الرئيسية » إبــداع » نصف خطوة.. نحو الحقيقة…!

نصف خطوة.. نحو الحقيقة…!

أصوات إطلاق نار كثيف.. رصاص.. قذيفة هاون.. تفجير انتحاري على إحدى مداخل المدينة…
آلة التصوير ترتجف في يدي.. لكنني ما زلت قادراً على تسجيل ما يحدث في الميدان بدقة.. نداءات متضاربة تنهال في صيواني بين الفينة والأخرى.. صراخ.. نقاط من الدماء هنا وهناك..

” في الحرب .. لا يمكنك التمييز بين دمك ودم عدوك.. كلاهما بنفس الخصائص واللون و الرائحة “.. كتبت في مذكرتي ….

وفرغ الحبران… حبري… وحبر قلمي…

اسمي معتز أو هكذا أسموني والداي.. أمضيت أربعين عاماً من محكوميتي في السجن الدنيوي.. إلا أن آخر خمسة أعوام منهم كانت الأسوأ على الإطلاق..

منذ عامين فقط بدأت أعمل مراسلاً حربياً لصالح إحدى القنوات الإخبارية “المحايدة” لكنني لست متأكداً من ذلك…

كنت أوثق جميع المعارك التي تأخذ رحاها في ريف دمشق، لم أملك سلاحاً ولا مدفعاً ولا مربض هاون، كاميرا صغيرة فقط من نوع “كانون” وبعض كروت الذاكرة وبطاريات الشحن. إنها الوحيدة التي يمكنك الوثوق بها وسط كل هذا الزيف المتقن، هكذا ظننت…

في الثالث من نيسان من عام 2013 زارني صاروخ كاتيوشا وحط رحاله في منزلي المتواضع وباعتبارنا نقطن قرية صغيرة في ريف دمشق! فقد كانت زياراته كثيرة بعض الشيء…

لم تكن زيارات اعتيادية كسابق عهدها، لقد أقسم هذه المرة أن لا يرحل قبل أن يسلبني زوجتي وفلذات كبدي!  هرب بهم.. بعيداً… بعيدا جداً….

الحمد لله على كرمه.. لقد ترك لي مكتبة وبضع كتب عن الفلسفة وتسويغ فكرة الانتحار…! إنها الطريق الوحيدة للحاق بهم.. جميع الفلاسفة ومسوغي قتل النفس اتفقوا على أن يمجدوا فكرة الانتحار المجدي، لا تقطع وريدك ولا تبتلع علبة دواء، لا تحتس سماً… و لا ترم بنفسك من شرفة منزل في الطابق السابع…

” انتحر إذا أردت .. ولكن كن ذكياً في انتحارك ……”

أخبرني أحدهم بدورة تدريبية ستقام قريباً لإعداد مراسلين حربيين مهمتهم نقل ما يحدث في ساحات القتال وعلى جبهات المعارك، آمنت بأن ما يريده الإنسان سيحدث لا شك، الظروف كلها ستخضع لإرادتك وستسير كما يقتضي صالحك.

وفعلاً، التحقت بالدورة واشتريت كاميرا كانون خاصة بي، بدأت بتدريب نفسي على ذلك في الحديقة حيث أقطن، في الحديقة يمكنك إعداد تقرير صحفي لا بأس به..

وما هي إلا شهور معدودة حتى بدأت بمزاولة عملي بالتعاقد مع إحدى القنوات الإخبارية، كل يوم كان يتجدد أمل بداخلي في الرحيل، كل صباح كنت أبتسم عله يكون الصباح الأخير لي هنا.علّي أقابل عائلتي مع نهاية هذا اليوم!

اليوم وعلى نحو مفاجئ تلاشت رغبتي بالرحيل شيئاً فشيئاً، لقد أصبحت مشهوراً في مجالي.

 توسعت دائرة علاقاتي ولا أخفيك بأنني حظيت أيضاً بمحبة الكثيرين، كان الآلاف ينتظرون نشرة التاسعة لسماعي، تقريري المتواضع كان يسمح لهم بأن يخلدوا لنومهم مطمئنين في أقسى ساعات الموت وأشدها شراسة!

كنت أخطو بهم ” نصف خطوة .. نحو الحقيقة “

ومع أنني لم أعد أرغب بمقابلة أسرتي كثيراً، إلا أن القدر لا يحتمل التخمينات ولا العدول عن الرأي، لقد كان يهيئ كل شيء لرحيلي، إنها الساعة الأخيرة لي هنا.. دقائق أخرى وأخرج من السجن، أنهيت محكوميتي بملء إرادتي، آلة تصويري كانت شاهداً على ذاك الذي فك أغلالي وأطلق سراحي ببندقيته…

ض… ضع .. بض.. ب … بضع .. نق..اط …. نقااااط .. واخرج ..

ل..قد.. لقد … وصلوا ………

(يمت)

موقع قلم رصاص الثقافي

عن أيهم أدهم الحليبي

أيهم أدهم الحليبي
مغترب سوري، درس اللغة الإنكليزية في جامعة دمشق والدراسات المسرحية في المعهد العالي للفنون المسرحية في سورية، يكتب القصة القصيرة والنصوص المسرحية، فازت قصته "بوح الحرب" في مسابقة تلك القصص للإبداع بدورتها الأولى 2018، وصدرت في كتاب خلال معرض بيروت للكتاب 20، بالتعاون والتنسيق بين دار فضاءات للنشر والتوزيع الأردنية ودار انتركونتيننتال الصينية للنشر وموقع تلك الكتب الصيني.

شاهد أيضاً

هكذا عِشْتُ

محمد ميلود غرافي  | عندما صَلبوا المسيحَ كنتُ في أعلى شجرةٍ أصعدُ إليها كلّ يومٍ …