفصام، حاولت سلخ ما تبقى من وصمة الشيوعية بتدمير معالم تلك الفترة  وتشويهها وكأن تحطيم تمثال سيمحي التاريخ. ورغم ذلك لم تستطع نيل رضا أوروبا الغربية الامبريالية والرأسمالية بجيناتها ذات العرق المتفوق، المتحكمة في اقتصاد والسياسات الخارجية والداخلية لجيرانها من الدول الأوروبية الشرقية المنبوذة.

فاجأني أصدقائي المسرحيين في الأول من آذار، ربطت ميلينا المارتنيتسا على رسغ يدي وتمنت لي الكثير من الأمنيات الجميلة التي ما كنت لأحلم بها، شعرت بدفء أمنياتها النابعة من القلب، دمعت عيني وتعانقنا. أخبرتني أن علي أن أربط المارتنيتسا في نهاية آذار على غصن شجرة مزهرة ليعم الخير والسلام والصحة، وهذا ما فعلته لاحقاً حين فككت عدة شرائط مارتنيتسا عن رسغي وعلقتها على أغصان نباتاتي في شرفة منزلي مع بدء الحجر المنزلي بسبب الكورونا.

*****

أدمنت الحدائق، أجلس على مقعد في حديقة قرب “سوق النسوان” أدخن سيجارتي واصفن في الوجود والكون، أراقب باعة الخضار والفواكه وزبائنهم، البضاعة الصينية التي تغزو الكوكب بأكمله معلقة خارج المحلات تحركها الريح كأعلام ملونة، سوق شعبي يذكرني بأسواقنا في بلداننا العربية فلا أشعر بالغربة، يسري فيه مفهوم ” المفاصلة” على السعر باستخدام التكتيك نفسه الذي أعرفه وأتقنه جيداً، إن لم تتفق مع البائع على السعر تتظاهر بالمغادرة، فيرمي في أثرك السعر الذي تريده أنت، اشتري فقط.

مرت بقربي امرأة في الستين من عمرها وطلبت سيكارة، أعطيتها واشعلتها لها، جلست قربي على المقعد وعرفتني عن نفسها:

ـ مايا..

تحادثنا بلغة هي مزيج بين الإنكليزية والروسية، سألتني أين اسكن، فأجبت. اختلفت تعابير وجهها وهي تنظر إلي، عرفتني عن نفسها مرة أخرى وسألت إن كان لدي عنوان بريدي. أخبرتها أن لا عنوان بريدي لدي، لكن يمكنني أن أعطيها رقم الهاتف. رفضت وسألتني عن عنواني مجدداً لأنها تريد أن ترسل لي رسالة، أخبرتها أن بريدنا ما عاد يعمل بسبب الحرب، سألتني إن كنت أحمل ورقة وقلم ثم كتبت لي عنوانها، بعدها نهضت وطلبت أن نلتقط صورة لنا سوياً، وقبل أن تغادر أخبرتني باسمها مرة أخرى:

– مايا..

ما زلت احتفظ بعنوانها في حقيبتي، وإن مررت قرب بريد الحجاز يوماً سأسأل إن كان يعمل، وسأرسل لها رسالة بالتأكيد مع طوابع جميلة إن أمكن أن أجدها.

فكرت بالوحدة التي تشعر بها، وبرغبة انتظار رسالة من شخص غريب سيذكّرها بوجودها هي. عادت بي الذاكرة إلى بهجة استلام الرسائل حين كان البريد وسيلة التواصل المعتمدة بين الناس في زمن مضى، زمن جميل مختلف عن زمننا الآن.

أحاول الاختباء من المطر المفاجئ وندف الثلج، أسير تحت الشرفات كي لا ابتلّ، أتوقف عند واجهة محل يبيع جوارب ملونة وانتظر على أمل أن يتوقف الثلج ولو قليلاً، أقف وانظر إلى لا شيء أمامي، فتشير لي المرأة التي في الداخل وتدعوني للدخول. أتحجج برغبتي في شراء زوج جوارب ملون، لا تفهمني حين كلمتها بالإنكليزية، أكلمها بالروسية فيشرق وجهها وتخبرني أنها من الجيل القديم الذي لا يتحدث الإنكليزية بل الروسية، تلك اللغة الشيوعية الاستعمارية، طبعاً هي لم تقل هذه العبارة بل أضفتها أنا، أما ابنتها المراهقة ورغم أنها تدرس في مدرسة روسية إلا أن علاماتها سيئة جداً لأن تفكيرها منصرف إلى أي شيء آخر عدا الدراسة. أصرف بعض الوقت في الحديث ولكن الثلج لا يتوقف، فأشتري زوجاً من الجوارب المضحكة وأغادر متمنية لها يوماً طيباً.

