الرئيسية » رصاصة الرحمة » التفاهة المقنعة

التفاهة المقنعة

للناظر إلى برامج المنوعات التلفزيونية العربية (الأنترتيمنت)، حق إبداء الرأي فيها، ومن أهم مظاهر هذا الإبداء هو استخدام الريموت كونترول، ولا حرج من بعد هذا أن يتجول في أرجاء المحطات باحثاً عما يناسبه، فالتلفزة لم تعد محدودة بسقف رقابي، وهذا ما لا ينفي عنها الموضوعية، فالموضوعية هي على ارتباط عضوي وثيق بظروف المحطات ومن أهم هذه الظروف هي بتلك الأهداف التي وضعتها المحطة لنفسها، وكذلك كمية المشاهدين التي تستطيع  أن تجمعهم أمامها سراً أو علانية، وخارج حرية التحكم بالريموتكونترول، تبقى الآراء حول هذه البرامج دون إجماع يذكر، على الرغم من كل الأصوات الصحفجية أو المنبرية التي تخوّن هذا البرنامج ومحطته، وتسفه عقليته ومآربه وترميها بالتفاهة والجهل وسوء الطوية.

ولكن لنكن واقعيين في نشداننا لبرامج الترفيه، فما يشد المشاهد أضحى معروفاً، وكذلك أضحت توجهات المحطات المتنوعة، هذا بالإضافة إلى الواقع الفني/ الثقافي الذي لا يستطيع أن ينضح إلا بما فيه، لينحصر الموضوع في مقولة هواة النوع الذي يبطل مفاعيل اتهام هذه البرامج بالرداءة وتسخيف العقول وتجهيلها، وكذلك اتهام ثقل دمها، فهناك من يراها مهضومة وتلبي الحاجة.

لنكن واقعيين أكثر قليلاً، فالانقسام (الصحفجي خصوصاً) هو بين نوعين من هذه البرامج، الأول هو برنامج يراعي الاحتشام العام الذي يتميز بسقوف انتقادية متغيرة ومتحولة حسب الإلهام، والثاني الذي لا يراعي الاحتشام العام حسب رأي الصحفجية من حراس الفضيلة. وهنا لا اقصد بالاحتشام، وجود المرأة وملابسها والاستعراض بها حسب الاتهام الصحفجي فقط، بل الاحتشام بمعناه العام على الفكرة والرأي والخبر، حيث لو أمعنّا النظر لاكتشفنا أننا أمام استقطاب واضح يدور بين مطرقة الحداثة وسندان التقليد، حيث يضع الصحفجي ـ الموصوف آنفاً ـ ساقيه في قاربين مختلفين لا يجرؤ على اختيار أحدهما، فهو يريد برامج محتشمة شرط ألا تكون محتشمة، لأنه الوصي على ثقافة الشعب وليبدو كضائع يستسهل الانتقال إلى موقع الضحية الشاكية من قلة وجدان الآخرين.

البرامج الترفيهية المائعة، ذات الأزياء “الفاضحة”، والمفردات والإشارات والإيحاءات الجنسية أو السياسية “الخادشة”، والرقص والغناء والمسابقات” السخيفة، لا تدعو إلى العنف ولا توصل إليه، بينما البرامج الترفيهية “الجادة” تدعو إلى العنف مباشرة أو في المآل القادم، فإلى أي البرامج يجب التوجيه؟ خصوصاً أن النوع الثاني أثبت علاقته التربوية/ الثقافية  بالاستبداد والإرهاب، ليصبح النوع الأول ضرورياً مهما كان متهافتاً، فعلى الأقل يحمل قيمة إيجابية من ناحية الإطلاع على الحياة في شكلها المعاصر. وهذه ( كلمة على الأقل ) تحمل كل صفات التوهان  وعدم معرفة المطلوب.

كلا النوعين من هذه البرامج يكرسان نجوماً، تتناسب مع موضوعيتهما، ويفرضان مواضيع تتناسب مع ثقافة معدينهما، وكذلك الضيوف على أنواعهم وغاياتهم يتماشون مع المطلوب منهم بكل خضوع، إن كان تلقيناً أو طمعاً بالدعاية أو المكافأة، ويقيمون جدلاً موضوعياً فيما بينهم، وفيما بينهم وبين المشاهد أيضاً، فمن ارتضى لنفسه ذلك مشاهداً كان أم مشاركاً، فهذا حقه، ولا يمكن لأحد مصادرته، وإلا تحول الحق إلى ممنوعات (على طريقة الرواية العربية مثالاً) والمقدمين على المشاركة مجرمين يهربون منتجاتهم من محطة إلى أخرى، كما حصل مع البرامجي: باسم يوسف الشهير.

في مقابل باسم يوسف ومن ناحية الحق في التعبير يمكننا رؤية أكثر من شخصية تعرضت إلى التشكيك الصحفجي في هذا الحق، قد نذكر ميريام كلينك كمثال متطرف، ولا ننسى كمية الاتهامات والاشاعات التي يمكن أن تطاول أية فنانة خادشة للاحتشام العام المتصالح عليه كمعيار نقدي متداول، وكذريعة حكم عليهن. مع وجود كل هذه الريموتات التي تعطي المشاهد الحق بالمشاهدة أو عكسها.

هل هذه التجمعات السكنية العربية بحاجة إلى هذه البرامج المتهمة بخدش الاحتشام العام؟ بالتأكيد هي بحاجة، وليس تهافتها التقني والفني حجة صالحة لاتهامها، فالبرامج المقابلة من النوع الثاني مصابة بذات العلة، فلا تفاضل بينهما من هذه الناحية، وفي كل الأحوال هناك مستهلكين لكلا النوعين مع أفضلية واضحة للنوع الأول الذي يتميز بمشاهدات سرية عارمة.

أن نضحك على أنفسنا ونتهم البرامج بتخريب الذوق والثقافة، ونحن نرى ما نراه من دماء وكوارث ناتجة عن ثقافة كانت دوماً مراقبة وتحت السيطرة، فأي نوع من الفصام نعيش؟ ونحن نشفط من منابع الفنون من مجترحيها لنعيب عليهم وعلى أنفسنا ما نصنع مقلدين.

إننا نعيش مرحلة الإعلام المفتوح، وهي حقيقة لا يرضى عنها الكثيرون، أو بالأحرى لم يصدقوا أنها حصلت وموجودة ( تماماً كما لم يصدقوا الفوضى الخلاقة والشرق الأوسط الكبير)، ولم ينتبهوا أن هذه المرحلة وغيرها هي نتاج الحركة الدائمة للإنتاج الإنساني كما أنها تعكس تماماً ما هو موجود في الواقع، حيث يصعي تصديق أننا على هذه الشاكلة وهذه الصورة، إنها أمنيات وهمية، ينظّر حولها ارتجالياً بمنطق متهافت، في انتظار ولادة الإنسان العربي الجبار.

 كاتب وسيناريست سوري  | مجلة قلم رصاص الثقافية

عن نجيب نصير

نجيب نصير
كاتب وسيناريست سوري عريق، كتب العديد من المسلسلات السورية التي لاقت إقبالاً كبيراً، تمتاز أعماله بطابع خاص، ومن أبرزها: نساء صغيرات، أسرار المدينة، الانتظار، تشيللو، فوضى، أيامنا الحلوة، وغيرها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *