الرئيسية » أثر الفراشة » التكالب على المناصب!

التكالب على المناصب!

في كثير من المجتمعات يبدو المنصب وكأنه غاية نهائية، يتسابق إليه الناس كما لو كان تتويجا شخصيا، ويُستقبل من يناله بقدر كبير من التبجيل والتهاني، حتى يخيل للمرء أن الأمر ارتقاء اجتماعي لا تكليف وظيفي. وفي المقابل، نادرا ما يُنظر إلى المنصب بوصفه عبئا ثقيلا أو مسؤولية مرهقة، مع أنه في جوهره كذلك. هذه المفارقة تكشف خللا أعمق من مجرد طموح أفراد؛ إنها نتاج تفاعل معقد بين النفس البشرية والثقافة السائدة وطبيعة النظام الذي تُمارَس في ظله السلطة.

الإنسان بطبيعته يسعى إلى التقدير والتأثير، ولا غرابة في أن يرغب بعض الناس في مواقع القرار. غير أن المشكلة تبدأ حين يتحول المنصب إلى مصدر أساسي للقيمة الذاتية، فيُقاس النجاح بالموقع لا بالأثر، ويُختزل الاحترام في اللقب لا في الفعل. عندها يصبح الكرسي رمزا للاعتراف الاجتماعي، ويغدو الوصول إليه هدفا بحد ذاته، لا وسيلة لتحقيق نفع عام. في هذه الحالة، لا يعود السؤال ماذا سأقدم من خلال هذا الموقع، بل ماذا سيمنحني هذا الموقع من مكانة وهيبة.

غير أن الأفراد وحدهم لا يصنعون هذه الظاهرة. الثقافة الاجتماعية تسهم في تضخيم صورة المنصب حين تحيطه بهالة من الاحتفاء، وتخلط بين احترام الدولة وتقديس الشخص، وتعامل المسؤول كما لو أنه انتقل إلى طبقة أعلى بمجرد توليه الموقع. تتكرر عبارات التهنئة وكأنها إعلان فوز شخصي، وتُمنح رمزية المنصب قيمة تفوق قيمته الوظيفية. ومع الوقت، يترسخ في الوعي الجمعي أن المنصب رفعة وتشريف قبل أن يكون مسؤولية ومساءلة.

ويزداد الأمر تعقيدا مع انتشار النفاق الاجتماعي، حيث يتحول التعامل مع المسؤول إلى مسرح من المجاملات المبالغ فيها والثناء غير المشروط. في العلن تُضخَّم إنجازاته، وتُصاغ العبارات بعناية لتأكيد عظمته، بينما تُؤجَّل الملاحظات أو تُقال همسًا في غيابه. هذا الانفصام لا يضرّ المجتمع فحسب، بل يضرّ المسؤول نفسه؛ إذ يعيش داخل فقاعة من الإطراء تحجب عنه الصورة الحقيقية لأدائه. ومع مرور الوقت قد يختلط عليه الأمر، فيظن أن الهالة حقيقة، وأن الصمت رضا، وأن المجاملة اقتناع. وبدل أن تكون البيئة المحيطة به معينا على التصحيح، تتحول إلى جدار يعكس صوته فقط. في بيئة كهذه تضعف الصراحة، وتتآكل ثقافة المساءلة، ويصبح تصحيح المسار أصعب، لأن الحقيقة لم تعد تُقال في حضرته.

ويأتي دور النظام ليكمل الصورة. حين تغيب المحاسبة الصارمة، وتضعف الشفافية، وتكثر الامتيازات المرتبطة بالموقع، يتحول المنصب من اختبار أخلاقي إلى فرصة مريحة ومربحة. في مثل هذه البيئة لا يبدو المنصب عبئا، بل مكسبا صافيا. فلا يظهر الضغط النفسي، ولا ثقل القرارات، ولا وطأة المسؤولية التاريخية، بل تبرز الامتيازات والمظاهر. وهكذا تتشكل حلقة متكاملة؛ ثقافة تمجد المنصب، وأفراد يتنافسون عليه، ونظام يعزز امتيازاته، ثم مجتمع يعيد إنتاج التبجيل من جديد.

ومع ذلك، فالسلطة في ذاتها ليست خيرا خالصا ولا شرا خالصا. إنها أشبه بعدسة مكبرة تكشف ما في النفس وتضخمه. إن كان صاحبها عادلا وسّعت عدله، وإن كان أنانيا عمّقت أنانيته. المشكلة ليست في وجود السلطة، بل في صورتها المشوهة وفي طبيعة العلاقة النفسية والاجتماعية معها. حين يُفهم المنصب كوسيلة لخدمة الناس، يصبح تكليفا ثقيلا، لأن كل قرار فيه يمسّ حياة الآخرين. أما حين يُختزل في رمزيته، فإنه يتحول إلى غاية مرغوبة مهما كانت التبعات.

ثمة مفارقة لافتة في هذا السياق؛ كثيرا ما يبتعد عن السلطة من لا يرغب بها ولا يثق في بريقها، بينما ينجذب إليها من يراها امتدادا لذاته أو وسيلة لتعظيمها. فإذا خلا المجال ممن يترددون أمام ثقل المسؤولية، بقي فيه من يطلبها بشغف. وهنا يكمن خطر ثقافي عميق، لأن الرغبة الشديدة في السلطة قد لا تقترن دائما بالقدرة الأخلاقية على حملها.

ربما لا يكمن الحل في محاربة الطموح، بل في إعادة تعريف النجاح ذاته. حين يُقاس النجاح بالأثر الحقيقي لا بالموقع، وبالنزاهة لا باللقب، وبالإنجاز لا بالامتياز، تتغير نظرة المجتمع تلقائيًا. وحين يُنظر إلى المنصب كمسؤولية مؤقتة خاضعة للمساءلة، لا كامتياز دائم، تنخفض الهالة ويتراجع التكالب.

الفرق بين التشريف والتكليف ليس لغويا فحسب، بل فرق حضاري. فالمجتمع الذي يقدّس الكرسي سيظل يرى المنصب قمة المجد، أما المجتمع الذي يقدّس المسؤولية فسيعلم أن المنصب عبء ثقيل لا يُقبل عليه إلا من يدرك وزنه. وعندها فقط يعود المنصب إلى معناه الحقيقي: أداة لخدمة الناس، لا وسيلة لرفع الذات.

مجلة قلم رصاص الثقافية

عن يوسف برهان

يوسف برهان
سيرتي هي ما أكتبه فقط! وليس لدي أية أقوال أخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *