الرئيسية » رصاصة الرحمة » المعرفة ملزمة

المعرفة ملزمة

لطالما كانت الأخلاق جوهر السياسة، ومن الإبتسار، إذا لم نقل من الجهالة إعتبارها أنموذجاً لا أخلاقياً لممارستها، ليس لأن السياسة تعتمد كلياً على الثقة الممنوحة من أحد طرفي العقد إلى الطرف الآخر (السياسي) فقط، بل لأن الأخلاق برمتها منتج معرفي من منتجات الثقافة، وإلتزامها ليس تطوعيا خيرياً بترشيد وإرشاد ما ورائي أو تربوي، بل هو إلتزام معرفي ذو قواعد ومعايير معاصرة، فالأخلاق معرفة مجتمعية يتم الإستثمار فيها مجتمعيا، في تبادل جدلي يدفع الى الإرتقاء، لتبدو الأخلاق كتكنولوجية في وجهها الأول، وتسالم يؤسس للأمان والحرية في وجهها الثاني، لتبدو كعملة ذات وجهين يمكن استثمارها في الإنتاج كصانع وحيد للشبع والمنعة، وما على السياسي إلا الإلتزام بها كمعرفة للوصول الى أهداف سياسته، وإلا فلسوف تنتج مهمته فراغاً يملأه الفساد وأخواته بقيم العنف والفهلوة المنجدلة تماما مع الأداء السياسي  المبتعد عن الأخلاق بمعناها المعاصر تحديداً، لأن في ذلك إبتعاد عن المعرفة.

ربما قدم تقرير “تشيلكوت” أنموذجاً عن عن تلك المعايير الأخلاقية، التي لا تندرج بشكل واضح في دساتير أو قوانين، وإن تدثرت بمبررات وذرائع قانونية أو دستورية، بواسطة المهارة السياسية التي يفصلها خيط رفيع عن الفهلوية السياسية التي تخلف ورائها حتماً فراغاً يملأه العنف، وهو ما يضيء بطريقة ما ذلك العنف العمومي الذي يتفجر متنقلاً بين أرجاء هذه القرية الكونية، فالفراغ (وهو أخلاقي تماماً)، يجعل من تداول العنف ليس حكراً على الأقوياء أو محتكري تكييف القوانين، بل يفتح الباب لكل مغامر أو أهبل أو مجنون، للمشاركة في مزاد إسالة الدماء، بالإتكاء على الأخلاق المنتجة داخل الفراغ الأخلاقي، فهذا الفراغ يساوي بين دم الشرطي ودم المجرم، فكيف إذا كان الشرطي موغلاً بدماء الأبرياء، وكيف إذا كان الشرطي المكلف بأداء أهم مهمة مجتمعية على الإطلاق، ألا وهي التربية على ممارسة الإلتزام بالقوانين كحد أدنى لممارسة التسالم الاجتماعي، هو نفسه غير ملتزم بالقانون.

يصح هذا المثل على المجتمعات المحلية تماماً كما يصح على المجتمع الدولي، فدماء العراقيين أو السوريين ليست أرخص أو أقل قيمة من دماء الأمريكيين أو الفرنسيين، والمشكلة هي عند، وفي صانع الفراغ، الذي تملص من القيود المعرفية، التي تحتوي على الأخلاق بشكل أساسي والتي منها تولد الدساتير والقوانين.

إننا أمام معضلة محلية ودولية في آن معاً، فليس للفهلويين صناع الفراغ من طريق للإعتذار أو تعويض ما تسبب به خطأهم، ولا هم يسمحون لأحد بتصحيح هذا الخطأ. وعند هذه النقطة بالذات يتفلت العنف من الإحتكار القانوني له، وينفلت في الفراغ بلا وزن أو مسؤولية .

ربما كانت هيروشيما ونغازاكي مثالاً حياً على محاولة صنع فراغ لا أخلاقي بين شعبين، إلا أن إلتزام السياسيين اليابانيين بالأخلاق نزع فتيل الفراغ دافنين العنف تحت ركام الإنتاج، وإلا فإننا جميعا نعرف أن اليابانيون شعب لا تنقصه الشجاعة حتى في مواجهة الموت.

الأخلاق هي تكنولوجيات استراتيجية معايرة لا يمكن لسياسي التفلت منها دون أن يعرض مجتمعه للأخطار عاجلاً أم آجلاً، وتبقى المهارة السياسية على مسافة قريبة جداً من هذه التكنولوجيات، ولها أن تختار، بين احتكار العنف لإنفاذ إرادة القانون، أو إحتكاره لمنفعة شخصية، عندها تنهار منظومة الأخلاق المعرفية برمتها تاركة للفراغ أن يتحكم بمصير المجتمعات.

مجلة قلم رصاص الثقافية

عن نجيب نصير

نجيب نصير
كاتب وسيناريست سوري عريق، كتب العديد من المسلسلات السورية التي لاقت إقبالاً كبيراً، تمتاز أعماله بطابع خاص، ومن أبرزها: نساء صغيرات، أسرار المدينة، الانتظار، تشيللو، فوضى، أيامنا الحلوة، وغيرها.

شاهد أيضاً

الأكاديمي الأنيق..!

لدينا أكاديميون مبدعون.. نعم مبدعون ليس في نطاق المعرفة، ولكن في القدرة على التكيّف.. إنهم …