الرئيسية » رصاص خشن » «الغريب +18» جزء من رواية «بين بابين»

«الغريب +18» جزء من رواية «بين بابين»

بدر أحمد علي |

-1-

…وجدت نفسي أقف أمام المفتاح الكهربائي. دارت عيناي في الفراغ. مددت يدي، وأطفأت المصباح، وأشعلته، أطفأته وأشعلته، ثماني مرات متتالية. الضوء يأتي وينحسر، يأتي وينحسر… لا أدرى أي شعور اعتمل بداخلي! هذا التتابع الرتيب للضوء والظلام أعاد إلى ذهني ذكرى قديمة، أشعر بها تفور بداخلي، وبالصور تطفو على صفحة ذهني. إنني الآن أسمع الأصوات، وأشم الروائح؛ نعم، أنا أفعل هذا الآن.

كان ذلك في أحد الأيام، لا أتذكر متى، في منزل لا أتذكره، ولا أتذكر أني رأيته فيما بعد. أشعة الشمس تعبر النوافذ والستائر البيضاء، تعلن عن اقتراب وقت الغروب. كنت في بهو المنزل، أجلس على كرسي مرتفع، وقدماي الصغيرتان تتأرجحان في الفراغ، ترتديان حذاء رياضياً محلول الأربطة. كان الحذاء أبيض اللون؛ نعم، كان كذلك. وكنت أمسك بيدي رغيف خبز قاسياً محشواً بالجبن، أقضم منه قضمات كسولة. على الجدار المقابل لي صورة كبيرة لجمال عبد الناصر، بإطار خشبي مزخرف. أسفلها كرسي بحواف كانت فيما مضى مذهبة. وإلى يمينه منضدة متوسطة عليها مصباح مكتبي وساعة منبه وبعض القوارير الملونة. فضاء البيت يعج برائحـة الصابون. ولا صوت فيه، سوى حفيف غــير مفهوم، وهمهمات خافتة وغير واضحـة.

فجأة فُتح باب المنزل على مصراعيه. على عتبته ظهر رجل ضخم، رشقني بنظرة سريعة، ثم اندفع نحو الداخل كقطار مجنون، تاركاً الباب من خلفه مفتوحاً. انتزع سترته العسكرية من على جسده المترهل، المفعـم بالشعـر والعـرق، وألقى بها بعيداً كيفما اتفـق، ثم تابع طريقـه ملقيـاً حـذاءه بلا مبالاة في بهـو المنزل.

ظهرتْ في البهو. رشقتْه بنظرة سريعة، ثم تبعته بخطواتها ونظراتها الغاضبة. دلف المطبخ. التقط إبريق الشاي ووضعه على الفرن، ثم فتح أحد الأدراج، ومن علبتين متجاورتين اغترف بيده بعض الشاي وبعض السكر وألقاهما في الإبريق. هتفتْ بعصبية واضحة:

  • ألا تعي ما يدور حولك؟!

من على منضدة قريبة التقط عبـوة مـاء معدنية وأفرغهـا في الإبريق. عـادت كلماتها النـارية تـدوي:

-أبناؤنا يضيعون من بين أيدينا! ابنك الأكبر لا ندري أين اختفى، والآخر أصبح يحمل بندقية ويرافق أولئك السكارى ليل نهار! لم تكلف نفسك عناء السؤال عنهم مجرد السؤال يا رجـل!!

على مؤخرته نفض يده من بقايا السكر والشاي، والتقط علبة ثقاب حاول بأربعة أعواد متتالية إشعال الفرن؛ ولكن دون جدوى. عاد صوتها متابعاً بحنق:

  • لا غاز… لا شيء في البيت، سوى أنت وأنا وقوارير الخمرة وأكياس القمامة!!

استند بكفيه على الفرن، وطأطأ رأسه مغمضاً عينيه، فبدا وكأنه يحاول التمسك بحلم، أو إغفاءة تحاول الفرار من بين جفنيه. جاء صوتها مرة أخرى، بالنبرة الحادة الغاضبة المستفزة ذاتها:

  • ابنك عاد أمس وآثار الدماء تملأ ثيابه… ألن تسأله عما جرى؟!

امتقع وجهه بشدة. ضرب إبريق الشاي بكفه، وأطاح به على الأرض بعنف، قبل أن يصيح بغضب جم وهو يلوح بسبابته بغضب:

  • أبناؤك! أبناؤك!… يخيل إليّ وكأنهم مازالوا في الحضانة! هذا القواد الذي تتحدثين عنه في الثلاثين! في عمره كنت وحدي، تعلمت وتزوجت وعملت وعرفت ما يجب عليَّ فعله! لم يقف إلى جواري أي ابن كلب! فعلت كل شيء بمفردي!

امتقع وجهها وهي ترد بغضب تشوبه الشماتة والاشمئزاز:

  • وحدي! وحدي!… يا رجل أوجعت رؤوسنا بهذه الكلمة التي ترددها منذ ثلاثين عاماً! تريد أن تفرض على أبنائك وكل من حولك أن يعيشوا بالنمط ذاته الذي عشته قبل ثلاثين عاماً!! ألا تشعر بالخجل؟!

تقدم منها وحدق في عينيها مباشرة قبل أن يصيح بصوت هادر وهو يشير بسبابته نحو البعيد بعصبية:

  • إذن سأترك عملي ومشاغلي وأتفرغ لمطاردة أبنائك في الأزقة والمواخير!

استدار إلى الخلف وخطى عدة خطوات، ثم استدار مرة أخرى وعاد نحوها ووقف أمامها وتابع قائلاً بغضب:

  • أو أمسك ميكرفوناً وأمضي أمشط الشوارع بحثاً عن ابنك الأكبر؟!! هذا ما تريدينه! أليس كذلك؟!

ردت بصوت عالٍ:

  • هم أبناؤك أيضاً، وعليك أن تتحمل مسؤولياتك كأب! معظم نهارك في الثكنة، وكل ليلك تقضيه محدقاً في ذلك السقف اللعين وأنت ترضع من قواريرك، ولا تهتم أبداً لما يدور حولك، وترمي بكل الحمل عليّ!

لوّح بكفه بغضب وغـادر المطبخ نحـو بهو المنزل وهو يصيح بضجـر:

  • قواريرك! قواريرك!… أنا أحصل عليها مجاناً، فكيف بك إذا كنت أشتريها؟! ماذا كنت ستفعلين؟! ستخرجين إلى الشارع لتصرخي في وجوه الناس بأن زوجك سكران؟! هه؟!

صمت لحظة قبل أن يتابع قائلاً باللهجة ذاتها:

  • نعم، إنني أتعاطاها لكي أنساكم، وأنسى العالم، وكل وجع القلب والرأس الذي تصرون على أن أتعاطاه معكم على مدار الساعة!

التقط إحدى القوارير الفارغة من على إحدى الطاولات وأشار نحوها بيد مرتجفة وهو يقول بحدة:

  • لولا هذه القوارير لانفجر قلبي ورأسي منذ عصور.

أنهى عبارته وهو يلقي القارورة بلا مبالاة في أحد أركان المنزل. على إيقاع كلماته الأخيرة ذوت ملامحها قبل أن تقول بمرارة واضحة:

  • نحن نسبب لك وجع الرأس؟!! لم أكن أعرف ذلك! حسبت أننا نحمل عنك عبء المشاركة في هذه الحياة؛ لكن للأسف كل هذا لا معنى له لديك!

سال طوفان أسود من عينيها، خنقها لثوان… وبعد أن استعادت جزءاً من تماسكها، تابعت بصوت عال امتزج بالبكاء:

  • وأي ملأ ذاك الذي سأخرج إليه؟! هل أنت أعمى؟! ألا ترى الشوارع الخالية والبيوت المهجورة؟!

ارتفعت وتيرة صوتها الممزوج بالبكاء وهي تقول:

– لا يوجد في هذا الحي سوانا! ألم تسأل نفسك كيف نعيش؟! وماذا نأكل؟! وماذا نشرب؟!… ألم تنتبه لذلك الخبز الجاف العطن الذي نأكله ليل نهار على جرعات الشاي؟!

دوى صوته قائلاً:

 –  الجميع يعاني. لسنا وحدنا فقط من يعاني. من أين آتي لك بالطعام؟! هل تريدين أن أخلقه لك؟!

دوى صوتها بغضب وهي تفرش كفيها نحوه:

 –  ولكنك تستطيع أن تأتي بقوارير الويسكي!! أليس كذلك؟! ألا يوجد متجر يبيع الطعام؟! هه؟! أم أن هذا النوع من المتاجر لا يدخل في إطار اهتماماتك؟!

صمتت لثوان ثم تابعت بلهجة تحدٍّ واستفزاز:

  • هل تعرف كم أتعرض للتحرش أثناء خروجي للبحث عن متجر يبيع الطعام؟! ومع ذلك أصمت ولا أحاول أن أعكر صفوك، مع يقيني أنك لن تفعل شيئاً؛ لأن هذا الأمر لا يعنيك إطلاقاً!

أدار لها ظهره، وعقد ساعديه أمام صدره وهو يزفر بغضب، فبدا كثور هائج يستعد للانقضاض على حمل ساذج دفعته سذاجته للعبث بهدوء ثور يتعاطى الجنون منذ أن ظهر على وجه هذه البسيطة. قال بحروف ضغط عليها بأسنانه:

  • هدى! ماذا تريدين بالضبط؟! هل تريدين افتعال مشكلة فقط لتعلو أصواتنا ويسمعها الجميع؟!

ابتسمت بسخرية ثم اتجهت بعصبية نحو نافذة ذات زجاج توزعت في فضائه ثقوب مستديرة سدت بأصابع من أكياس النايلون. أزاحت بعصبية الستار ذا الثقوب الأربعة، ثم فتحت النافذة بعنف وقالت بتقزز:

  • أي جميع يا رجل؟! لا يوجد أحد سوانا في هذا الحي! رحل الجميع، رحل الجميع!

