الرئيسية » رصاص خشن » “مباشر من جزيرة المونتاج”: جسد الحب والمدينة… التماهي والدهشة

“مباشر من جزيرة المونتاج”: جسد الحب والمدينة… التماهي والدهشة

عبدالله الحيمر  |  

يأتي ديوان مباشر من  جزيرة المونتاج للشاعر السوري عمر الشيخ  من اصدار التكوين بسوريا . مخادعا بالمعني ودهشة السؤال، دهشة السؤال اليومي في إعادة الاعتبار للحب بجسد مدينة تعيش القلق الوجودي وتبحث عن ملامحها الضائعة بشقوق كينونتها. تشفير جسد الحب و المدينة وإعادة الاعتبار له شعريا عبر نشيد الأعماق.

هذه الرؤيا المغايرة تبدأ من متاهة العنوا ن: مباشر/  الجزيرة / المونتاج. أي علاقة أو أي التباس في الزمن المرئي والتخيلي.

بأسلوبية تتخطى الشكل والمضمون، كاشفة عن هواجس يصعب فك الاشتباك فيها بين الذاتي وجحيم الحنين .  كما سماه لوركا “النخاع الهاجع داخل العظم”، يقول الشيخ:

“وحيداً مثلك..

ووحيداً مثل الله”.

أمكنة المدينة تأخذ مكانها في الانسان و يأخذ الانسان مكانه في المدينة، كأسلوب حياة والكرامة ومكاناً لممارسة الحرية و التخيل. باعتبار البناء الهندسي الأول بالكون هو جسم الانسان، وإشعاع هدا الجسد الأنثوي يتفرع لإنشاء محيط مركب ومنظم بصرياً. فالشاعر عمر الشيخ ينظر الى دروب وأمكنة المدينة كتخطيط هندسي، بل كفضاء له مفعول على العين والنفس: كتوزيع لهم الكينونة يكتسي صفة الابداع والتوازن.

تتحول المدينة بأمكنتها مكاناً للتواصل أو التعسف لما يعمّها من قبح إنساني. وتتحول دروبها إلى فضاء العبور فقط والهروب من الاغتصاب والسلطة ويتحول فيها الإنسان إلى وحش مذعور يحمل ورقة توته الأبدية كي لا ينزل الى العالم السفلي:

“وأنا

في شارع الحمرا

وحيداً مثل كأس الكحول.

أكتب نحوك

أنا الحزين الواسع..

أيّ فراقٍ يرتب انهياراتنا

حسب مزاج الله”.

الرؤية  الشعرية عنده تكشف العلاقات الإنسانية في عمقها العابر. وتنتج نصاً شعرياً يشبهنا ويخترقنا من الداخل في ملامسة سحر اللحظة واللقاء والوداع والفراق.  فاتحة  أبواب التخييل الشعري إلى جزز الروح من خلال تشريح عزلة الأمكنة و الانصات العميق لقلقنا الوجودي بمدن التيه. الانكسارات / الهزائم اليومية/ .

“سيأتي الملل متصابياً

وينزل من سطح بيتي

جاهزاً ليكللني

يطلب روحي

إلى بيت

الطاعة”.

ديوان مباشر من جزيرة المونتاج يحاول أن يكسر قواعد الاشتباك بين المتخيل والواقع، واختراق مسافة الكينونة والانفتاح على ماهو مشترك فينا، المفاتيح الجمالية لكشف نداء الأعماق بدواخلنا.

فكلما استطاع الشاعر أن يرتقي بذائقته  الشعرية إلى الواقع غير المتوقع وعقلنة الاحساس حينما نكتب عن  الجوهري  فينا: الحب /الجسد، اللدة / الموت .

“تقول لي:

(لا تعدّل  قصيدتي

انشرها بموسيقاها!)

قلت:

سأنشرها في شهوتي

وأتخيلك القصيدة.

لن أغيّر ذاكرة المكان،

وهذه القصيدة

لا أعرف كيف تنهيني

دونكِ؟”.

تنهض طقوس الشعرية في ديوان “مباشر من جزيرة المونتاج”، خارج التقنين الديني، وفي عري تام من شعائر المعتقد. فإن الترجمة لشكل الموت تتمثل في اقتناص مفهوم المواجهة، فإذا كان الكتابة الابداعية “آلة حرب في مواجهة الموت” كما ترى جانيت كلوميل. حين تصل إلى ذروة العلاقة التراجيدية بين الكلمات بالنص الشعري التي تقاوم الموت وتفتح أفق استمرارية الحياة وديمومتها المتجددة، وبين هشاشة الجسد الانساني الذي يقود الأفراد إلى الاضمحلال، شاعر يتنفس الكلمات، كلمات تقاوم العدم، بشعرية تتجاوز الشكل والمضمون.

قضية العدم بعد الوجود، مطروحة بالديوان لانسان منشر بين الجسد والأنا، أنا الآخر (الناس/المجتمع) فلا يشكل حضوره إلا خلفية هشة للسخرية من علاقته بفرصة الموت:

“ما كل هذا الموت؟

جاء ليتكلم

ابتلع ريقه..

فأزبدت على أطراف فمه

أصوات الأرواح:

– ماء المقابر

وحيدٌ

– ماء الآخرة

مرعب..”

 ناقد من المغرب | خاص موقع قلم رصاص

Powered by arabiceuro.com