في رحلتي باحثاً عبر تجارب الشعوب.. و بعد الاطلاع على التجربة الألمانية في النهوض بعد الحرب، نعود لنفتح صفحة جديدة من دفاتر الثقافات المختلفة التي عاشت شيئاً يشبه ما نعيشه ، ونقف هذه المرة أمام اليابان.. الأمة التي خرجت من أهوال الحرب العالمية الثانية مثقلة بالدمار والعار، لكنها اختارت أن تتكئ على إرثها العميق بدل أن تستسلم لمرارة الهزيمة. والآن، حين تُذكر اليابان، لا يتبادر إلى الذهن صوت القنابل، بل صور القطارات السريعة، والاختراعات التكنولوجية، والنظام الجماعي الذي يدهش العالم لدرجة أن البعض أصبح يطلق عليها كوكب اليابان.
كيف وصلت اليابان من مدينة هيروشيما المحترقة إلى مدن ذكية تصنع المستقبل؟ كيف نهضت من دون موارد تُذكر، ولا نفط، ولا مستعمرات؟ ما الذي فعله اليابانيون كدولة، وكأفراد، وكشعب؟ وماذا يمكن لسوريا، الجريحة والمنهكة، أن تتعلم من ذلك؟
بعد استسلام اليابان في عام 1945، كانت البلاد في حالة انهيار شامل. المدن الكبرى سُويت بالأرض، الاقتصاد منهار، ملايين المشردين، ومجتمع تقطعت أوصاله. قنبلتان ذريتان أنهتا الحرب، لكنهما أيضًا بدأتا رحلة مؤلمة من التساؤل: من نكون؟ وهل يمكن أن نعود؟
أدرك اليابانيون، تحت وطأة الاحتلال الأميركي، أنه لابد من التخلي عن فكرة الإمبراطورية المقدسة وأن الأسطورة التي حكمت حياتهم ( إمبراطور نصف إله، وجيش لا يُهزم ) لم تعد صالحة ولابد من ايجاد البديل. و هذا ما حصل في عام 1946، حين خُطّ دستور جديد بإشراف الجنرال الأميركي ماك آرثر، أعلن فيه الإمبراطور “هيروهيتو” تخليه عن صفته الإلهية، في ما سمي يومها “‘اعلان الإنسانية” و أنه أصبح إنسانا عادياً و رمزاً للدولة و وحدة الشعب وأصبحت اليابان دولة مسالمة رسميًا.
كانت تلك لحظة مفصلية..أن تتنازل أمة عن سرديتها المقدسة، وتعيد تعريف نفسها .. لا كقوة عسكرية، بل كمجتمع مدني. وهذا درس عظيم لسوريا.. لا يمكن بناء وطن على أساطير القوة ولا على طوائف السلطة.. لا بد من التواضع أمام الحقيقة، ولو كانت مؤلمة، هنا أدركت اليابان أن المعركة المقبلة ليست عسكرية، بل فكرية وعلمية. فاستثمرت بشكل هائل في نظام التعليم، وجعلت المدارس أدوات لتشكيل الهوية الوطنية الجديدة. لم تُدرّس الكراهية، بل درّست المسؤولية. لم تُقدّم للتلاميذ بطولات الماضي فقط، بل علمتهم النقد والبحث والعمل الجماعي.
في سوريا، لا تحتاج المدارس فقط لإعادة الترميم، بل يحتاج الإنسان السوري إلى مناهج تساهم في إعادة تشكيله. نحتاج إلى صفوف تُدرّس كيف نعيش معًا، لا كيف نُصنف بعضنا. لا نريد جيلاً يحفظ عن ظهر قلب، بل نريد صناعة جيل يُفكر.
وهنا نصل إلى إحدى أهم التحولات في المجتمع الياباني بعد الحرب ألا وهي تحويل القانون إلى ثقافة، لم يعد القانون في اليابان مجرّد أداة للردع، بل أصبح ممارسة يومية، وعنوانًا للكرامة الوطنية.. لا أحد فوق القانون، لا المسؤول، ولا التاجر، ولا المواطن ، ومن هنا يجب أن نبدأ في سوريا، إذا أردنا أن ننهض.. لا يمكن أن نبني بلدًا على أساس المحسوبيات والانتهاكات.. العدالة ليست ترفًا، بل حجر الأساس، لابد من بناء قضاء مستقل، شفاف، يُعامل الجميع كأنداد، لا كأتباع . الجميع دون استثناء .. ولا بد أن يدرك الشعب دوره في هذه المعادلة و لابد أن يقتنع بالمساواة و أن يؤمن بنفسه و بقدرته و بقوته .. كما يجب أن يعرف الجميع .. الشعب يأتي أولاً، ثم تأتي الدولة ، فبعد الحرب، لم تنتظر اليابان من الدولة أن تبني كل شيء.. المجتمع المدني كان شريكًا فاعلاً.. هناك مقولة شهيرة في اليابان تقول: “نظف باب بيتك، وسيصبح الشارع نظيفًا”. هذا ما فعله اليابانيون: عادوا إلى أعمالهم، بنوا بيوتهم، نظفوا شوارعهم، وعلّموا أبناءهم. لم يصرخوا مطالبين بكل شيء، بل فعلوا ما يستطيعون بأيديهم.
هل نستطيع نحن، في سوريا، أن نبدأ من الحي؟ من المدرسة؟ من فكرة بسيطة..أن الوطن لا يُصنع بالانتظار.. و لا يصنع من البكاء على الأطلال .. فلا بد من التوازن بين الذاكرة والمستقبل.. لم تنسَ اليابان هول ما جرى، لكنها لم تعلق فيه.. بُنيت المتاحف لهيروشيما وناكازاكي، لكن دون كراهية. تم تعليم الأجيال القادمة أن السلام ليس خيارًا ثانويًا، بل ضرورة للبقاء، و في سوريا، علينا أن نحفظ ذاكرتنا لا لجلد الذات، بل لنعرف كيف لا نكرر الأخطاء ونتعلم منها. لا بد من صياغة قصة الوجع و المأساة السورية بطريقة جديدة، طريقة لا يتبناها فريق دون آخر، بل يشترك فيه الجميع لأن الجميع عاش ألم الحرب وأهوالها بصيغة من الصيغ. الذاكرة الجماعية يجب أن تكون أداة شفاء لا سلاح فتنة. ما فعلته اليابان لم يكن بضغط زر، بل كان فعلًا تراكميًا، يومًا بعد يوم، إنسانًا بعد إنسان وجيلاً بعد جيل. لم يكن طريقًا خالياً من العقبات، لكنه كان طريقًا ذو اتجاه و هدف.
ونحن في سوريا، لا نحتاج أن نصبح نسخة من اليابان أو ألمانيا، ولا اعتقد أننا قادرون، لكن يمكننا أن نتعلم من تجاربهما و نستعير منهما الشجاعة لنسأل.. ما الذي نريده فعلاً؟ هل نريد وطنًا لكل السوريين؟ هل نحن مستعدون للتنازل عن الحقد، مقابل الأمل؟
سأواصل البحث و التعلم لتستمر هذه الحلقات، لأن سبر تجارب الشعوب ليس ترفًا، بل ضرورة. سنواصل الرحلة، بلدًا تلو آخر، لنعرف أن الحياة لا تُخترع، بل تُستعاد. وسوريا كما نحب أن نراها تستحق أن تُستعاد.
مجلة قلم رصاص الثقافية