الرئيسية » رصاص حي » لا مفر من الذاكرة … إذن لنتذكر ما نحب!

لا مفر من الذاكرة … إذن لنتذكر ما نحب!

أثبتت الحرب في سورية أننا صرنا ملعونين بالذاكرة ، هذا الأمر يدركه جيداً كل من عاش فيها،  حتى بتنا نعيش المستقبل من الماضي، وبذلك نتواطأ ضمنياً على إسقاط  الواقع الطاحن حتى لا يسكن ذاكرة أحد منا. يقول “جون لانكستر سبالدينغ” الأسقف والشاعر الأمريكي: ” قد تكون الذاكرة هي الفردوس الذي لا يستطيع أحد طردنا منه “، وعليه لابد أن نتذكر كخيار أشبه بالوحيد بعد أن غابت الحلول … نتذكر طبعاً سورية التي نحب!
وسام الخطيب

تختلف سورية عن مصر مثلاً أو حتى لبنان في الصحافة، قرأ السوريون وكتبوا في الجرائد الحكومية : “تشرين” و”الثورة” و”البعث” لسنوات طويلة، ولسنا الآن في صدد الحديث عن عدالة هذه المسألة فهو موضوع مستقل بذاته، كانت هذه الصحف الثلاث كل ما نملك، بعيداً عن الصحف المحلية جداً، و قبل ظهور بعض الجرائد الخاصة في مرحلة متأخرة مثل جريدة بلدنا، ومن ثم الانفجار الكبير للمواقع الإلكترونية مما جعلنا أشبه بالكائنات الرقمية الافتراضية. حفظنا الأسماء التي تكتب في تلك الصحف، ورغم الاختلاف أو التوافق الفكري مع ما قدموه، فقد عشنا معهم وعاشوا معنا: أحمد تيناوي، اعتدال رافع، أنيسة عبود، بديع صقور، حسن م يوسف، خطيب بدلة، خليل صويلح، خيري الذهبي، ديب حسن، زيد قطريب، سامر إسماعيل، سوزان ابراهيم، عادل محمود، فرحان بلبل،  لينا الحسن، وليد إخلاصي، وليد معماري، ياسين رفاعية  وغيرهم…

في الحقيقة كانت لدينا منافذ قليلة هنا أو هناك لمن يريد أن ينشر من الكتاب الصاعدين، منها على سبيل المثال : “صفحة أدب الشباب”  في جريدة “تشرين”، والتي يُعنى هذا المقال بنبشها من الذاكرة في ذلك الزمن، زمن اللاحرب، وفي الفترة التي كان يديرها فيها الشاعر السوري الراحل “أحمد تيناوي” .

مثلت تلك الصفحة الأسبوعية  صوتاً لتجارب ناضجة أرادت النشر، وليست لديها إمكانية للطباعة، كما كانت صوتاً لتجارب طازجة ما زالت في طور التشكل، واستقطبت مشاركات من أقصى الريف الشرقي في “البوكمال” إلى أقصى الغرب في “طرطوس”، من شمال الشمال في “حلب” إلى جنوب الجنوب في “درعا”، نعم كان هناك زمن اجتمعنا فيه على طاولة الكتابة بمحبة،  في مكان لا علاقة له بالقامات الكبيرة، ولا بالعمالقة ! مكاناً يعبر عن  قلق الإبداع، التحفز العالي، والروح المضطربة.

امتلك الشاعر “أحمد تيناوي” ( 1960- 2012) تجربة عريضة في الصحافة  السورية ، لعل أبرزها عمله كمدير تحرير في جريدة “بلدنا” الخاصة، لكن هذا المقال يركز على  جهوده في ذلك التفصيل الصغير والمهم المتمثل بإشرافه على صفحة “أدب الشباب”، فكان “تيناوي” يقول رأيه في عموده الأسبوعي، وينوه بهذه التجربة أو تلك، ينتقد أموراً محددة، يناقش قضايا الأسلوب والصورة، ويتحاور في مسائل النشر والاستمرارية، ويمد يده ببساطة وبصدق للجميع، ليبني في الظل جسراً لتبادل الآراء والخبرات على مدى سنوات عديدة.

مات “أحمد تيناوي” الشاعر الشفيف بعد أن أصدر لنا ديوانه الأخير “أندلوثيا: دار كنعان/ 2008” :

 “أعطيني قليلاً من الوقت/ فربما لم يغلق بائع الورد / هو يعدني منذ خمسة وعشرين عاماً /أن تكون الوردة آخر هزائمي” .

 مات لكنه ساهم في غرس العديد من الشعراء في تربة الشعر السوري ، “أحمد تيناوي” الذي قال في إحدى رسائله الداعمة لصديقه “نضال سيجري” : “أيها السوري لا تتوقف عن حب ذاتك، وحب الآخرين لأن سر الحياة في الحب، الحب يا صاحبي يطيل الأعمار، بعكس الكراهية التي تفتك بكل شيء ” رحل “تيناوي” مبكراً، كما رحل “سيجري” مبكراً… ربما لكثرة ما اشتد الكره!

لا يؤرخ هذا المقال لأسماء الشعراء والشاعرات الذين نشروا في تلك الصفحة،  بل يستحضر ما بقي في الذاكرة…

 “بشرى البشوات” التي تغربت واستقر فيها المطاف في ألمانيا، ففاضت شعراً كالماء ، “فادي الفحيلي” ما زال في القنيطرة يكتب القصائد الحزينة، كذلك “ماهر قطريب” في السلمية ، “أحمد العجيل” المرهف الذي مات في التاسعة والثلاثين من عمره بعد أن فاز بجائزة للقصة في دبي عن مجموعته القصصية ” سلطة الرماد”،  لعل السوريين يتذكرونه  في زحمة هذا الموت الكثيف الذي بات يخطف الأرواح بالجملة !  “باسم سليمان” كان الأكثر غزارة فقد قدم لنا تجربة شعرية حادة في أربعة دواوين، غابت أخبار “ابراهيم القاضي” و “عبد الإله خليل” الذي لا أعرف إن كان تزوج “آرين” التي كان يهديها قصائده أم لا، “وجدي الشمالي” الذي كان يقيم في مدينة السلمية اختفى أيضاً، وسأعيد نشر إحدى نصوصه الشعرية عله يقرأ ، ويقرر العودة إلى ذاكرتنا ! 

“وحيداً تبقى

لمسائك والصمت

تناوشك نجمة ولا تجيء

يحاذرك قمر كثير الذهول!

كيف تلون فراشات الكلام ؟

ولا شيء حولك إلا الريح

تعثر بدمعة الخريف

منذ متى أنت هنا ؟

تروح وترجع على ذات الدروب

الأشجار ذاتها

والعتمة ذاتها

والقمر الذي ينحني أكثر

يرمقك لحظة..

ويشيح بوجهه لئلا يراك!

منذ متى تقف هنا

تشيع عبرة

وتنتظر خريفاً..

يتدلى إليك من شرفة

أو وردة تحاكي ظلها!

أيها العابر كجدول ضائع

أو كنجمة هجرها ذووها..

منذ متى يجيئك الحزن بلا موعد

فتصغي لأصوات

تنبعث من جوف الليل

وأخرى تتصاعد من قلب النهار

فجأة يلمك الشتات

تعود وحيداً

لأمسك والصمت !

تناوشك نجمة ولا تجيء !

ينحني قمر

لئلا يراك !”

موقع قلم رصاص الثقافي

عن وسام الخطيب

وسام الخطيب
كاتبة فلسطينية، خريجة كلية الآداب قسم اللغة العربية في جامعة حلب سورية، تكتب وتنشر في العديد من الصحف والمواقع العربية.

شاهد أيضاً

السرير كنص

آمنة مامو  | عندما طُلب من غاستون باشلار أن يصف المبدأ الذي انطلق منه في …