ضغط على أسنانه أكثر وقال بغيظ:

  • هدى! ماذا تريدين الآن؟!

اقتربت منه ووقفت أمامه تحدق في عينيه بتحدٍّ، ثم قالت بصوت خفيض ينز الغيظ من بين أحرفه:

  • نرحل من هنا، إلى أي مكان! لم أعد أطيق البقاء في الظلام على وقع الجوع والخوف! أريد أن أغادر!

حدق في عينيها لحظات قبل أن يقول بغيظ وهو يلوّح بسبابته أمام وجهها:

  • حسن! لك ما تريدين. احزمي أمتعتك؛ ستكونين وحدك هناك. أما أنا فسأعود إلى بيتي!

استدارت إلى الخلف مغادرة وهي تلوّح بكفها بسخرية ثم قالت بحنق:

  • وحديوحدي! وماذا في ذلك؟! منذ ما يزيد على ثلاثين عاماً وأنا وحدي! هل تعتقد أنك كنت موجوداً في البيت أو في حياتنا؟! كنت مجرد قطعة من الأثاث يكتمل مظهر البيت بوجودها، وفي أحسن الأحوال كنت ضيفاً صامتاً لا يقدم ولا يؤخر ولا يعنيه شيء مما يحدث!

أنهت كلماتها وهي تصفق باب غرفتها خلفها بعنف، وتركته في البهو يتلوى بكرشه المترهل غاضباً.

-2-

في غرفتها كان كل شيء قد تم الإعداد له مسبقاً، وأصبحت حقيبة ثيابها مكتنزة بما تحتاجه، أو بالأصح بما استطاعت حمله من متاع. اتجهت نحو المرآة، التي تحتل جزءاً كبيراً من جدار غرفتها، وراحت تطوي جسدها بالأقمشة السوداء، وترمق عبر المرآة الصورة القديمة التي تجمعها بزوجها، والتي تتدلى من الجدار المقابل منذ سنوات طويلة.

إنها المرة الأولى التي تغادر فيها هذا المنزل. وهي المرة الأولى أيضاً التي تغادر فيها ولا تنوي العودة. أشاحت ببصرها بعيداً عن الصورة. أرادت في تلك اللحظة أن تطرد أي ذكرى قد تؤثر سلباً على قرارها الحالي. لفت رأسها بسرعة بغطاء الرأس. وفجأة، وعلى غير موعد، دوى في الخارج صوت إطلاق نار. تجمدت لثوان. ارتعدت أطرافها الشاحبة، كما ترتعد أغصان شجرة جرداء هبت عليها ريح خريفية. ابتلعت ريقها، ثم طوت خوفها جانباً وعادت لتنهي ما بدأت. استدارت إلى الخلف مغادرة؛ لكنه فتح الباب، ووقف على عتبته متكئاً بكفيه على جانبيه، ثم قال بنبرة حاول جاهداً أن تكون هادئة:

  • يبدو أن هناك اشتباكات في الخارج؛ يجب أن ننتظر! لا نستطيع الخروج الآن.

استشفت من إجابته إطلاقاً لسراحها، على عكس ما كانت تعتقده أو تتوقعه. أجابته بحنق ممزوج بالأسى وهي تجـر حقيبة متاعها على الأرض بعصبية:

  • لتبقى إن شئت، أما أنا فسـأغادر؛ لم أعـد أطيق البقاء لحظة واحـدة.

أنهت عبارتها وهي تغادر غرفتها نحو بهو المنزل. في تلك الثواني القليلة التي اتجهت فيها نحو باب غرفتها حيث كان يقف، شيء واهن اعتمل بداخلها، جعلها على يقين من أنه سيمنعها من الخروج، بل وربما يضمها إلى صدره، معتذراً، مواسياً، مؤنباً… شبح ابتسامة راح يعد العدة ليطفو على شفتيها الغاضبتين؛ لكن كل ذلك ذوى وتلاشى حين أفسح لها الطريق لتغادر. وبعد أن تخطته بخطوتين فقط، لملمت كل مزق كرامتها، التي نثرتها على أقـدام الوهم واتجهت بعصبية نحـو باب المنزل، فتحته وأغلقته خلفها بقوة.

غادرت مقعدي واعتليت منضدة مجاورة للنافذة المطلة على الشارع، ومن خلف الستار رحت اراقب….

كان الشارع مقفراً، وصوت إطلاق نار متقطع يأتي من بعيد. على وقع الشعور بالخوف، تسمّرت قدماها على عتبة باب المنزل، التي بدت لها هذه المرة غريبة، موحشة، بل وحزينة. دارت بعينيها بقلق في الأنحاء التي تفور بالوحشة والخراب. يقيناً لم يكن الخوف وحده ما يكبل قدميها، وإنما أيضاً ذلك الأمل الضعيف الذي عاد يتحرك بوهن في أعمق أعماق قلبها، وجعلها تعتقد بأنه سيتبعها في اللحظة الأخيرة، إنها تشعر بنظراته تغمرها من مكان ما، هو فقط يمارس معها لعبة عض الأصابع؛ لكنه لن يتركها تمضي وحدها في هذا البحر المتلاطم من الفوضى والخوف… طال انتظارهـا وطـال…

