يبدو أننا دخلنا رسميا في زمن الدراما التي تنتصر فيها الضحكة السطحية السريعة على الفكرة العميقة، إذ لم يعد النجاح الدرامي يقاس بعمق البناء السردي أو بقدرة العمل على ملامسة الأسئلة الإنسانية الكبرى، بل أصبح مرتبطا بدرجة الاشتعال اللحظي على منصات التواصل. لقطة ملطوشة هنا، جملة مسروقة هناك، طريقة لفظ ساخرة، أو تقليد عابر لشخصية ما… كلها عناصر كافية لتحويل العمل إلى ظاهرة رقمية حتى لو كان المحتوى الفني ذاته يقف على أرض رخوة.
يتمثل هذا بأعمال كثيرة خلال الموسم الدرامي الحالي، ومنها على سبيل المثال صعود مسلسل “مولانا” إلى واجهة النقاشات الرقمية، ليس باعتباره تجربة فنية تُناقش بجدية، بل باعتباره نموذجا صارخا لآلية صناعة الضجيج الثقافي في زمن الخوارزميات.
فالمنصات الرقمية لا تكافئ الفكرة، بل تكافئ السرعة. لا تمنح الضوء لمن يصنع معنى، بل لمن يصنع موجة تفاعل قصيرة العمر. وهكذا تتحول الدراما إلى مادة خام لصناعة “الميمات” بدل أن تكون مساحة لصناعة الوعي أو الفكر.
المدهش أن هذا النمط من الإنتاج يجد جمهورا واسعا، ليس لأنه الأفضل، بل لأنه الأسهل استهلاكا. الإنسان المعاصر، المثقل بضغوط الحياة اليومية، يبحث عن محتوى يتيح له الهروب المؤقت من الأسئلة الصعبة، حتى لو كان الثمن هو الانغماس في محتوى يختزل الفن إلى ضحكة عابرة أو تعليق ساخر يمكن حذفه بعد دقائق.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في وجود أعمال درامية خفيفة، بل في تحول الخفة نفسها إلى معيار وحيد للحكم على القيمة الفنية. عندما يصبح الضجيج مؤشرا على النجاح، تبدأ عملية تسطيح الذائقة الثقافية دون إعلان رسمي، ويجد الفن نفسه محاصرا بين مطرقة السوق وسندان الخوارزمية.
ربما لا يمثل مسلسل «مولانا» نهاية هذا المسار، لكنه بلا شك علامة دالة على مرحلة تتراجع فيها الدراما من فضاء السؤال إلى فضاء الاستهلاك السريع… مرحلة قد لا ينتصر فيها الفن، بل ينتصر فيها الترند فقط.
في المشهد الدرامي الراهن، تبدو المعادلة الثقافية مختزلة إلى ثلاث دوائر متداخلة: المنتج يبحث عن الربح السريع، الممثل يبحث عن لحظة الترند التي تضمن حضوره الرقمي، والجمهور — في كثير من الحالات — يبحث عن التفاهة التي تمنحه راحة مؤقتة من ثقل الواقع.
لم تعد الصناعة الدرامية مشروعا فكريا طويل المدى، بل تحولت في جزء كبير منها إلى تجارة انتباه. القيمة الفنية لم تعد الشرط الأول، بل أصبحت مجرد عنصر ثانوي يمكن التضحية به إذا تعارض مع مؤشر التفاعل السريع أو مع احتمالات الانتشار الفيروسي.
في هذا السياق يظهر نموذج مسلسل مولانا كعلامة على مرحلة تتشابك فيها حسابات السوق مع رغبات الجمهور الرقمي. العمل لم يُقرأ فقط كنص درامي، بل كحدث تواصلي قابل لإعادة التشكيل عبر الميمات والتعليقات الساخرة، حيث يتحول الفن إلى مادة خام لاقتصاد التفاعل.
إن أخطر ما في هذه الثلاثية ليس وجودها، بل استقرارها كمنظومة إنتاج وتلقي. فحين يلتقي منطق الربح مع منطق الترند مع قابلية الاستهلاك السريع، يصبح السؤال عن العمق الفني هامشيا، وكأن الثقافة نفسها تُدفع تدريجيا إلى خارج دائرة الاهتمام.
هكذا يولد عصر جديد لا يهزم الفن مباشرة، بل يفرغه من محتواه ببطء… عصر لا يعلن انتصاره على الجمال، لكنه يكتفي بأن يجعل الجمال شيئا غير ضروري.
ربما لن يعلن هذا العصر موت الفن بصوت عالٍ، لكنه يفعل ذلك بهدوء مخيف… فالفن لا يموت حين تختفي اللوحات أو النصوص، بل حين يصبح السؤال الجمالي عبئا غير مرغوب فيه. عندها فقط تتحول الثقافة إلى مجرد مساحة للترفيه اللحظي، وتصبح العقول مرتاحة داخل قفص الضجيج الجميل، بينما يظن الجميع أنهم يعيشون زمن الإبداع بينما هم ينغمسون في زمن التفاهة.
مجلة قلم رصاص الثقافية
مجلة قلم رصاص الثقافية رهان أخير على دور الفكر الحر والمسؤول في إعادة بناء الوعي واستعادة منظومة القيم، "على قلم وساق" من أجل ثقافة هدفها الإنسان.