صدر حديثاً، عن “منشورات المتوسط – إيطاليا“، الجزء الثاني لكتاب (لم يصدر جزؤه الأول بعد)، للكاتب السوري لقمان ديركي، وجاء الكتاب بعنوان “مذكرات سائح بالصرماية”. وهو عملٌ أدبي ساخر ينطلق من عنوانه ليقدّم بياناً روائياً مكثفاً عن جيلٍ كامل عاش بين السلطة والعائلة والمنفى.
والصرماية هي كلمة عامية تعني الحذاء، وتُستعمل في بلاد الشام، ولا سيما في سوريا ولبنان والأردن وفلسطين. يرافها في لهجات عربية أخرى كلمات مختلفة مثل «كندرة»، و«جزمة»، و«نعال»، و«قندرة».
إذن، “السائح” هنا، ليس سائحاً تقليدياً يحمل كاميرا وخرائط، بل ابن مدينة يتنقل بين الحارات والسجون والمدارس والحدود، و“الصرماية” ليست مجرد حذاء، بل رمزٌ لليوميّ، وللهامشي، وللغة الشارع التي تكتب تاريخها الخاص خارج البلاغة الرسمية.
يتوزع الكتاب على مجموعة فصول مستقلة في عناوينها ومتكاملة في روحها، بحيث يمكن قراءة كل فصل بوصفه حكاية قائمة بذاتها، وفي الوقت نفسه كجزء من سيرة متصلة. ينتقل النص بين الطفولة والمراهقة والشباب، بين البيت والحارة والمدرسة والسجن والملعب، في بنية أقرب إلى لوحات سردية متتابعة. كل فصل يحمل عنواناً دالاً يعكس موضوعه ومزاجه، من الحكايات العائلية إلى الوقائع السياسية والاجتماعية، ليشكّل في مجموعه فسيفساء مدينة وسيرة جيل، تُروى عبر مشاهد قصيرة مكثفة تعتمد السخرية أسلوباً جامعاً بينها.
يقول الناشر في كلمته للغلاف:
“دمشق التي هاجرت، ووجدت أبناءها يتوزعون في المنافي كمن يفتّش عن ظلّها في مدن لا تعرفهم. سوريا التي شُرّدت في كل اتجاه، وأجيالٍ تعلّمت أن تقاوم القمع والخذلان بالضحك.
كتاب لقمان ديركي شهادة مدينة لم تعد محصورة داخل أسوارها، بل عبرت لتصير جرحاً متنقلاً، ومرآة لجيلٍ كاملٍ اكتشف أن السخرية آخر ما تبقّى له كي يظلّ على قيد الحياة.”
لكنه لا تمكن قراءة كتاب لقمان بعيداً عن سياق الهجرة العربية الأوسع. فالحكايات التي تبدأ من بيتٍ في دمشق أو حارةٍ في حلب، تنتهي على أرصفة مطارات وحدود ومعابر. ما يرويه لقمان ديركي ليس سيرة فردية فحسب، بل صورة مكثفة لجيلٍ عربي وجد نفسه مضطراً إلى التحول من مواطن إلى عابر، ومن ابن مدينة إلى اسمٍ على لائحة انتظار. الهجرة هنا ليست حدثاً طارئاً، بل امتداد طبيعي لمسارٍ بدأ داخل البيت والمدرسة والشارع، وانتهى خارج الخريطة. بهذا المعنى، يصبح الكتاب جزءاً من سردية عربية أوسع، سردية الانتقال القسري، والاقتلاع، ومحاولة إعادة تعريف الذات في عالمٍ لا يعترف بسهولة بمن جاءه من الهامش.
أخيراً، صدر الكتاب في 200 صفحة من القطع الوسط.
من الكتاب:
جاء البلم .. عفواً اللنش، واللنش عالي، كلّ نفر يمسك به حارسان ويرميانه إلى اللنش، حيث يستلمه شخصان ويرميانه داخل اللنش، تماماً مثل عملية نقل البطيخ من الأرض إلى الشاحنة، أحسستُ بإحساس البطيخة، يا أبو شريك، عندما استلمَني ثلاثة أشخاص – باعتباري ضخماً نوعاً ما – ورموني ليتلقّفني ثلاثة آخرون، أصبحتُ في اللنش، وأخرج كلّ منّا ثلاثة آلاف دولار ودفعها، فالاتّفاق أن تدفع نصف المبلغ حال صعودكَ إلى البلم، عفواً اللنش، أمّا النصف الآخر، فقد أودعناه في المكتب، وسيتمّ دفعه لأبي صطيف فور الدخول في المياه الإقليمية الإيطالية، لن تطأ قدماكَ برَّ إيطاليا قبل أن تدفع المبلغ كاملاً، هكذا اتَّفق معنا أبو صطيف، وفجأة حدث ما لم يكن في الحسبان، دوريات خفر السواحل تحوم في المكان، لكن اتّصالاً من أبو صطيف جاء للحُرَّاس، وبدأت تليفونات الثُّريَّا بالظهور، كانت الأوامر أن يحرّكوا لنشاً خالياً باتِّجاه خفر السواحل، وبالفعل انطلق أحدهم بزورق فارغ باتِّجاه الدورية، وتوقَّف بالقرب منها، رمى قبطان الزورق الخالي بنفسه إلى البحر، وعاد سباحة إلى البرِّ، بينما انطلق قبطاننا مشفِّطاً بزورقنا، فتخَرْيَطنا أيَّما خَرْيَطة، يا أبو شريك، وهو يمضي بنا مسرعاً بعيداً عن دورية خفر السواحل التي كانت منشغلة بالزورق الخالي.
عن الكاتب:
لقمان ديركي شاعر وكاتب سوري من مواليد مدينة الدرباسية شمال شرقي سوريا عام 1966. يُعتبر من الأصوات الشعرية البارزة التي ظهرت في الثمانينيات ضمن جيل جديد من الشعراء السوريين، حيث امتاز شعره بالجمع بين السخرية السوداء والمرارة السياسية والوجد الشخصي.
عُرف ديركي بكتاباته التي تحاكي الحياة اليومية، وبنبرة تهكمية تكشف تناقضات الواقع الاجتماعي والسياسي. نشر عدة مجموعات شعرية، كما كتب مقالات صحفية وأدبية في الصحف العربية، وله حضور بارز في المشهد الثقافي السوري والعربي، خاصة بين أوساط القرّاء الشباب.
بعد اندلاع الثورة السورية عام 2011، تبنّى مواقف معارضة للنظام السوري، ما دفعه إلى مغادرة البلاد أواخر عام 2012، واستقر لاحقاً في أوروبا.
مجلة قلم رصاص الثقافية رهان أخير على دور الفكر الحر والمسؤول في إعادة بناء الوعي واستعادة منظومة القيم، "على قلم وساق" من أجل ثقافة هدفها الإنسان.