ثارت ثائرة كرامتها، فقبضت بعصبية على مقبض حقيبتها، وجرتها على الأرض الإسفلتية بصعوبة، وعيناها الغارقتان في بحر من الدموع تدوران في الفراغ بقلق وخوف واضحين. أصوات الرصاص تأتي من بعيد كفرقعات صغيرة، ومع كل خطوة تخطوها كانت أصوات الرصاص تقترب وتزداد حدة ووضوحاً. كما عيناها كان جرح كرامتها ينزف بغزارة وربما أكثر! نفضت كل شيء خلفها، وشدت خطاها ونصبت قامتها بكبرياء مصطنع؛ لكن مذاق الإهانة وخيبة الأمل كان مراً للغاية، وأعظم من أن تتحمله، فراحت تمسح دموعها بطرف ثوبها، في مشهد يتناقض مع هالة الكبرياء التي حاولت أن تغـادر بها.

من خلف الستار ذي الثقوب الأربعة، كان يراقبها بتمعن، وعيناه تنتقلان بين جسدها النحيل الملفع بالسواد، وبين نوافذ المباني العالية المطلة على الشارع. شفتاه الضخمتان المتدليتان تتمتمان بكلمات خافتة…

ربما يخاف أن يطل قناص ما!ربما يأمل أن يطل قناص ما!

لكن رصاصة طائشة ستنسيه أي عذاب للضمير قد ينتابه على مصيرها.

دوى صوت إطلاق نار كثيف. نقل عينيه الجاحظتين نحو مصدر إطلاق النار، ثم عاد بهما نحوها. كانت تقف مسمرةترتعد وقد سدت أذنيها بكفيها. مرت لحظات، ثم عادت تعبر الشارع بخطوات واهنة تعتمد فيها على قدمها اليمنى بشكل لا يلاحظه إلا من عرف عن إصابة ركبتها، إثر سقوطها وهي تهم بالنزول من إحدى الحافلات، في يوم الذكرى الأولى لزواجها.

أطلق زفـرة طويلة وهو يرسل نظراته نحو الشـارع.

غاب جسدها في نهاية الشارع. شاهدت عيناه، اللتان يحيط بهما تورم يقلل من حجمهما الكبير، تضيقان أكثر، وهو يرسل نظراته الجبانة من خلف الستار، شفته السفلى تتدلى ويزداد حجمها وهو يتمتم بكلمات غير مفهومة…

ربما هي تعاويذ!

ربما هي نداءات واهنة، لذلك الجسد النحيـل الملفع بالسواد!

ربما هو مواء روحه المفعمة بالجبن، وهي تطوي نفسها في قعر ذاته، تهنئه بحنان لنجاحه في التخلص من آخر القيود والالتزامات، التي يعتقد أنها تثقل كاهله، وتعكر صفو وهدوء حيـاته.

على غير موعد، صرصور عبر الأرض بسرعة ثم توقف. نقل بصره إليه لثوان، قبل أن يدوس عليه بقدم حافية، ومن ثم أطلقت أصابعه سراح الستار ليحجب نهاية الشارع، التي ابتلعت قبل لحظات ذلك الجسد الراحـل.

خطا بضع خطوات ثقيلة نحو الحمام. ركل بابه، ومن على عتبته أفرغ مثانته واقفاً. وبعد أن انتهى رفع سحاب بنطاله كيفما اتفق، ومسح كفيه على مؤخرته، ثم اتجه بخطوات ثقيلة واحتل الكرسي أسفل صورة جمال عبد الناصر. التقط قارورة ملونة من على المنضدة المجاورة للكرسي. نزع فلينتها بأسنانه وبصقها بعيداً، ثم عبَّ من فمها ما استطاع. في تلك اللحظة تعالى في الخارج صوت إطلاق نار كثيف، لم أسمع له مثيلاً من قبل. وضع قارورته بين فخذيه، وابتسم ابتسامة خافتة، ثم عقد كفيه في حجره، وسمّر عينيه على السقف على غير شيء… وعلى غير معنى.

من على كرسيَي العالي، كنت أراقب كل ذلك. لم تبدر مني أي ردة فعل. ولم يعرني أي منهم أي اهتمام؛ وكأني لست موجوداً بينهم البتة.

لا أتذكر أني شاهدت ذلك الرجل وتلك المرأة قبلاً، ولا أتذكر من يكونان، ولا أتذكر أي حياة لي سابقة أو لاحقة في هذا المنزل، كما أن ذلك الرجل يختلف كلياً عن أبي، الذي رأيته في مناماتي السابقة. أعتقد أنهما لم يكونا سوى محطة بائسة وعابرة في حياتي لم تتكرر بعد ذلك. كما أذكر أن كل نظراتهما المرسلة نحوي كانت مشحونة بشحنة هائلة من الازدراء والاحتقار؛ نعم، كانت تزدريني وتحتقرني، وفي أحسن الأحوال كانت تتجاهلني وتتجاهل وجودي.