أمهات ذوي الاحتياجات الخاصة معتصمات رغم الثلج منذ سنوات حسب ما فهمت، ينمن بورديات في خيم مرتجلة أمام مبنى البرلمان يطالبن بزيادة المخصصات الحكومية لأطفالهن.

في يوم آخر شاهدت من نافذة الترمواي اعتصاماً للممرضات بسبب سوء الأجور. ورغم الوداعة التي تبدو عليها البلد إلا أن لها تاريخاً بالاحتجاجات الشعبية ضد فساد الحكومة، ففي عام 2011 احرق أحدهم نفسه احتجاجاً، أي لم يكن البوعزيزي فقط هو من احرق نفسه، بل سار الكثيرون على خطاه في منطقة جغرافية أخرى آملين في ثورة أو تغيير جذري حتى بلغوا الستين شخصاً خلال عشر سنوات، لكن دون جدوى.

*****

لم أستطع إكمال العرض المسرحي فخرجت، اشعلت سيكارة منتظرة خروج أصدقائي. يسألني الحارس المسؤول عن أمن المسرح إن كنت قد أحببت العرض فأجيبه بالنفي، يشاركني الرأي ويبدأ بشرح وجهة نظره بالبلغارية، لا أفهم ما يقول وهو لا يفهم الإنكليزية، نتكلم بلغتين محاولين اكتشاف الكلمات المتشابهة لنصل إلى تفاهم ما، يسألني من أين أنا.. فأجيب.

ـ هناك حرب.

يقول لي، فأحرك رأسي بالإيجاب.

تدمع عيناه، تتدحرج دمعه فيمسحها بكفه الخشنة، نتحدث في السياسة والانهيار الاقتصادي فتنهمر الدموع على خديه أكثر تواتراً يمسحها بطرف كمّه.

يسألني:

ـ كيف ستعودين إلى هناك، ألا تخافين؟

ابتسم، ينظر إلي مطولاً ويعتذر لأن أعصابه ضعيفة ولا يستطيع كبت انفعاله، ثم.. يستسلم لنوبة بكاء حقيقية.

ارتبك أمام تلك العاطفة، لا أعرف كيف أواسيه، كيف أقول أننا اعتدنا، لكني أحاول فألمس كتفه مواسية.

تمر أمامنا مجموعة من الأثرياء الجدد متجهين إلى مطعم قريب، يتابعهم بطرف عينه ثم يقول:

ـ يلف بوجهه عني كي لا أرى قهره أكثر.

ثم يقول:

ـ هذه البلاد ليست لنا.. نحن الفقراء..

يلف بوجهه عني

 

* الليفا: العملة المحلية البلغارية.

مجلة قلم رصاص الثقافية

عن آنــا عـكّـاش

آنــا عـكّـاش
كاتبة ومسرحية سورية، إجازة في اللغة الإنكليزية، إجازة في الدراسات المسرحية، دمشق، ماجستير في العلوم الثقافية وفنون العرض، تونس، عضو في اتحاد الكتاب العرب، وفي نقابة الفنانين، مؤسس فرقة "مراية المسرحية" 2017، عملت كمدرسة في المعهد العالي للفنون المسرحية، وعملت في المسرح القومي في دمشق كدراماتورج ومعدة ومؤلفة نصوص مسرحية وكمخرج مساعد، وفي السنوات الأخيرة بصفة مخرج مسرحي. سيناريست لعدد من الأفلام القصيرة والأعمال التلفزيونية السورية، إضافة لعملها كمستشار درامي في عدة أفلام سورية. تعمل في الترجمة من اللغتين الإنكليزية والروسية، إضافة إلى دراسات وأبحاث في المسرح أهمها "تاريخ الأزياء" و"الأصول التاريخية لنشأة المونودراما".

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *