الرئيسية » قلم رصاص » فيلم “باب الوداع”.. أن نملك أجنحة لنطير

فيلم “باب الوداع”.. أن نملك أجنحة لنطير

آيـة عـزت  |  

يبدأ الفيلم بخطى متثاقلة في المقابر لامرأة كبيرة وطفل صغير، يتلفت الصبي إلى الكاميرا أكثر من مرة فأشعر بالتدريج أنني معه، أسير خلفه بخطوات بطيئة كأنني أُراقبه.. يسيران في طرق ملتوية وصولا إلى زاوية بعيدة، تتوقف به المرأة أمام إحدى القبور، ﻻ نعلم لمن القبر، ثم نرى عليه وردة حمراء ذابلة ووردة جديدة تضعها الأم فيستقر شعور غريب في قلبي “هذه الأسرة الصغيرة دائمًا ما يزورها الموت”.

تقع مشاهد الفيلم بين منزل كبير فارغ كقلب أم وحيدة مكلومة، وبين المقابر، المقابر التي رغم وحشتها كانت هي المكان الوحيد اﻷكثر وضوحًا وطمئنينة طوال أحداث الفيلم.. مشاعرك مفهومة في المقابر، فراق وحزن ووحدة، أما هذا المنزل الكبير فهو مأكول بفراغه وذكرايته التي تأكله.
هناك عجوز، الجدة، تجلس بإبتسامة رضا تسمع أغاني عبد الوهاب وتصنع قهوتها على السبرتاية، تجلس على مخزن ذكرياتها، فستان عرسها، هي راضية طول الوقت، تربط شعرها بحنان فائض ﻻ تجد أحد لتمنحه إياه، ترتدي ثيابها الأنيقة وتزف نفسها للموت.

هناك طفل صغير، وبتوضيح مقصود يرتدي البطل الشاب (أحمد مجدي) نفس ملابس الطفل فنفهم أن هذا الطفل هو نفسه هذا الشاب العشريني، يردد كلمات بسيطة أكثر من مرة “أنا ابن أمي.. ابن خوف أمي.. ابن حزن أمي” ﻻ نرى ملامح الطفل بوضوح، لكن نرى هيئته، نرى يده المرفوعة في محاولة -لطفل صغير قصير القامة- لفتح شباك ليس به مقبض، لكنه يحاول ويفشل، عندما نراه شابا نجده حزين خلف هذا الشباك، نفس الحزن نراه دائمًا في عيني أمه، ورغم طول قامته لا يفتح الشباك، فقط يردد بصوت مرتعش أنه ابن خوف أمه وابن حزن أمه ثم يردد بإستسلام وقلة حيلة في مشهد لاحق أنه نسي أي شيء غير هنا وأنه سيبقى في هذا المكان “أنسى دومًا أني مُقيّد بهذا المكان وأني لا أملك جناحًا لأطير”.. وما نفهمه ضمنًا فيما بعد أنهم ﻻ يغادرون هذا البيت إﻻ بالموت وأنهم محبوسين بداخله بسبب خوف الأم من الفقد.. ثم نرى حركة يداه وهي تتحسس جدران، أي جدران ﻻ نعرف، ثم يتلاشى ويختفي..

يخبروني أن المرأة ﻻ تقُص شعرها إﻻ حدادًا على موت زوجها، في مشهد هاديء تماما -وﻻ ترتدي فيه اﻷم اﻷسود- نجدها تقص شعرها الحزين الطويل، عينا البطلة كانت على شعرها، لقد راقبت هذا المشهد جيدًا، كانت مﻻمحها هادئة كأنها تريد أن تنهي المهمة بثبات ودون خسائر أخرى، تقص شعرها، والحزن في عيونها ﻻ ينتهي..

في رأيي أن أكثر المشاهد حركة ورمزية هي كل المشاهد المُصوّرة باﻷبيض وأسود، فسرتها -كما شعرت- أنها مجرد هواجس اﻷبطال ومخاوفهم، وربما أحلامهم، في أحد هذه المشاهد تجلس اﻷم مرتدية طرحة الفرح الطويلة المنسدلة على اﻷرض وطرفها يحترق، الحريق ثابت، يتمدد بحذر، لكن في النهاية ﻻ شيء يحترق، هذه المرأة تحترق بنار ﻻ يراها أحد، وﻻ تقصد أحد غيرها..

كل المشاهد باهتة عدا مشاهد المقابر التي تتزين بنساء مكلومات في ثياب سوداء ودموع لا تجف وصور قديمة لموتاهم، كأن المقابر تكشف لنا الحقيقة وهي الموت في مشاهد ألوانها تُشبه جدًا الحياة في لحظات السكون والرضا.

في النهاية تحضن اﻷم امرأة شابة وجميلة في ملابس سوداء، كأنها تطمئنها أنها سلمت اﻷمانة، كان المشهد في المقابر، وكانت هذه الشابة الجميلة (شمس لبيب) هي الملاك الحارس التي ترافقنا وترافق أبطالنا منذ البداية إلى أن نصل إلى لحظة الخروج، لحظة الإنعتاق، لحظة الطيران من هذا البيت.

 الكتابة 

عن قلم رصاص

قلم رصاص
مجلة ثقافية شهرية مستقلة، تأسست في العاصمة البلجيكية بروكسل عام 2016، تصدر باللغة العربية، وتُعنى بالشأن الثقافي العربي وتشجع المواهب الأدبية والفنية والإعلامية لدى الشباب العربي في دولهم وبلدان المهجر.

شاهد أيضاً

مرسوم كفكاوي

لم يكن بمقدور السيد “فرانز كافكا” أن يحدد صاحب اليد التي سحبت جسده الأهيف وأجلسته …