لم أكن أعني لهما شيئاً، ولم يكن وجودي معهما يحمل طابعاً أسرياً أو إنسانياً، بل كُنت في أعينهما مجرد ظل غير مفهوم يحتل إحدى الزوايا، أو قطعة بالية ومهملة من أثاث المنزل، يتجاهلان وجودها ويتحينان الفرصة للتخلص منها. كنت حينها لا أفقه مكنون نفسيهما، ولا أستطيع قراءة معاني نظراتهما، ولا أدري كيف أدركت إهمالهما وتجاهلهما لي، فحاولت، وعلى الرغم من حداثة سني، أن أتدبر أموري بنفسي، فعندما كان الجوع يقرصني، كنت أتوجه إلى المطبخ وأبحث عما أسد به رمقي. وأما حاجاتي الطبيعية فكنت ألبيها بنفسي نهاراً بكل يسـر.

عدا كل ذلك كنت أمضي جُلَّ نهاري جالساً على كرسي في البهو، أطوح قدميّ في الفراغ دونما ملل، وأراقب ما يجري، وفي المساء كنت آوي إلى زاوية ضيقة في البهو، بين الجدار وبين مكتبة خالية الرفوف. في مخـدعي ذاك توجـد ستارة قـديمة مغبرة كانت هي كل فـراشي وكل لحـافي.

في ذلك المخدع أو الجحر، أتذكر أني كثيراً ما تبولت على نفسي، في أمسيات باردة كثيرة وأخرى مظلمة وموحشة. ولم يكن هذا الفعل، على الرغم من شناعته في نظر الأبوين أو المربيين، يثير امتعاض أي منهما أو يلفت منهما أدنى انتباه؛ فعج المكان وعجت ثيابي ومخدعي بالقمل وبرائحة البول المعتق. أتذكر أيضاً أني ما دخلت حماماً قط للاغتسال في ذلك المنزل؛ ولذلك امتلأ جسدي بالبثور والفطريات، وصرت أحك بشرتي وفـروة رأسي وعـانتي وأعضـائي الحميمة حتى تنز منها الدمـاء.

في المقابل، لم أكن أشعر بأي انجذاب عاطفي نحوهما، ولا أهتم عاطفيا بما يدور في ذلك المنزل. كنت فقط أراقب تلك الكوميديا الهرائية، أندهش، أنصدم، وأنصعق، وفي كل مرة يتعمق شرخ خبيث بداخلي، ظل يخنق براءة طفولتي، وأصابني في نهاية المطاف بالتبلد، بالبرود، بالجمود، بفوبيا غريبة تجعلني أشعر بخـوف دائم من كل شيء ومن كل صـوت أسمعه.

أتذكر أنهما كانا في شجار دائم، كان يصل في ذروته إلى العراك. بل أتذكر أنه في ظهيرة يوم ما، وبعد شجار حاد، أطبق على عنقها بيده الضخمة حتى فار الزبد من فمها، ثم ثبتها من عنقها إلى الجدار وراح يصفعها مراراً، وهي تصرخ، تسعل، وتحفر بشرة وجهه بأظافرها… استمر ذلك طويلاً. ذعرتُ! غادرت كرسيي وفررت حبواً إلى مخدعي، ومن هناك ظللت أرقب ما يجري عبر ثقب في خشب المكتبة. حين انتهى من صفعها، ترك جسدها يتهاوى على الأرض. ظل يحدق في جسدها المكوم على الأرض للحظات. كانت تسعل بشدة. وكان يلهث بغضب. ضغط على أسنانه ثم أمسك بقدمها وجرها على أرضية البهو وهي تصرخ مذعورة. طوحت بذراعيها في الفراغ. حاولت التمسك بأي شيء؛ ولكن دون جدوى. وحين وصل بها إلى عتبة باب الحمام، ألقى بجسدها بعنف داخله، وأغلق الباب بعنف، وهو يشتم ويلعن. تكورتُ مذعوراً في مخدعي، أراقب عينيه وهما تدوران في أنحاء البيت بغضب جم، وأراقب تضاريس وجهه التي تنز بالدماء… لا أدري لمَ خـامرني اعتقـاد حينها بأنه يبحث عني!

لا أتذكر كيف انتهى أمر ذلك اليوم! ولا أدري متى سمح لها بمغادرة الحمام، ولا متى دلفت إلى غرفتها! كما أني لم أشاهدهما في البيت لأيام بعد تلك الحادثة. وذات صباح شاهدتها تغادر غرفتها، بجسد هزيل مرتعــد، وبوجـــه ذاوٍ منكسر المـلامـح تعلـوه الكـدمات الزرقــاء والخـدوش.

أتذكر أيضاً أنها في إحدى الليالي حطمت زجاجة زرقاء على جمجمته، بعد أن شتمها وبصق عليها. وما زلت أتذكر كيف تطاير الزجاج في الهواء، وكيف هوى جسده على الأرض بعنف دون حراك، والدماء تسيل على وجهه ورقبته. يومها ظلتْ للحظات تحدق بمقت وازدراء في جسده المسجى على الأرض، ثم رفعت طرف ثوبها حتى أعلى فخذيها النحليين وهي تتمتم بكلمات غاضبة، ثم أنزلت سروالها الداخلي الأسود وركلته بقدمها جانباً، ثم تبولت واقفة على وجهه المدمى. وحين انتهت غادرت إلى غرفتها وأغلقت الباب خلفها بعنف. أطللت برأسي من خلف خشب المكتبة، فشاهدت جسده ملقى على الأرض في شبه إغماءة وهـو يغرغـر ببولهـا.

أما في أيام السلم النادرة، فكانا يشربان الخمرة طيلة اليوم. وكانا أيضاً لا يجدان أدنى حرج من التعري أمـامي، وممارسـة حياتهما اليومية في البيت، والتنقل بين مرافقه وهـما على تلك الحـالة من العـري.

في تلك الأيام النادرة الحدوث والتكرار، استطعت أن أرى كل تفاصيل جسديهما؛ فشاهدت آثار حروق قديمة وعميقة على لحم مؤخرتها الجافة. وشاهدت نهديها الذابلين اللذين يشبهان بالونتين فارغتين، شاهدتهما وهمها يتأرجحان أثناء حركتها بين مرافق المنزل. كما شاهدت أيضاً آثار رتق جراحي أسفل بطنها. وشاهدت عظام حوضها الناتئة، وتقاسيم عظام قفصها الصدري، وعمودها الفقري…

كما شاهدت كرش ذلك الضخم، وشعر عانته الكث، وكيس خصيتيه المتدلي، ووحمة كبيرة سوداء على فخـذه الأيسـر، وبثـوراً وتقرحـات على سطـح مؤخـرته…

كانا أيضاً، في أيام السلم تلك، لا يجدان أدنى حرج في ممارسة الجنس في أي مكان أو زاوية في البيت متى شعرا برغبة في ذلك. ما زلت أتذكره وهو يضاجعها على عتبة باب المطبخ، وعلى طاولة الطعام، وأسفل صورة جمال عبد الناصر، ووقوفاً أمام النافذة… كان يضاجعها كما يضاجع ثور ضخم عنزة عجفاء. لم تكن مضاجعة؛ نعم، لم تكن مضاجعة، بل كانت عراكاً شرساً، حرباً غير متكافئة، تنز الكراهية والدماء والشتـائم من بين جنبـاتها.

كان الأمر جنونياً وحيوانياً وبوهيمياً إلى أقصى الحدود. ومع أني لم أكن أفقه شيئاً مما يجري، إلا أنه ظل عالقاً في ذاكرتي حتى الآن.

أسدل الظلام أستاره. لا أدري كم بقينا في الظلام! لا أرى شيئاً أبداً؛ لكني كنت أسمع بين الحين والآخر أصوات أنفاس ذلك الضخم ونحنحاته وسعاله، وأصوات الزجاجات تصطك ببعضها، وأصوات السوائل تعبر بلعومه، وأصوات غـازاته تفرقع في وحشة المكان.

وفي نهاية المطاف، وبعد طول انتظار، أشعل المصباح المجاور له، ونهض وخلع بنطاله بجوار الكرسي، وبقي مرتدياً سرواله الداخلي، ثم اتجه مترنحاً نحو الحمام. سمعته يتبول ويفرغ غازاته. ثم سمعته يفتح الحنفية الجافة، قبل أن يضربها بكفه وهـو يشتم ويلعن الكـون بكلمات عجماء ملتوية الأحـرف.

من على كرسيي شاهدتُ ظله على أرضية البهو المظلم يجثو ويتقيأ على أرضية الحمام. سمعته ينتزع السوائل انتزاعاً مؤلمـاً من أحشـائه، وهو يصـدر أصواتاً مرعبـة، ممزوجـة بالبكاء والألم.

ذعرتُ؛ نعم، ذعرتُ؛ فقد كان بكاؤه غريباً ومفزعاً، لم أسمع له مثيلاً من قبل ولا من بعد. جمدني الذعر في مكاني. رفعت قـدميّ وانزويت في قاع المقعـد، ثم جـذبت غطاء طـاولة مجـاورة ولففت به جسدي.

على أرضية البهو المظلم شاهدت جسده يحجب ضوء مصباح الحمام، ثم شاهدته يغادره ويتجه مترنحاً نحو كرسيه. وقف أمامهلثوان. رشقني بنظرة سريعة غير مبالية، ثم مسح وجهه بساعده، وألقى بجسده على الكرسي، ثم مد قدميه إلى الأمام، وأسند رأسه إلى الخلف وعاد يعب من زجاجاته، وهو يغمغم بلحن حزين غير مفهوم الكلمات. وفجأة صمت لثوان، ثم مد يده بكسل نحو المفتاح الكهربائي، وراح يطفئ المصباح ثم يشعله، يطفئه ثم يشعله، بتتابع رتيب، استمر هكذا دونما ملل ودونما انزعاج، ودون أن تشي ملامحـه الجـامدة بأي انطبـاع.

خُيّل لي أني أشاهده ومن خلفه الجدار والصورة، على صفحة بركة سوداء يطفو لثوان، ثم تبتلعه، ثم يعود للطفو، وهكذا، وفي نهاية ذلك المشوار العبثي، ترك المصباح مضاء، ثم تجشأ وانحنى ليلتقط شيئاً ما من على الأرض. مددت عنقي إلى الأعلى لأرى ما سيلتقط. رأيته يسحب مسدسه من جراب بنطاله المرمي أسفل قدميه. انزويت أكثر في مقعدي. سحب مشط مسدسه ثم وضعه على الطاولة، وعاد يعب من زجاجاته بجنون، وبين لحظـة وأخـرى يرشقني بنظرات نارية ملتهبة.

لا أدري أي مشاعر انتابتني في تلك اللحظة؛ لكني أتذكر أني على وقع الذعر الشديد تجاهلت لسع البعوض على جبهتي، ولففت جسدي أكثر بغطاء الطاولة. شاهدته يلقي بزجاجة فارغة بين قدميه كيفما اتفق، ثم يلتقط المسدس بيمناه، ويضعه أسفل ذقنه. تسمّرتْ عيناه على السقف، وتسمّرت عيناي المندهشتان على وجهه المخطوف. شاهدت شفتيه ترتجفان. وشاهدت يده اليسرى ترتعش بشكل واضح. كما أن عينيه تحولتا إلى خطين أفقيين يطوقهما تورم غير مفهوم.

فجأة، أغمض عينيه، ثم ضغط على أسنانه كاتماً صرخة ألم اندفعت من أعماقه، ثم جذبت سبابته الزناد، ودوى صوت الرصاصة! بالعرض البطيء، شاهدت فقاعة من اللهب تنبثق أسفل ذقنه دفعت رأسه إلى الخلف بعنف. شاهدت لطخة كبيرة سوداء على الجدار، وعلى صورة جمال عبد الناصر. تهاوت يده الممسكة بالمسدس على المنضدة المجاورة للكرسي، وانطفأ المصباح. حينها، وفي ذلك الظلام الرهيب، وبكل ما أملك من قوة، أطلقت صرخة ذعر قوية.

-3-

لم أعد أتذكر بعد ذلك شيئاً. كان ذلك هو آخر مشهد لي مع تلك العائلة وفي ذلك البيت…

لكني أتذكر بعد ذلك طبيبة شابة تدنو مني وتضع قطرات من سائل ما في أُذنيّ، ثم تمسك يدي الصغيرة برفق وتصطحبني إلى غرفة صغيرة جدرانها من الزجاج السميك، وتجلسني فيها على كرسي، وتضع على رأسي سماعتين كبيرتين موصولتين بأجهزة داخل وخارج الغرفة، ثم غادرت الغرفة وظلت تراقبني من خلف جدار زجاجي سميك وأصابعها على لوحة التحكم. كانت تشير لي بين الحين والآخر نحو أذنيها. مع تكرار الجلسات فهمت مغزى إشاراتها.

في إحدى المرات سمعت طنيناً خافتاً، فهززت رأسي إيجابا. عاودت الطبيبة الكرة بإشاراتها، وعاودتُ هز رأسي بالإيجاب. في تلك اللحظة فقط أشرق وجهها البلوري، وابتسمت ابتسامة واسعة بلون الربيع، ثم غادرت مكانها، ودوّنت باسمة شيئاً ما في دفتر عريض موضوع على مكتب مجاور، ثم دلفت إلى الغرفة الزجاجية وأخرجتني إلى غرفة أخرى، وفيها تحدثتْ إلى شخص كان يرافقني. أتذكر ملامح الطبيبة الشابة جيداً. ولا أتذكر ملامح وجه مرافقي؛ لكني أشعر بأنه أبي، وأنه ذاته الشخص الذي رأيته سابقاً في منامي عندما كان يصرخ ويرمي الكتب على الجدار. كما أني لا أتذكر أي حديث دار بينهما؛ لأن المشاهد كانت بلا أصوات، على الرغم من أن الشفاه تتحرك والأبواب تُفتح وتُغلق والمكان يعج بالزوار.

وحدها الروائح غزت ذاكرتي بمعية تلك الصورة، روائح المطهرات الطبية، عطر الطبيبة الهادئ، رائحة التبغ التي تفـوح من ثيـاب مرافقي.

أتذكر أيضا أني كنت أزور تلك الطبيبة كثيراً، ربما بصفة دورية. وفي كل مرة كنت أزورها، كانت تضع النقاط في أذني، وتقودني إلى الغرفة ذاتها، وتجلسني على الكرسي ذاته. ومن خلف الزجاج السميك، كنت أشاهد ابتسامتها التي بلـون الربيع.

عندما اندلعت الحرب، لا أتذكر أي حرب؛ لكني أتذكر أني كنت أشاهد، وأنا في طريقي لجلسات العلاج، بيوتاً مهدمة وأخرى محترقة، وجثثاً ملقاة في الشوارع وفي مكبات النفايات وعبّارات المياه. في تلك الفترة كنت في الجلسات الأخيرة من العلاج، ولم يتبقَّ في جدول الجلسات سوى ست فقط؛ لكن الطبيبة الشابة التي تعالجني غادرت إلى موطنها، بعد أن تلقت تهديداً بالقتل. في تلك المرحلة كنت قد بدأت أسمع بعض الأصوات.

