الرئيسية » رصاص ميت » وضاع دم الغزال بين الأشجار

وضاع دم الغزال بين الأشجار

فؤاد ديب   |

كالعادة من كل عام وفِي ذكرى غيابه نشعر أن الأعوام صارت بعده أشد قسوة وصعوبة، نتذكره وفِي قلوبنا وذاكرتنا غصات متوالية فمنذ أن بدأت سلسلة غيابات القامات الثقافية الفلسطينية، أو تغييبها بقوة معنوياً أم جسدياً، منذ ذلك الحين بدأ التحضير لتنازلات خطيرة ستؤدي في النهاية لقبول ما يسمى بالسلطة الفلسطينية وعلى رأسها كائن ما يسمى محمود عباس، وبقبول مجمل ما تفعله هذه السلطة ومختارها من تغييب قسري وتسليم مثقفين ومناضلين والتواطؤ من أجل اغتيال نشطاء فلسطينيين، لكن في هذه الذكرى ثمة شيء مختلف فالشرطة البريطانية أعادت فتح التحقيق باغتياله، وكذلك عادت ذاكرة ” الباحثين” إلى ما كتب حينها عن هذا الاغتيال وما رافقه من اتهامات لشخصيات فلسطينية تدرجت من ياسر عرفات حتى وصلت إلى اتهام أي شخص قد يكون تضرر أو عاتب أو عبر عن امتعاضه من رسوم ناجي العلي.

نعم إنه ناجي العلي … ناجي العلي ضمير فلسطين الحي إلى الآن وكأي فلسطيني حر يكتب ويرسم ما تمليه عليه فلسطينيته لابد أن يوضع على شارة زائد القناص فموته يصبح قاب قوسين إو أدنى من كل آخر نقطة في مقال أو من آخر رسم قد ينشره وذلك ما حصل بالضبط مع ناجي العلي فآخر رسوماته التي أسمتها الشرطة البريطانية ” الرسم القاتل ” عن شخصية تنفذت فجأة في اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين حين كان محمود درويش رئيسه وهي محظية ياسر عرفات تركب معه الطائرة وتكون حيث يكون وتسكن قصراً في تونس، وأعطيت مركزاً في الأمانة العامة لاتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين على الرغم من جنسيتها المصرية مخالفين بذلك لوائح هذا الاتحاد، وحينها تجرأ ناجي العلي وقال ما لم يجرؤ أحد على قوله في وجه ياسر عرفات.

رسم ناجي العلي ذلك ونشره على الرغم من معرفته أن ياسر عرفات قال يوماً ما، أنه سيذيب أصابعه في الأسيد وهو من كان وراء إخراجه من الكويت وكما قيل يوماً أن الذئب بدأ يطارد فريسته خارج حدود القبائل ويسوق أمامه قطعان الخطوط وصاحبها ليخرج الفريسة إلى البر أو إلى الخلاء أو إلى الغابة كي يضيع دمها بين الأشجار، ولكن الطامة الكبرى حين توجهت أصابع الإتهام نحو محمود درويش الذي قال عن ناجي العلي يوماً ما: ( إنسانيته المرهفة هي التي تدله، الإنسان الطاهر فيه أشد حساسية من رادار معقد يسجل بوضوح كل مخالفة تعتدي أو تحاول الاعتداء إنه الحدس العظيم والتجربة المأساوية، فلسطيني واسع القلب، ضيق المكان، سريع الصراخ، طافح بالطعنات وفِي صمته تحولات المخيم ). معتمدة على مكالمة أجراها محمود درويش مع ناجي العلي، ونقلها ناجي في مقابلة معه تم نشرها بُعيد اغتياله وكانت عتاباً من محمود درويش على رسم نشره ناجي ينتقد فيه محمود درويش.

خصوصاً أن الشخصية الوحيدة التي لم يرثها محمود درويش مباشرة بعد استشهادها كان ناجي العلي على الرغم من رثائه لجميع الشخصيات الوطنية والثقافية التي تستشهد، ولكنه كان على خلاف معه وكان حينها رئيساً لاتحاد الكتاب ومقرباً من ياسر عرفات، أي أنه لو فعل لكان أغضب ياسر عرفات وإذا غضب ياسر عرفات فتشويه صورة من يغضب عليه الياسر ستكون من أولويات جوقته كما دأبوا على فعل ذلك في آخر أيام ناجي العلي، وقد تم ذكرهم بالاسم في مقالة الأزمنة العربية حينذاك وهم (نبيل شعث ما غيرو، و الشاعر أمجد الناصر المعتاش من فتات منظمة التحرير، و أحمد دحبور في مقال نشره في جريدة قبرصية مدعياً أن ناجي العلي يشوه صورة الفلسطيني بتصويره مترهلاً ونحن الذين يعرفون أساليب وخبايا الساحة الفلسطينية.

اعتدنا هذا الأمر حين يخرج أحد ما عن رأي الزعيم، هذا الأمر الذي يوجد في كل الأنظمة الداخلية الفلسطينية الخاصة بالفصائل وهو تشويه سمعة من يخرج أو يختلف معهم (تفو على هذا المنطق وعلى هكذا أنظمة داخلية ) لهذا لم يجرؤ درويش على فعلها وكتابة رثاء لناجي العلي لكنه فعل ذلك ولو متأخراً حيث اعترف بهذه المكالمة العتاب، واعترف أيضا أنه التقى بناجي في فرنسا بعدها بكثير وتحادثا بمحبة، وكذلك اعترف في هذا الرثاء أن ناجي العلي هو من علمه فتح الجريدة من الصفحة الأخيرة لكن هناك صفحات ومؤسسات لها مصلحة بتشويه القامات الفلسطينية، وهناك من يفعل ويذكر تفاصيل هذا المقال عن نقاء سريرة ليس وقتها، هذا من ناحية ومن ناحية أخرى غاب عن ذهن الذين أصبحوا محققين جنائيين فجأة غاب عنهم أن من يريد اغتيال شخص ما لا يفعلها مباشرة بل إن هذا الأمر يحتاج للتخطيط ووضع سيناريوهات كثيرة لتجاوز كل ما يمكن أن يحدث حتى لو على سبيل المصادفة، هذا ما قرأناه في الكتب وشاهدناه في الأفلام عن الاغتيالات، ثم أن جميع من يتناولهم هؤلاء هم من الأموات حيث لم نشاهد أحد تنطح لهذا الأمر عندما كان محمود درويش حيأ، ولم يجرؤ أحد منهم حتى اليوم على ذكر اسم عبد الباري عطوان الصحفي المشهور رئيس تحرير جريدة رأي اليوم الإلكترونية الذي استدعته الشرطة البريطانية حينها وسألته عن هذا الاغتيال بعدما اكتشفت أنه كان يجمع المعلومات عن ناجي العلي، وكذلك لم يأتِ أحد على ذكر من كانت بطلة الكاريكاتير الشهير الذي أسمته الشرطة البريطانية (الرسم القاتل ) ألا وهي رشيدة مهران الكاتبة المغمورة التي أصبحت فجأة تأمر وتنهي في اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين، وأصبحت فيما بعد محظية ياسر عرفات وكاتبة التاريخ الفلسطيني وتاريخ القائد وكان الجميع يخشاها لمجرد أنها فتاة الياسر.

ولم يجرؤ أحد حتى الآن أن يسأل أين هي وأين أصبحت وما هي علاقتها بهذا الاغتيال؟ ثمة أنهم أي المحققين الطارئين الاسكوتلندياريين تناسوا صاحب المصلحة الأهم من اغتيال ناجي العلي وتغييبه وهو الموساد الصهيوني الذي رفض إعطاء أي معلومة حول هذا الاغتيال للحكومة البريطانية فغضبت رئيسة الوزراء البريطانية في ذلك الحين مارغريت تاتشر وأمرت بإغلاق مكتب الموساد في بريطانيا، الموساد الذي كان يريد التخلص من ناجي العلي كصوتٍ معترض عما تفعله هذه القيادات المهترئة وسعيها لإيجاد تسوية فمن مصلحة العدو التخلص من كل هذه الأصوات كي يتم له الاستفراد بالشخصيات المهزوزة المنادية بالاستسلام ثم أن هناك أسماء أخرى كان ناجي العلي ذكرها وقال: إنها كانت تتصل به كي تحذره من مغبة الوصول إلى خط أحمر لن يُغفر له تجاوزه مثل بسام أبو شريف وغيره، وقد نشرت الصحيفة المذكورة حواراً دار بين الشهيد ناجي العلي وأبو إياد مختصره ألا أحد يحاسب أحداً هنا، لهذا فقيادة المنظمة تفعل ما تريد، كل هذا وبالرغم من أن محمود درويش أوضح ما جرى خلال المكالمة الهاتفية بينهما وقال: ألا شهود غير ناجي العلي على هذه المحادثة، وخصوصاً أنها نُشرت بعد اغتياله إلا أن هناك من يريد الاصطياد بسنارة العدو كي يشوه أسماء فلسطين الكبيرة..

بغض النظر عن اختلافنا مع طرحها السياسي فالبعض يفعل ذلك بغير قصد والبعض الآخر بقصد فيكون بذلك اتبع اُسلوب عمل الفصائل الفلسطينية بتشويه سمعة من يحيد عن الخط المرسوم لأنه في نهاية الأمر هو خريج من خريجي مدارس الفصائل الذي تشبعوا بأنظمتها الداخلية التافهة، خريج تتلمذ على يد مسؤول متآمر مترهل يجر (طيزه) خلفه مجسداً تماماً كاريكاتير ناجي العلي عنهم وفوق كل هذا هو قارئ سيّء للتاريخ.

مراجع : 

* الأزمنة العربية
* كتاب أكله الذئب.. شاكر النابلسي

شاعر فلسطيني   |  خاص مجلة قلم رصاص الثقافية

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Powered by arabiceuro.com