في موازاة ذلك كنت أخشى الظلام. لم أكن أخشاه فقط، بل كان يثير في نفسي الذعر الشديد، الذي قد يتصاعد ويتحول إلى حالة من حالات الاختناق. في تلك الفترة، وبعد أن فشلت كل محاولات قلع ذلك الخوف الرهيب من داخلي، أتذكر أني كنت أنام بمعية مصباح بطارية مضاء، يضعه بجوار سريري كل مساء رجـل ضخم لا أتذكـر ملامحـه أبدا.

وحين بلغت الحرب ذروتها، كانت الطائرات تأتي لتفرغ حمولتها على المدن والمعسكرات، وكانت القذائف العمياء تنهال بحقد على المساكن والمتاجر. كنت أسمع أصوات تلك الانفجارات الضخمة. لم أكن أسمع صوت الانفجار كما يسمعه الآخرون، بل كنت أسمعه كما لو أن أحدهم ينفخ في أذنيّ بقوة. وكنت أرى آثاره حين يحطم زجـاج النوافذ ويصفق الأبـواب، وحين يمتلئ هـواء المنزل برائحـة الغبـار والكبريت.

أثناء الغارات وعمليات القصف العشوائي للأحياء السكنية، كنت أحتمي أسفل سرير معدني، بمعية أطفال لا أتذكر أعدادهم، ولا وجوههم، ولا حتى أسماءهم؛ لكني أتذكر أننا، وحال شعورنا بالخطر، كنا نتدافع، عبر البهو والرواق، كقطيع أرانب مذعور، ثم ندلف إحدى الغرف المظلمة ونختبئ أسفل سرير ضخم ترتجف أجسادنا تحته وتنتفض على وقع كل انفجـار.

أسفل السرير كنت أخرج مصباح البطارية وأشعله، وأظل أدور بضوئه هنا وهناك. في تلك الفترة أيضا لم يكن مصباح البطارية يفـارق جيبي أبدا.

وفي ليلة باردة، كنا نجلس في البهو المضاء بمصباح زيت معلق على أحد الجدران، وجو المنزل معبأ بالدفء وبرائحة البصل ورائحة الكيروسين والأجساد. كما قلت، في تلك الفترة كنت أستطيع أن أسمع بصعوبة أصوات الانفجارات والرصاص وأصوات الطائرات حين تعبر سماء المنطقة على علو شاهق. كنا في تلك الليلة نتناول العشاء. ما زلت أتذكر ما كان العشاء في تلك الليلة؛ كان بيضاً مقلياً وخبزاً وشرائح من البصل. كانت الأيدي كثيرة والأصوات متداخلة. رغم ذلك سمعت صوت صفير حاد، اخترق ركود سمعي، ورسم الدهشة على الوجوه الصغيرة. وقبل أن نستوعب الأمر، دوى انفجار رهيب، تطاير على إثره كل شيء فوق بعضه البعض، وحـل الظلام.

مصباح الزيت سقط على الأرض وتحطم واشتعل زيته. أنا وجميع من كان معي على المائدة، تبعثرت أجسادنا على الأرض، واختلطت بالتراب والأثاث. كنت ملقى أسفل صوفة كبيرة. لم أستوعب ما جرى. على وقع ألسنة اللهب المتراقصة، وعلى بُعد ذراعين مني، شاهدت وجهاً معفراً بالغبار، جاحظ العينيين، مفتوح الفم، يحدق نحوي بجمود. حاولت أن أفتح فمي لأقول شيئاً؛ ولكن دون جدوى. في تلك اللحظة هوى جزء من الجدار الداخلي وأطفأ ألسنة اللهب، وعم الظلام. حاولت جاهدا أن أُخرج مصباح البطارية من جيب بنطالي؛ ولكن دون جدوى؛ فالصوفة كانت تضغط على الجزء الأسفل من جسدي وتقيد حركتي كلياً. سرى وميض بارد بداخلي. دارت عيناي في الظلام برعب. اضطربت أنفاسي. شعرت بأصابع شيطانية تقبض على عنقي، وتكتم أنفاسي. استجمعت كل قواي وأنفاسي وأطلقت صرخة ذعر رهيبة.

روائي من اليمن | خاص موقع قلم رصاص

عن قلم رصاص

قلم رصاص
مجلة ثقافية شهرية مستقلة، تأسست في العاصمة البلجيكية بروكسل عام 2016، تصدر باللغة العربية، وتُعنى بالشأن الثقافي العربي وتشجع المواهب الأدبية والفنية والإعلامية لدى الشباب العربي في دولهم وبلدان المهجر.

شاهد أيضاً

مرسوم كفكاوي

لم يكن بمقدور السيد “فرانز كافكا” أن يحدد صاحب اليد التي سحبت جسده الأهيف وأجلسته …